حكايات من البر الإنكليزي: حكاية تشبهني

حجم الخط
0

حكايات من البر الإنكليزي: حكاية تشبهني

جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: حكاية تشبهنيلست من محبي اقتناء وركوب السيارات الخاصة في بلد تتوفر فيه وسائل المواصلات العامة، وما زلت الي يومنا هذا أعتبر السيارات وحوشاً من حديد و شراً وبيلاً من صنع ايدينا يفتك بالبشر ويدمر البيئة. كل صباح حين اغادر بيتي في طريقي لمقر عملي تقابلني قوافل السيارات تملأ الطرقات وهي تسير ببطء شديد من شدة الازدحام، وأشم في الجو رائحة البنزين المحترق والدخان فأحس بالشفقة علي امنا الطبيعة من قسوة البشر وسوء المصير الذي ينتظرهم نتيجة هذا اللهاث المستمر والمتقصد لتلويث الحياة وتسميم الكون بالنفايات. لذلك توطدت أواصر علاقة ودية بيني وبين الحافلات العامة والقطارات بمعني أنني علي استعداد شبه دائم لتقبل وتفهم ما يحدث من عراقيل وتأخير ومقالب وحوادث غير مسرّة في كثير الأحايين. لا يهمني كثيراً ان تخلف قطار عن موعده أو فاتتني حافلة. مرة في برومبتون رود كنت أسير علي قدمي حينما لمحت حافلة تقف في محطة تبعد عني قرابة خمسين متراً فما كان مني الا الركض سريعاً للحاق بها، الا أن محاولتي باءت بالاخفاق لأن الحافلة تحركت قبل أن أصلها، فانطلقت مني شتيمة مقذعة، ولم أكن أدري أن رجلاً عجوزاً كان واقفاً في المحطة في انتظار حافلة اخري غير التي غادرت. اعتذرت له علي الشتيمة التي بدرت مني، فضحك ورد عليّ قائلاً: هون عليك يا بني. شيئان يجب علي الرجل عدم ملاحقتهما النساء والحافلات لأنه توجد دائماً أخري علي الطريق باتجاهك!! ذات مرّة كنت مستقلاً حافلة عامة من ويست هامستد الي نورث فينشلي، وعلي المقعد المجاور لمقعدي جلس شاب في مقتبل العمر، يضع سماعات في اذنيه ويهتز بجسمه يميناً ويساراً مع نغمات الموسيقي التي كان يسمعها. لم تكن الحافلة مزدحمة ولم أكن في عجلة من أمري، حينما توقفت الحافلة في محطة ما وصعد رجل يجر خلفه كلبا كبير الحجم بحبل يمسك بناصيته في يده والتفت الناصية الأخري منه حول رقبة الكلب، كان الكلب من النوع الذي تتمني ان تراه (يدغبر) في عدوك. وأن تري رجلاً أو امرأة يصعد الحافلة أو القطار صحبة كلب أمر عادي جداً، الا أن هذه المرة اختلف الأمر قليلاً عن المعتاد بمعني أن الرجل كان يجر الكلب جراً بشيء من القسوة والغضب. هزت امرأة مسنة كانت تجلس في المقعد الأمامي رأسها بأسف ثم صرخت في الرجل بعنف: لماذا لا تترفق بالكلب ؟ انه افضل منك . توقف الرجل ونظر الي المرأة وقال: هذا صحيح يا سيدتي حتي زوجتي تقول لي دائماً أن الكلب أفضل مني!! . ضحك الناس من حوله وبدأ سيل من التراشق بالتعليقات الساخرة قالت امرأة أخري: الزوجة دائماً علي حق . ورد الرجل: هذا حال زوجتي، هل لديك زوج يا سيدتي ؟ تدخلت امرأة أخري: ليس لدي زوج وضحكت بصوت عال. قالت المرأة المسنة: مسكينة زوجتك كان أفضل لو احتفظت بالكلب وطردتك !! رد الرجل: اشكر الله ان زوجتي لا ترافقني الآن . ضحك من في الحافلة. توقفت الحافلة في محطة وهم الرجل بالمغادرة مجرجراً الكلب خلفه، وقبل أن يهبط التفت الي المرأة المسنة قائلاً: كان جميلاً أن ألتقيت بك ، ردت المرأة بسرعة وغضب: أتمني لو أستطيع قول نفس ما قلت . واصلت الحافلة رحلتها وساد صمت بين الراكبين قطعه صوت الشاب الجالس بجانبي مخاطباً المرأة المسنة الجالسة في المقعد الذي يقع أمامنا: كان الأجدر بامرأة في سنك أن تعامل الرجل باحترام ، التفتت المرأة له، وحدقت في عينيه بدهشة واستغراب ثم قالت: أعتقد أن سنوات عمري ومعرفتي بالرجال وراء عدم احترامي لأزلام مثله ومثلك . تضايق الشاب مما قالته المرأة، وأعاد السماعات الي مكانهما في أذنيه ثم تلفظ بكلمة نابية جداً، سمعتها المرأة، ومن كان حولهما من الراكبين. التزمت الصمت، مستشعراً التوتر يزداد حدة فيما حولي. نهضت المرأة من مقعدها واقفة، والتفتت نحوي والشاب الجالس الي جواري، ثم وبأسرع من لمح البرق صفعت الشاب صفعة قوية علي خده الأيسر حتي كاد يقدح بالشرر، واستدارت الي الخلف وجلست في مقعدها وكأن شيئاً لم يحدث. صفقت سيدتان بحماس للمرأة المسنة. واصلت الحافلة الرحلة، وخيم صمت غريب علي الراكبين، وفي داخلي أحسست بشيء من الأسي تجاه الشاب، وتمنيت لو أن بمقدوري مواساته بكلمة تقلل من وقع الاهانة عليه، وتجبر بخاطره، الا أنني خفت أن أثير حفيظة المرأة المسنة، وربما يحدث لي مثل ما حدث للشاب ومن يدري ربما أسوأ. غادر الشاب مقعده واتجه نحو باب الخروج، وحين توقفت الحافلة في المحطة غادرها سريعاً وغاب في زحام الشارع. تدبرت في الموقف مجدداً وقلت في نفسي تري كيف كنت سأتصرف لو حدث ذلك لي؟هل ارد علي الصفعة بمثلها أم ابلع الاهانة كما فعل ذلك الشاب وصفعة وتفوت ولا حد يموت؟ وجدت أنني سأكون الخاسر في الحالتين فحمدت الله الذي جنبني مرارة ذلك الامتحان الصعب والمرير. ومع ذلك ما زلت احب الجري للحاق بالحافلات، وما زلت أزعل واشتم حين افشل في اللحاق بواحدة، وما زلت أحب أجواء محطات القطارات، والخوض في ضجيج مكبرات الصوت وتلامع الاضواء في الشاشات الالكترونية وما زالت تشدني لحظات وداع الأحبة، وقلق المسافرين، وما زلت أرصد التبرم والضيق في وجوه المسافرين لحظة ابلاغهم بالغاء رحلة قطارهم، وما زلت مقتنعاً أن كل ما قد يواجهني من متاعب وغيرها يظل افضل بكثير من الكآبة التي تنتابني وأنا اقود سيارة غائصاً في وحل زحام الطرقات، ومشاركاً في جريمة اغتيال كون هرم. كاتب من ليبيا يقيم في لندن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية