حكايات من البر الإنكليزي: حكاية قديمة

حجم الخط
0

حكايات من البر الإنكليزي: حكاية قديمة

جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: حكاية قديمةيباغتك مطر الصباح، وأنت تحث الخطي، مغادراً دفء بيتك، باتجاه بداية نهار لندني آخر لا تدري إلي أي درب سيقودك، لكنك، ككل صباح، تقول مطمئناً نفسك: يا غول وكلانا يا مسلم وأحيانا . محطة القطارات في وريســــــــتر بارك، كما هي كل صباح، نازفة بالتعب والقدم، مستسلمة للمطر في سكون ووجوم، وعلي الرصيف، تحت المظلة، تقابلك نفس الوجوه.تصل المحطة وتختار مكاناً تحاول، متعمّداً، أن يكون علي مسافة ليست قريبة من اقرب شخص إليك، متوجساً تقف وتفلت عيناك في سجف الغيم الذي يغلف مدينة لم تسمح لك مطلقاً أن تعرف الطريق الذي يقود إلي قلبها: أعرف أن طرابلس امتلكت قلبا، يوماً ما، لأنني لمسته وأنا طفل بيديّ وأحسست بنبضه الراعف، وما زلت إلي يومنا هذا أتذكر تلك اللسعة اللذيذة التي اعترتني، لكن هل امتلكت هذة المدينة المسماة لندن قلباً في اي يوم من الأيام؟ . تشعل سيجارة أخري مدركاً أن سم النيكوتين الذي يعشش في رئتيك لن يكون أقل سوءاً من سموم أحزان عالم بليد وقليل الحياء، ومعترفاً أن من لم يمت بالسرطان مات بغيره . تقف مسكوناً بألم تستشعره ينوس كضـــــــوء في حناياك، تطارد أحلاماً اعتراها غبار القدم والنسيان، وصارت مع الوقت (موضة قديمة). تراقب رصيف المحطة وهو يزداد ازدحاماً مع اقتراب موعد وصول قطار الساعة الثامنة وسبع وخمسين دقيقة. تدرك تماماً كرهك لمحطات القطارات الصغيرة، وتدرك أيضاً تبرّمك من تكرار مشاهدتك لنفس الوجوه المتعبة وهي تبدأ نهاراً آخر. في القطار تجلس علي مقعد قرب سيدة قبيحة وبدينة، وتبدأ طقوسك المعهودة. كل الطرق تقود إلي لندن، ولندن (تحب والا تكره) ما زالت كما عرفتها مدينة لا تتغير بتغير الفصول أو الحكومات أو الزعماء أو الملوك، ولا تعترف لأحد بشيء، تعيش نهارها وليلها وكأن (ما فيش حد غيرها) ومن يختر العيش بها أو (يجيبه الزمان الاغبر ليها) عليه أن يقبل العيش بها وفقاً لشروطها، ومن لا يعجبه ذلك عليه ان يشرب من ماء بحرها المتسخ والنتن. حين يتوقف القطار في محطة فكتوريا، تغادره غير آسف، وتخوض في الزحام مع الخائضين (كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة). لا تفكر بشيء لأنك لا تستطيع أن تغير شيئاً أو تؤثر في اي شيء: أنت من أصلاً؟ ، ولا تشتهي شيئاً لأن الأشتهاء في زمن كهذا صار جريمة. تتحرك كانسان آلي في طريق تحفظه قدماك، وتحفظ عيناك تفاصيله الدقيقة. بدون قصد تجد شفتيك تدمدمان بلحن قديم جداً، (كأحلامك المجهضة أو كطفولتك التي خطفت من بين يديك عنوة وعلي حين غرّة وأنت تقطـع المسافة بين منفي ومنفي)، سمعته أول مرة حين كانت الدنيا بين يديك تفاحة مشتهاة تتقد بالغواية كأنها قطفت للتو من جنة الفردوس تقضمها بلذة من يتذوق فاكهة محرّمة. آه …ويح قلبك من لذة اختزنتها ذاكرتك ولم تعد تتذوقها منذ زمن طويل جداً، ولكنك ما زلت تتذكرها من لحين لآخر حين تضيق بك بنت الكلبة المسماة جزافاً دنيا. تتذكر انك لم تعد ذلك الذي كنته يوماً ما ولا تتأسف لذلك، وتعترف أنك لم تعد تبالي بحقيقة كهذه لأنك تدرك أنك تعيش في عالم يتغيرمن حولك نحو الأسوأ كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، كل ثانية، وأن (اللي راح راح وحد العياط قولة ووك)، ومع عليك إلا أن تمارس ما تبقي عالقاً من أيامك في سرة الوقت بأي كيفية، المهم أن تكون قدماك علي الارض لا تحتها. تصطدم بك سيدة، وتقول لك بصوت خجـــــــــول: متأسفة . لا ترد، ولا تلتفت، وكأنك تتوقع حدوث ذلك في محطة قطارات تحمل إسم إمرأة حملت في يوم ما لقب ملكة بريطانيا العظمي وإمبراطورة الهند، وعرفت بعنادها وقسوة قلبها وشدة مراسها وقدرتها علي مقارعة وهزيمة من يقف في طريقها. خارج المحطة، وعلي غير عادتك، تختار أن تكمل المشوار إلي مقر عملك سيراً علي قدميك. مطر… مطر…. مطر وفي العراق احتلال شنيع وموت فظيع ومرير يلتهم الجميع بلا استثناء، وأنت (يا بختك!) مثل غيرك تتفرج علي ما يحدث وكأنك في صالة عرض تشاهد فيلماً سينمائياً لا علاقة له بحياتك ولا علاقة لحياتك به. مطر…. مطر…. مطر وعطش يشقق قلبك، وسغب يستبد بروحك، والطرق لا تقود إلا إلي ما لا تعرف أو لا تشتهي. من يدلّ قلبك علي نهج الفتنة، ومن يجرؤ، مرة، ليقودك في دروب الغواية؟ من يفتح نافذة في جدار الوقت ويناديك بإسمك في مدينة تعج بالبشر من كل فج عميق؟ مطر ..مطر…مطر… وفي حلقك لهيب من رغبات محمومة وأمنيات امتصها الحرمان، وعصف بها الريح والرمل وخيبات الأمل. كل الطرق تقود إلي لنـدن، ولندن، كما هي، وكما عرفتها أنت وكما عرفها غيرك من الغرباء، تفتح باباً واحداً وتغلق غيره من الأبواب، ثم تنفرد بك وتقول: هيت لك ، ولا جبل أمام ناظريك يجعلك تقول سآوي إلي جبل يعصمني….. ولا عاصم اليوملا عاصم الأمسلا عاصم غدا.كاتب من ليبياQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية