جمعة بوكليب
تجدهم في كل محطة قطارات، وخاصة الكبيرة منها. رجال، اعمارهم لا تقل عن الخمسين، وبعضهم تجاوز سن التقاعد. وجوههم علتها التجاعيد واختفت منها نضرة الحياة، جلهم يضع علي عينيه نظارات بعضها في سُمك زجاجة الحليب. يرتدون ملابس ثقيلة، وتحوط أعناقهم شالات صوفية، ولا يتحدثون مع بعضهم إلا لماماً. ويحملون حقائب تتدلي من أكتافهم أو محمولة علي ظهورهم. ولم يسبق لي مشاهدة أنثي واحدة بينهم، يحملون في ايديهم كراسات صغيرة وأقلاما، ومن أعناقهم تتدلي خيوط تحمل مناظير، البعض منهم يمسك بكاميرات تصوير والبعض الآخر كاميرات تسجيل فيديو. أحياناً يعملون فرادي، وأحياناً أخري تراهم في مجموعات صغيرة، منهمكين في مراقبة القطارات وتسجيلها. يعرفهم الناس باسم (Train spoers) ولا يعيرونهم اهتماماً، بل ان البعض يطلق عليهم أوصافاً مقرفة. كل قطار يمر بالمحطة خاضع لمراقبتهم، وتدوين شكله ورقمه ونوعه في كراساتهم الصغيرة. كأنهم فرقة استطلاع عسكرية في حالة رصد للعدو، وهم يقفون علي رصيف المحطة، ودائماً ما يختارون أبعد نقطة في الرصيــف، علي مسافة بعيدة من جمهور المسافرين. من لا يعرفهم يظن أنـــــــــــــهم موظفــــــون تابعون لهيئة السكك الحديدية بغرض مراقبة سير القطارات ووصولها في مواعيدها او تخلفها. كنت في السابق أراهم أكثر خلال عطلة الأسبوع، لكنني هذه الأيام أكاد أراهم يومياً في محطة كلابهام جانكشن، وأعترف أنني تعودت عليهم لدرجة أنني افتقدهم إذا لم أرهم صباحاً. كثيراً ما كان يدفعني الفضول للاقتراب منهم وسؤالهم عما يفعلون إلا انني لم افعل وبدلاً من ذلك التجأت إلي شبكة الإنترنت واكتشفت عالماً جديداً لأناس لا هم لهم إلا مراقبة القطارات وتدوين مشاهداتهم وتبادل المعلومات والصور فيما بينهم. باختصار تبين لي أن هناك نوعاً من البشر هوايتهم المفضلة في الحياة هي (تقييد أحوال القطارات)، ولو سمعت أمي بهم لقالت علي الفور (هذي صنعة اللي ما عنده صنعة) ولكنت وافقتها في ذلك. ومع ذلك لا بد لي من الاعتراف بأن هواية (تقييد أحوال القطارات) التي يقوم بها هؤلاء المتقاعدون أو شبه المتقاعدين من الإنكليز أو غيرهم من الجنسيات، افضل كثيراً واقل شراً من عادة تقييد أحوال عباد الله. علي سبيل المثال، والدي المتقاعد منذ عشر سنوات تقريباً، والذي منذ أن يستيقظ صباحاً إلي حين موعد نومه لا عمل له إلا الجلوس في الشارع الجانبي المحاذي للعمارة التي نقيم بها مع جماعته من (الشيابين) المتقاعدين الجيران، ولا عمل لهم سوي التدخين والهدرزة و(تقييد أحوال الرايح والجاي، والخاش والطالع) ولا يتركون مكانهم إلي أن تطردهم منه حرارة الشمس عندها يعودون لبيوتهم لتناول طعام الغداء ثم إغفاءة القيلولة القصيرة، وبعدها يعودون لممارسة طقوسهم. جلسة المساء تكون في الجهة المقابلة لمكان جلوسهم الصباحي حيث الظل والبرودة. يجلسون هناك إلي اخر المساء لا يفعلون شيئاً سوي تضييع ما تبقي من سنوات عمرهم في (جغ مغ) وتقييد أحوال العباد. بعد صلاة المغرب يتحول الفريق بكامله إلي جهة اخري قريبة، حيث يفترشون حصيراً علي الأرض يجلسون فوقه متحلقين علي شكل دائرة ويبدأون في لعب الورق. ايام الصيف يستمر لعبهم إلي ما بعد منتصف الليل، حيث يعودون إلي بيوتهم. بمجرد انصرافهم تبدأ جماعــــة (شرب البوخة) مشوارها الليلي، يجلسون مختبئين في ركن مظلم ولا يبدو منهم سوي التهاب جمرات سجائرهم، في حين يجلس الشباب من هواة تدخين الحشيش في سيارة من سيارات أحدهم علي مقربة من المجموعة الأولي. وطبعاً تبادل الزيارات بين افراد المجموعتين مستحب جداً، و. . . . (ويلك ياللي تعادينا ياويلك ويل)!! حيوات بشرية بائسة، تعيش ضائعة متهالكة يفتك بها الملل والضجر وممارسة الموت العبثي ببطء، يومياً دون إحساس بجدوي اي شيء. حيوات تبعث علي الشفقة وهي تمارس انتحاراً بطيئاً لكينونتها. ومع ذلك لا بد من الاعتراف بأنهم معذورون، إلي حد ما، فيما يفعلونه نظراً لعدم توفر اي بديل آخر. أذكر انني مرة سألت والدي ان يكف عن الجلوس كل يوم أمام العمارة. نظر إليّ ورد: وشنو تبيني إندير؟ نحبس روحي في الحوش، والا نمشي ندوح في الشوارع؟
؟. لم أجد جواباً شافياً، لذلك اخترت السكوت وتغيير مجري الحديث نحو ضفة أخري. لكني ذلك اليوم، وأنا واقف علي رصيف 12 في كلابهام جانكشن في انتظار القطار الذي سيقلني إلي محطة لندن فكتوريا، ظللت أراقب ثلاثة عواجيز من فريق رصد القطارات، وهم في حالة من النشاط والحيوية، يراقبون كل قطار قادم أو مغادر، ويسجلون ملاحظاتهم في كراساتهم الصغيرة، تمنيت في نفسي لو وجدت في ليبيا قطارات، ومحطات سكك حديد، وضجيج من النوع الذي اسمعه في المحطة، وازدحام المحطات بالمسافرين. قلت لو توفر ذلك لكان سهل عليّ الإجابة علي تساؤلات والدي، ولو توفرت قطارات ربما ما احتاج والدي وجماعته من المتقاعدين للقعود الطويل أصلاً وممارسة العبث وتضييع الوقت والحياة فيما لا يعني وتقييد أحوال الناس. وربما لو توفر ذلك لكان هو وجماعته الآن واقفين في رصيف محطة قطارات بأقلامهم ومناظيرهم وكاميراتهم يرصدون ويراقبون ويسجلون ويصورون مثل هؤلاء العواجيز الإنكليز!! كاتب من ليبيا