حكايات من البر الإنكليزي: حكاية محظوظة
جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: حكاية محظوظةتغادر بيتك صباحاً وتدخل،بقلب متوجس ومتردد، في مسارب وحنايا نهار آخر، تتعوذ، كما كان يفعل المرحوم جدك وهو يغادر البيت كل صباح في طريقه إلي العمل، من الشيطان الرجيم ومن شر ما خلق،وتدعو الله أن يجنبك الحرام وأهله ويفتح أمامك ابواب الخير. تدخل النهار من بوابة صباح ربيعي يبعث فيك دفؤه النشاط فتسير متأبطاً قلقك متأهباً لمفاجآت تتمني أن تكون طيبة.تعرف أنك مثل خلق الله الآخرين طمّاع ولحوح وقليل الصبر ومخادع وأن طيبة قلبك التي تعتز بها ما هي إلا غلاف رقيق شفاف يخفي ما الله مبديه في نظرات عينيك. شمس ربيعية لذيذة تضيء فضاءات النهار وتتخلل أوراق الشجر وتوقد في العشب تباريحه، فترف طيور قلبك وتنفلت في الفضاء. كعادتك كل صباح تسير متمهلاً غارقاً في أفكارك التي لا تنتهي ولا يرجي منها فائدة، لكنك لا تغير عاداتك مثل اي (شايب) آخر. تتذكر أنك مرة سألت صديقاً لك من ايرلندا يعيش في لندن منذ الصبا، عن السر وراء احتفاظه بكل عاداته السيئة ولماذا لا يغير من طريقته في التعامل مع الحياة؟؟ تتذكر أنه قال لك ببساطة أن المشكلة الوحيدة التي تواجهه هي أنه لا يملك الوقت الكافي لذلك!! قبل وصولك إلي محطة القطــــــــــار يرتجــــــــف قلبك من الذعر لمرأي غراب العقعق (Magpie) فتتطير وتقول بصوت مسموع: صباح الخير يا سيدي طير العقعق، كي تتقي شراً قادماً نتيجة لظهوره أمامك. تشعر بنوع من عدم الإنصاف يرتكب في حقك،أنت القادم من مجتمع تعشش فيه الخرافة، وتتكلم فيه القنافذ وتمتلكه الأغوال والأشباح والجن من كل الاشكال والاطياف، ثم إذا بك تعيش في مجتمع علماني ،لكنك مع مرور الوقت وتلاحق السنوات تكتشف ان العلمانية ليست إلا طلاء تعيش تحته الخرافة حية تسعي. ويتبين لك أنه عليك أن تزيد من اثقال ما حمّلتك به أمك وأبوك وأهلك وذووك من خرافات بأثقال خرافية وشــــــــــعوذات مجتمع (تحب أو تكره) علماني!!! مجتمع تعلمت فيه التطير من رؤية طير عقعق وحيد ،ولكي تتقي شره عليك أن تحييه بصوت مسموع، وأن تفرح وتسر لرؤية طيري عقعق،وأن تطير من الفرح إذا رأيت ثلاثة أو أكثر. المشكلة أن غربان العقعق اللعينة بطبيعتها نادراً ما تتواجد أو تطير مع غيرها من بني جنسها. تتذكر أنك كنت في برايتون تسير رفقة صديق إنكليزي في الشارع حين قابلكما عامل بناء يقوم بطلاء نافذة منزل واقفاً في الدرجة قبل العليا لسلّم خشبي مسنود علي جدار البيت. وبسبب ازدحام الطريق ونفاد صبرك قررت عدم التوقف ومواصلة السير بعفوية عبر المسافة الصغيرة بين السلّم والجدار في حين انتظر رفيقك حتي خلت له الطريق وواصل سيره دون أن يضطر لفعل ما فعلت،وحينما واصلتما السير قال لك أن المرور من تحت سلّم يجلب قلة الحظ. لم يخطر علي بالك ذلك ومنذ تلك المرة تعلمت أن تتجنب المرور تحت اي سلّم ولو كان يقود إلي الجنة لأنك ببساطة تعرف أنك مش ناقص قلة بخت. تتذكر مرة أخري وأنت تتعثر في خطاك مثل طفل يتعلم المشي، كيف أنك ذات يوم في مدينة ردينغ وأنت تسير في الشارع قابلتك امرأة غجرية وعرضت عليك زهرة أو نبتة شوكية وكأنها اقتطفت من نباتات جبل، جميلة الشكل ومغلفة بقطعة من ورق فضي لماع. تتذكر أنك أخذت النبتة من المرأة الغجرية وتبرعت لها بمبلغ زهيد. لكنك حين غادرتها حذرتك امرأة عجوز كانت تقف قربك من فعل ذلك مستقبلاً لأنه يجلب سوء الحظ!!! حين سمعت ذلك رميت بالنبتة أرضاً وتعوذت من كل شياطين الأرض الذين يلاحقونك ويجعلونك تفعل كل ما من شأنه أن يزيد من سوء بختك. عالم غريب كلما كبرت فيه وتوغلت عمقاً ازددت نزفاً وتعقيداً وأيضاً قلة بخت،وتجد نفسك سائراً في الطريق تدندن: أحيه ما حر دايا واخيه ما مر ريقي . تتذكر أيضاً في أول عيد رأس سنة قضيته في هذه البلاد العلمانية جداً وكنت تسكن مع عائلة إنكليزية وكيف أن صاحبة البيت عندما دقت الساعة منتصف الليل تماماً، واشتعل سكون الليل بأنوار المتفجرات معلنة بداية سنة جديدة، قامت واتجهت نحو باب البيت وفتحته ثم رجعت إلي مكانها. ولأنك لم تر المرأة تفتح باب البيت، ورأيت باب البيت مفتوحاً تهيأ لك أن أحدا ما نسي إغلاقه فما كان منك سوي النهوض من مكانك والسير نحوه ثم إغلاقه!! تتذكر بحياء وخجل الغضب الذي اعتري ربة البيت حينما اكتشفت أنك أغلقته، وتتذكر أنها بعد أن هدأت قليلاً قالت لك بهدوء وكأنها تحادث طفلا نزقاً بألا تفعل ذلك مستقبلاً، وأن الغرض من فتح الباب هو الترحيب بالسنة الجديدة والسماح لها بدخول البيت وإحضار حسن الحظ معها للبيت وأهله!!! ظللت بعدها متوجساً طيلة فترة بقائك في ذلك البيت وكلما حدثت مشكلة أو ثارت زوبعة تحمّل نفسك تبعات ما حدث بسبب إغلاقك لباب البيت ومنعك الحظ الطيب من الدخول إليه.تتذكر ذلك اليوم وأنت تجلس صحبة زوجتك علي سطح قارب بخاري يشق نهر الثيمز في نزهة، تستمتع بدفء النهار، ومأخــــــــــوذاً بروعة التنــــــزه في نهر قديم وعظيم، تستمع إلي المرشد السياحي عبر مكبر صوت وهو يشرح ويعلق علي المباني والمعالم التي يمر بها القارب، ثم حين وصل القارب إلي جسر تاور هيل المشهور بكونه الجسر الوحيد علي نهر الثيمز الذي يفتح ويقفل، سمعت المرشد السياحي يقول أن من يكون في قارب في طريقه للمرور تحت الجسر ويري مشاة فوق الجسر ويحييهم بتلويحة من يده أو يديه وقام أولئك برد التحية فإنه سيكافأ بخمس سنوات من حسن الحظ. تتذكر كيف أن جميع من كانوا معك علي متن القارب انفلتوا ملوحين بأيديهم محيين المشاة فوق الجسر وكيف رد المشاة التحية بمثلها. تلك اللحظة اكتشفت أنك لست الوحيد الذي يلهث وراء ولو القليل جداً من حسن البخت وطيب الحظ!! وأدركت أن هناك بقعة ما في داخل قلب كل منا تظل بمنأي عن كل علم وعلمانية، يسكن فيها خوفنا وقلقنا ـ المتأصلان فينا كبشر ـ من المجهول منذ بداية الخليقة إلي نهاية الحياة. وأن لهاثنا وراء الحظ الطيب ليس إلا محاولة إنسانية مشروعة (وإن كانت تعبيراً عن ضعف) للإفلات من براثن شر مجهول. حظاً طيباًكاتب من ليبياQMK0