حكايات من البر الانكليزي: افرح ياقلبي!

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

افرح يا قلبي!! مرة أخري، يلعب الوقت لعبته، واذا بكمن جديد، فيمحطة فكتوريا، الكريسماس علي الأبواب، وانت تقف، وحيداً، بعد كل هذه السنوات المريرة، فينفس المربع الأول، وكأنك يا حليمة لا رحتي ولا جيتي، وافرح ياقلبي!!!!!!!!!!!!!!!!! تتنقل عيناك في الوجوه الغريبة العديدة التي تزدحم بها المحطة. علي بعد خطوتين أو ثلاث منك يقف رجل غريب يخاطب زوجته بهاتفه النقال، يده اليمني تسد أذنه الاخري في محاولة يائسة لسماعها ويتحدث بصوت مسموع: ليست غلطتي، رحلة القطار ألغيت، ولم أعرف السبب بعد. اعتذري للضيوف. تقودك قدماك الي محلات دبليو اتش سميث، في الركن المخصص للصحف بتعجل تتنقل عيناك بين عناوين كبيرة وصغيرة تتحدث عن استمرار حرب البسوس بين رئيس وزراء متشبت بأظافره وأسنانه بكرسيه ووزير خزانة لا ينام الليل يحيك المؤمرات لزحزحة رئيسه عن الكرسي والحلول مكانه. فتقول في نفسك: فخار يكسّر بعضه علمتك التجارب ألا تثق بالمشتغلين بالسياسة، وتوصلت، منذ زمن، الي قناعة مفادها أن السياسي لا يهمه شيء في الدنيا سوي نفسه ومصالحه الشخصية وتحقيق مجده الشخصي، أما غير ذلك فلا يعدو كونه وسائل لتحقيق تلك الاهداف. تقرر مغادرة محطة فكتوريا. في محطة الحافلات العامة، تقف في آخر طابور طويل أمام موقف الحافلة رقم 52. تنطلق الحافلة. في منطقة نايتس بريدج تغادر الحافلة، وتترك الحرية لقدميك لتقودانك:

الي أين؟ الشوارع مزدحمة، المحلات مزدحمة، الكريسماس علي الابواب، لهفة الناس علي شراء الهدايا تجعلك تحس بشيء من الفرح الداخلي. شيء ما يردك الي طفولتك الغريقة، ومتعتك وأنت طفل بفرحة العيد، والملابس الجديدة والهدايا والعيدية. شيء ما يجعلك تحس بلهفة الناس الحارة للفرح في عالم علي بُعد شهقة من الهاوية. شيء ما يجعلك تعتقد أن الناس لم تعد في حاجة للاكتراث بمصير عالم يتفكك ويتداعي قطعة قطعة، وأنها لا تريد أن تضيّع فسحة متاحة لشيء من الفرح وتبادل الانخاب والهدايا، وبطاقات التهاني. شيء ما ينتشلك من رعونة وحشتك ويلقي بك في خضم اشتعال نايتس بريدج بالتألق والاستعداد للاحتفاء بالعيد. شيء ما تحس به يتحول في قلبك الي جناحين هائلين يطيران بك عالياً، فترف محلقاً مخترقاً الغيوم، صاعدا نحو النجوم، وحين تتعب تحط رحالك في مقهي بيتسريا فاليري تشرب قهوة ساخنة وتدخن بشراهة. يعنّ لك مخاطبة صديق لك بالهاتف المحمول، تدير الرقم وتضغط الزر المخصص للاتصال ثم تسمع الرنين، ويأتيك صوت صديقك. تقول له انك موجود في بيتسريا فاليري وبودك الالتقاء به، يقول لك انه موجود في الدوحة منذ يومين وسيعود في نهاية الاسبوع، وسيخاطبك بالهاتف لتحديد موعد للقاء، تعيد هاتفك الي مكانه، أمامك، علي المنضدة، وتقرر أن تذهب لمشاهدة فيلم في ليستر سكوير. تغادر دفء وضجيج المقهي، فتتلقفك ريح باردة، وأرصفة مزدحمة بأناس من كل الجنسيات، وتسير مسرعاً باتجاه محطة الاندرغراوند المحاذية لهارودز. تهبط درجات السلم وتغيب مثل غيرك في النفق. في آخر الليل تعود الي محطة فكتوريا، وتصعد القطار لا تفكر بشيء سوي الوصول الي بيتك والاستلقاء في دفء فراشك. تصل بيتك وتفتح الباب وتدخل وتوصده خلفك، يقابلك سكون مطبق: لا أحميدة في الكتّاب ولا عويشه في العريفه. تخلع نعليك وتصعد الدرجات الخشبية المؤدية الي حجرة نومك. بملابسك (تتلوح) علي السرير، محاطاً بالصمت والعتمة، مدركاً أنك في صباح اليوم القادم، ستمارس نفس طقوسك الصباحية المملة، ثم تغادر البيت، وتترك العنان لقدميك لتقودانك مرة أخري الي محطة فكتوريا، وتدرك أنك زي الشعير يدور يدور ويرد لقلب الرحي.

وافرح ياقلبي!

ہ كاتب من ليبيا يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية