حكايات من البر الانكليزي الحاج منصور في لندن يا سمي صُّبي المي!!
جمعة بوكليبحكايات من البر الانكليزي الحاج منصور في لندن يا سمي صُّبي المي!!كنت مارّاً علي عجل في شارع إجوارد رود، كان الفصل صيفاً حاراً لزجاً شديد الرطوبة، والوقت علي مسافة بعيدة قليلاً من أنسام المساء، حينما لمحته جالساً، خارج مقهي عربي، علي كرسي وبجانبه منضدة يتربع وسطها إبريق شاي وكأس زجاجية مليئة بالشاي المنعنع. كان يدخن الشيشة بمتعة، مرتدياً قميصاً أبيض، نصف كم، وسروالاً إفرنجياً، وحذاء جديداً، ورأسه عارية دون طاقية أو معرقة، بشعر خفيف جداً أبيض. وقفت وسلمت عليه فرفع رأسه نحوي وحدّق في وجهي من خلال عينين ضيقتين للحظة، ورد السلام بشكل جعلني أحس أنه لم يتعرف إليّ. قلت له: أنا جمعة ولد الحاج عمر صاحبك ، انتفض من كرسيه بمجرد سماعه لما قلت، كمن صعقه تيار كهربي، ثم وهات يا أحضان وهات يا بوس، وهو يردد بصوت مستثار: ساعة سعيدة ساعة غرة . هدأت قليلاً من استثارته، وجلست علي كرسي بجانبه وبدأنا حديثاً لا أعرف كيف ولا من أين بدأ، أو كيف انتهي. كنت مثله فرحاً جداً بلقائه حد الاستثارة، لأنه جار قديم طيب المعشر وصديق ودود لوالدي، ورؤيته في لندن فجأة وعلي غير موعد بدت لي وكأني التقيت طفولة كنت أظنها لا ترجع. عرفت منه أنه جاء لزيارة ابنته الكبري المتزوجة بطبيب ليبي، تحصل علي فرصة للعمل في لندن بإحدي المستشفيات منذ أكثر من سنتين، وهذه المرة الأولي التي يزوره فيها الحاج منصور رفقة زوجته الحاجّة مريومة. سألته: هل أعجبته لندن؟ قال: الله لا تحرم منها مؤمن . ضحكت بصوت عال حتي شعرت بعينيّ مغرورقتين بالدموع. دفعت للنادل فاتورة الحساب وأخذت الحاج منصور من يده، وبدأنا نسير معاً. عاتبته علي عدم اتصاله بي لدي وصوله لندن، فتذرع بأعذار بدت لي واهية جداً، وعلمت منه أنه لم يبلّغ حتي والدي بمجيئه إلي لندن، لأن السفر، حسب قوله، تم علي عجل، ولم يجد وقتاً لإبلاغه. قلت في نفسي: فوّت وما تعدلش ، وظللنا نتمشي علي طول إجوارد رود وهو يحكي لي عن أحوال جيراننا واحبائنا. كلما سألته عن أحد من رفاقه يرد عليّ بنفس الرد: أعطاك عمره ، اكتشفت أيضاً أن الميتين جميعاً توفوا نتيجة الإصابة بمرض السكري أو ضغط الدم أو كليهما. قال لي الحاج أنه شخصياً يعاني من الإصابة بالمرضين، وحين سألته لماذا لم يتوقف عن التدخين، وكيف له أن يدخن الشيشة؟ قال لي: يا ولدي ليلة قبرك ما تبات برّه، واللي في عمري وعمر بوك شنو ما زالّه؟ . عرضت عليه أن نتعشي معاً، فوافق دون تردد. دخلنا مطعماً قريباً وجلسنا حول منضدة. قرأت عليه قائمة المأكولات المتوفرة وسألته عما يشتهي منها، ففوضني أن أختار نيابة عنه، ولمّا نبهته إلي حقيقة مرضه وربما يكون في حاجة إلي نوع معين من الأكل، قال لي: ما تعدلش ، فعملت بالنصيحة حرفياً. استمر العشاء والحديث أكثر من ساعتين، ثم أصر الحاج علي الذهاب إلي المقهي : باش يقعّد رأسه بشيشة ، فغادرنا المطعم وسرنا جنباً إلي جنب علي الرصيف المزدحم في طريقنا إلي نفس المقهي الذي التقيته فيه. علّق الحاج علي ازدحام الشارع بالعرب، قائلاً بشيء من الضيق: الله يكثّر أمة محمد ، وسمعتني أقول بصوت مسموع: آمين . ونحن نقترب من المقهي، رأي رجلاً لا يتجاوز الاربعين من العمر جالساً علي الرصيف وبجانبه يرقد كلب متسخ وهزيل، باسط ذراعيه علي الأرض. كان الرجل يقرأ جريدة باهتمام، يرتدي ملابس رثة، ويضع قبعة سوداء متسخة علي الأرض بها بعض الملاليم. سألني الحاج بفضول عنه، قلت له أنه مشرد يعيش وينام علي الأرصفة، متسولاً. رأينا امرأة مسنّة تقترب من الرجل ثم انحنت مداعبة الكلب، وتحادث الرجل بلطف، ثم فتحت حقيبة يدها وأخرجت منها بعض القروش وألقتها في القبعة المفترشة الأرض، وداعبت الكلب مجدداً وانصرفت محيية الرجل المتسول ومتمنية له مساءً طيباً. عاد المتسول إلي الانهماك في قراءة الجريدة وواصل الكلب نومه. علّق الحاج قائلاً: تقول مدير في مكتبه، ناقص يخدّم معه سكرتيرة!! . اتجهنا نحو المقهي، ولما كانت المناضد المفروشة خارج المقهي مشغولة، اقترحت علي الحاج أن نذهب إلي مقهي آخر، إلا أن الحاج أصر علي الجلوس في نفس المقهي متذرعاً بجودة الشيشة. وافقته علي مضض لأنني أبغض من كل قلبي مقاهي الشيشة، لأن أجواءها خانقة وتجعلني أحس وكأنني جالس في غرزة حشيش. طلبت له شيشة، وإبريقا من الشاي المنعنع لنا معاً، وواصلنا حديثنا. جاء النادل بالشاي، ثم أحضر الشيشة، وبدأ الحاج عملية المص بآلية ومتعة. حاولت أن أشغله بالحديث عن زوجته وأولاده إلا أنه ظل يرد بإيجاز المكره علي الكلام، فالتزمت السكوت، وواصل هو التدخين بشراهة مدخن مدمن ومخضرم. تمنيت لو يحكي لي قليلاً علي ذكرياته مع والدي أيام الشباب، وكيف كانا يشتغلان في (البورت) معاً. تمنيت لو أنه يفتح لي فرجة في قلبه المتآكل بالنيكوتين لأري والمس شيئاً من طراوة أيام جففها الوقت واكتسحها النسيان وباتت كخرابة مهجورة. تمنيت لو الحاج منصور يهديه ربي ويفكنا من تدخين هذه الشيشة اللئيمة، حتي يمكننا مغادرة المقهي وجوّه الخانق، والخروج إلي الشارع وتنفس طزاجة أنسام الليل، عقب نهار ساخن وشديد الرطوبة، وباعث علي الضجر والملل، يجعل المرء يتمني لو كان بمقدوره سلخ جلده. واصل الحاج عزفه المنفرد بدون هوادة، فقررت المغادرة. قال الحاج مستغرباً: أقعد ما زال عندنا وقت ، قلت له انني لم أعد قادراً علي احتمال الجو الخانق. ضحك الحاج وهو ينفث الدخان من منخريه: لندن خلاتك رطب معادش تقدر تتحمل . أنزعجت جداً من سخريته، ونهضت واقفاً عازماً علي المغادرة. اتجهت إلي النادل ودفعت له الحساب، ثم رجعت إلي الحاج مودعاً. رفع وجهه محدقاً في عينيً بشيء من الزعل والعتاب. قلت له سأعطيك رقم هاتفي ويمكنك أن تهاتفني غداً إن شئت. أخرجت قطعة ورق صغيرة من جيب سترتي وكتبت رقم هاتفي واسمي علي الورقة وأعطيتها إياه، فأخذها مني وحدّق فيها قليلاً، ثم قال: لكن من بيروّح بيّ للحوش؟ قلت له: زي ما جيت بروحك تروّح بروحك . قال لي أنه لم يأت للمقهي لوحده، وأن صهره الطبيب تعود أن يأتي به في السيارة ثم يتركه في المقهي ويعود لأخذه بعد انتهائه من العمل. وقال أيضاً أن لقائي به أنساه ذلك، وأن الدنيا ليل، ولا بد أن صهره حضر إلي المقهي ولم يجده. وأكد مجدداً أنه لا يعرف الطريق إلي البيت ولا يعرف حتي رقم الهاتف!!! وجدتني أردد في نفسي: يا حصلتنا في مسعودة وحصلة مسعودة فينا . أعترف أنني أصبت بشيء من الإرتباك، ولم أدر ما أفعل. قلت له بأنه ليس أمامه سوي العودة إلي بيتي، إلا أنه أصرّ علي أن آخذه إلي بيت صهره لأن عدم رجوعه سوف يؤدي بالحاجّة زوجته وبابنته وبصهره إلي الجنون. طلبت منه أن يذكر لي إسم المستشفي الذي يعمل به صهره، فقال أنه لا يعرف. أدركت أن الليلة لن تفوت علي خير، ولم يبق امامي سوي حل واحد. اتجهت إلي النادل وطلبت منه دليل لندن للهواتف. سألت الحاج عن اسم صهره وتخصصه الطبي فذكرهما لي، وأخرجت هاتفي المحمول وبدأت في الأنتقال من مستشفي إلي آخر، وكأنني عامل بدالة هواتف. قرابة الثانية صباحاً، وصل صهره بالسيارة ووقف قبالة المقهي، حيث كنت أنا والحاج في انتظاره. سلّمت علي صهره وحكيت باقتضاب ما حدث وسلمته الحاج منصور، وودعتهما، وانصرفت. حين وصلت إلي بيتي، منهكاً متهالكاً، وجدتني اردد بصوت عال: شعفة يا داود ما عاد نعاود . كاتب من ليبيا يقيم في لندن0