حكايات من البر الانكليزي: الوي واشـبح لقدام
جمعة بوكليبحكايات من البر الانكليزي: الوي واشـبح لقدامنهار لندني آخر…كالعادة، من تحت غطائك، في سريرك البارد، تمد يداً كسولة، وتزيح، قليلاً، ستارة النافذة، المسدلة، والرثة. كالعادة، رماد يقابل عينيك كالقذي: وين السما يا رايس؟ . تسترجع يدك، الي مكانها، تحت الغطاء، وتلتفت بجسدك الي الجهة الأخري من سريرك، وبتكاسل معهود، وآلية، تسحب يداً من تحت الغطاء، وتضغط زر التشغيل في جهاز المذياع، الرابض علي المنضدة الخشبية، الملاصقة للسرير. كالعادة، تستمع الي صوت جون همفري، في راديو 4، يناقش، مع آخرين، كارثة أخري حلت، في مكان آخر من العالم، فينتابك، كسادي، شيء من الارتياح، لعلمك أن لا شيء تغير في هذه الدنيا، وأن العالم، والحمدلله، ما زال كما تركته الليلة البارحة، معلقاً علي قرن ثور أهوج، فتحمد الله مجدداً مثلك مثل ذلك المواطن الطيب، الذي تضايق جداً، ذات يوم، من تبرم زملائه في العمل مما يحدث من مصائب في حياتهم اليومية، فاضطر الي تذكيرهم بحقائق الواقع الجميلة التي لا يبصرونها، وأهمها أنهم محظوظون لأنهم الشعب الوحيد في العالم، الذي يفرح عدة مرات في اليوم، فالواحد منهم يستيقظ صباحاً، فيفرح لأنه ما زال حياً، وأن بيته لم يتعرض للسرقة وهو نائم، ثم حين يغادر فراشه، وتضغط يده علي زر تشغيل الكهرباء فتضاء الحجرة فيفرح، ثم حين يدخل الحمام، ويفتح صنبور المياه، فيندلق الماء من الصنبور، فيفرح أكثر، وحين يهم بمغادرة بيته، و يفتح الباب يجد سيارته، في انتظاره، واقفة في مكانها المعهود، ولم تتعرض للسرقة يفرح، ويفرح أكثر حين ينطلق هدير المحرك، ثم يقود سيارته، وحين يصل الي مقر عمله سالماً يفرح، ويطير من الفرح حين تصله الشائعات أن المرتب الشهري سيصل الي حسابه المصرفي في الموعد، ثم حين يعود الي بيته تبلغه زوجته أن جارتها أبلغتها أن الزيت والطماطم وصل الجمعية فيفرح جداً، وحين تهمس اليه أنها وجدت علبة سجائر مخبأة في حقيبة يد ابنته، يفرح لأنها لم تجد حشيشاً، وحين يسمع من جاره أنه ضبط ابنه يدخن الحشيش يفرح لأن ابنه لا يتناول حقن الهيروين!!!!!الوي واشبح لقدام… كالعادة، في محطة قطارات ويمبلدون، كل صباح، يربكك الازحادم، وتستبيحك الأنوثة حتي يرتجف قلبك، الا أنك تسرع الخطي، بحرص، خشية أن تنزلق احدي قدميك علي الدرجات الرخامية، فتخر علي الارض. كالعادة، بحرص، تهرع مع جموع الهارعين نحو القطار المتأهب للانطلاق. تسير بخطي حثيثة، علي طول رصيف القطار الاسمنتي، حتي تلتقط عيناك عربة تحتوي مقاعد غير مشغولة. كالعادة، تحرص علي أن تجلس في مكان قريب من الباب، وفي أغلب الأحيان، تحرص أن يكون قبالة أنثي جميلة، ثم تضع حقيبتك علي ارضية العربة بين ساقيك، وتبدأ في قراءة الجريدة. بدون أن ترفع عينيك تحس بالازحام يتزايد من حولك، من حين لحين، يصطدم بك قادم، وتسمع صوتاً يقول بما يشبه الهمس: متأسف. لا تبالي بالرد ولا حتي برفع عينيك، وكأنك لست ليبياً، ولم ترضع من ثدي أمك عادة (تقييد أحوال الناس) لأنك تدرك تمام الادراك أنك لو نظرت الي شخص، بنفس الطريقة التي كنت تألفها، وتمارسها في طرابلس، فلن يمر نهارك علي خير، وأن أفضل وأريح طريقة هي أن تفعل ما تعلمت فعله كل يوم، أقصد أن تجلس في مقعدك، وتحشو عينيك في صفحات جريدة، مثلما يفعلون هم، وزي الناس لا باس، ويادار ما دخلك شر. لا أحد يتوقع منك ان تتنازل عن ليبيّتك وما رضعته في الحليب، فقط تعلم أن تمارسها بخفاء، بمعني أنه بامكانك التلصص، من تحت لتحت، وبسرعة خاطفة، بامكانك أيضاً رصد الانوثة من حولك، واذا حصلت، وجت العين في العين ابتسم، وعد الي حشو عينيك في الجريدة.الـــــــــوي واشــــــــــــــــــــــــبح لـــــــــــــــــقدامتعلم أن تبلع أمواس المرارة، والوحشة، والوحدة. ودع جلدك يتخشن حتي يصير كجلد تمساح، وتعلم أن تعيش حياتك كما كتب لك الله في كتابك. لندن مدينة مفتوحة للغرباء، تفيض شوارعها بكل اللغات والوجوه والجنسيات، أنت غريب، وتعلم ذلك، وكل من حولك غرباء، ومثلهم اخترت، مع سبق الاصرار والترصد، هذا المصير، وحين يغمرك الاحساس بالوحدة والوحشة، ويزدردك الحنين لا تستسلم له أو تهادنه، بل ادفعه عنك، وتذكر أن الاسوأ من غربتك أن تشعر بالغربة وأنت بين أهلك وناسك.هل تذكر في كل مرة زرت فيها طرابلس كيف كنت تشعر وأنت تسير في شوارعها؟ طرابلس لم تعد تلك الغرة والجميلة والساذجة، فجأة، وفي سنوات قليلة، تغيرت، وشاخت، وترهلت، واعتراها الوجوم، وامتلأت بالوساخات وقلة الحياء والنفاق والخداع، وادمنت المخدرات وعبادة الدولار.أنت في لندن الآن، مثلك مثل هؤلاء الغرباء الذين تزدحم بهم شوارعها ومطاعمها وفنادقها وحاناتها ومقاهيها، ما عليك الا أن تحشو رأسك الصغيرة بين الرؤوس وتنادي: ياقطّاع الرؤوس. نصيبك يجيك ومكتوبك تمشيله، ودائماً، دائماً لا تنس أنك مثل راكب دراجة، يقود دراجته، وعيناه علي الطريق أمامه، مدركاً أن الوصول الي مبتغاه يحتم عليه تطبيق المثل الذي يقول الوي واشبح لقدام. كاتب ليبي يقيم في لندن0