حكايات من البر الانكليزي: تحب تفهم تدوخ!

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

تيرن بايك لين، شمال لندن، منطقة من مناطق لندن العديدة، لم اسمع بها او اعرفها الا في اليوم الذي ابلغني صديق انه عثر علي سكن ملائم لي في تلك المنطقة. تلك الفترة كنت اكتري غرفة صغيرة في منطقة ويلزيدين غرين، في بيت من غرفتين، يقيم رب البيت وزوجه في غرفة، واحتل أنا الغرفة الصغيرة، ونتشارك في المطبخ والحمام وحجرة الجلوس. عقب المكالمة الهاتفية من صديقي، التقينا في محطة قطارات الانفاق في كنغز كروس، وأخذنا القطار الي تيرن بايك لين. حين وصلنا المحطة، غادرنا القطار وخرجنا من المحطة، ووجدتني في منطقة مزدحمة مليئة بزخم الحياة. قادني صديقي الي الشقة، حيث وجدنا صاحبة البيت، وهي سيدة هندية، في انتظارنا. فتحت لي باب البيت الذي يحتوي خمس شقق. بيت كبير تم تحويله الي شقق صغيرة. قادتنا خلفها الي آخر شقة في الطابق الثالث. كانت شقة صغيرة: غرفة نوم، وحجرة جلوس، ومطبخ وحمّام. اعجبتني الشقة واتفقنا علي الايجار، وابلغتها بانني اود الانتقال اليها في نهاية الاسبوع. خلال الاسبوع الاول من اقامتي الجديدة تعرفت علي السيدة كاترين سميث، موظفة بالمجلس البلدي، في النصف الثاني من عمرها، وعلي وشك التقاعد. كانت سيدة انكليزية، من النوع الانكليزي التقليدي الذي يعتبر شبه منقرض هذه الايام. سيدة طيبة جداً، من النوع الذي يحرص علي ان يحوّل جاراً مثلي الي صديق وأخ وقريب، ولو حدث وصادف ان التقتها امي لقالت:

خسارة في نار جهنم. كانت وحيدة مثلي، تسكن في الطابق الارضي، في شقة من حجرتين ولديها حديقة صغيرة. كلما التقتني كانت تصر علي دعوتي لشرب كوب من الشاي. منها تعرفت علي وعرفت بقية سكان الشقق الثلاث الاخري. كانت هي، ايضاً، من حذرني من تصرفات السيد كولن مكارثي قاطن الشقة الرابعة. حديثها عنه جعلني اتمني علي الله الا يضعه في طريقي حتي لقاء صدفة. ذات ليلة، بينما كنت جالساً في شقتي لوحدي، اشاهد فيلماً تلفزياً، سمعت طرقاً علي باب شقتي، اخفضت من صوت التلفزيون، ونهضت من مكاني واتجهت نحو الباب وفتحته، وجدت رجلاً عجوزاً قصير القامة، يرتدي معطفاً ثقيلاً، ويعتمر قبعة باريه، شعر ذقنه غير حليق، بادرني قائلاً انه يعتذر علي ازعاجي في هذا الوقت من الليل، واعلمني انه يقيم بالشقة التي تحت شقتي مباشرة، لكنه اضطر الي طرق باب شقتي لانه اضاع مفتاح باب شقته، ولا يعلم كيف ولا أين حدث ذلك؟ وانه اتصل عبر الهاتف بصاحبة البيت لوجود مفتاح احتياطي لديها، لكنها لم تكن موجودة ببيتها فترك لها رسالة صوتية، ويرجوني ان اسمح له بالبقاء في شقتي حتي وصولها. دعوته للدخول، فشكرني، واشرت له بيدي نحو حجرة الجلوس فخلع نعليه، واتجه نحوها، وجلس علي مقعد مجاور للاريكة التي اجلس عليها. كنت مرتبكاً قليلا، عرضت عليه شراباً فطلب كوباً من الشاي. اعددت كوبين من الشاي وقدمت له واحداً، واحتفظت بالاخر لنفسي، وجلست علي اريكة الجلوس. ساد صمت ثقيل بيننا، وصممت علي الا اكون البادي بخرقه، وكانه أدرك ذلك، فبدأ الحديث. قال ان اسمه كولن مكارثي، ورددت عليه انني اعرف ذلك، من لوحة الاسم الملصقة علي باب شقته. وقدمت نفسي. عرفت من خلال حديثه انه مدرس رياضيات سابق بإحدي المدارس الثانوية، وانه تقاعد منذ عدة سنوات، ويعيش، لوحده، علي معاشه التقاعدي ولا دخل آخر له غيره، وانه يقيم بهذه الشقة منذ عشر سنوات، ولا يود مغادرتها رغم محاولات ربة البيت المستمرة، كي تتمكن من تأجير الشقة الي مؤجر آخر وبايجار يقارب اربعة اضعاف ما يدفعه هو. عرفت، ايضاً، انه مطلّق منذ سنوات وله ولد وبنت من مطلقته، يراهما من حين لآخر. الابن يبلغ الخامسة والعشرين من العمر، ويعمل محاسباً في شركة تأمين في مدينة كارديف، وتبلغ الابنة الثالثة والعشرين من العمر، وتعمل ممثلة مع احدي الفرق المسرحية بمدينة مانشستر. فرح كثيراً حين عرف انني من ليبيا، لانه عاش فترة من الوقت، خلال الستينيات هناك، حيث عمل مدرساً بمدرسة خاصة بابناء وبنات العاملين في شركات النفط من الاجانب المقيمين في طرابلس. بعد اقل من ربع ساعة، وجدت حذري منه يتلاشي رويدا رويداً وهو يحدثني عن قصة حب حميمة عاشها هناك مع سيدة يهودية اسمها جوليا، كانت تعمل سكرتيرة في شركة نفط، والتقاها في حفل استقبال بالسفارة البريطانية. ظل يحكي لي عن طرابلس اخري لم اعرفها وان كنت سمعت عنها حين كبرت نتفاً من هنا وهناك من اخوة ليبيين آخرين، اكبر سناً مني، من العاملين السابقين في شركات النفط. حياة لا علاقة لها بحياة الصبي الذي كنته، ولا حياة الآلاف من البشر الذين كانوا يعيشون في المدينة القديمة التي ولدت وعشت بها، ولا في غيرها من المدن الليبية الاخري. حياة، اقل ما يمكن وصفه بها، انها كانت خمس نجوم، فيلات، وحفلات، ونزهات. حياة كنا نراها في افلام السينما فقط، ولم اكن ادرك ان ثمة بشرا يعيشونها علي بعد كيلومترات قليلة من سور المدينة القديمة. اذكر انني استمتعت بحديثه كثيراً، والحقيقة انني رصدت شيئاً من الغيرة، ان لم يكن حسداً يتسرب قليلاً قليلاً الي قلبي، لكني اعترف انني بدأت اشك كثيراً فيما قالته لي عنه السيدة سميث، فالرجل خلوق ودمث وحديثه ممتع ومشوق جداً. واستمر حديثنا الي حين حضور صاحبة البيت بالمفتاح، حيث ودّعني شاكراً لي حسن استقبالي وضيافتي له، واخذ مني وعداً بزيارته في شقته. تلك الليلة شهدت بداية علاقة صداقة جميلة بيننا استمرت سنوات، وظللنا علي اتصال وثيق حتي بعد ان تركت الشقة، وتيرن بايك لين، الي شقة اخري، ومنطقة اخري. تلك الليلة ادركت ان طيبة السيدة سميث لن تقف حائلاً بينها وبين نار جهنم، وبدأت اشعر، بعد تلك الليلة، بشيء من الضيق كلما التقيتها صدفة واضطررت لتبادل حديث قصير معها. تلك الليلة، بعد مغادرة السيد كولن مكارثي لشقتي، ظللت اتساءل عن السبب الذي يجعل امرأة طيبة المعشر مثلها تلجأ الي تشويه سمعة جار طيب لها مثل السيد مكارثي، وقادتني الاسئلة الي الشعور باحباط شديد، ومرارة كالعلقم. ويبدو لي ان السيدة سميث شعرت، فيما بعد، بالبرود في حديثي معها، ولعلها رصدت ضيقي من لقائها وتغير مشاعري نحوها، فبدأت تتجنبني، الامر الذي وفّر عليّ مشقة لم اكن في حاجة لها.

في شهر اذار (مارس) من عام 2000 تلقيت مكالمة هاتفية من شخص قال ان اسمه جون مكارثي، وانه ابن صديقي كولن مكارثي، قال ايضاً ان كولن غادر هذه الدنيا منذ شهر مضي، ويود ان يحصل علي عنواني البريدي ليرسل لي بشيء تركه الراحل باسمي. قدمت تعازيّ له، وامليت عليه عنواني. بعد اسبوع علي تلك المكالمة، رجعت الي بيتي، ذات مساء، ووجدت طرداً بريدياً باسمي. فتحت الطرد فوجدت بداخله البوم صور قديما. يحتوي صوراً لذكرياته في طرابلس، وكتب بخط يده تحت كل صورة، اسم المكان وتاريخ التقاط الصورة واسماء الاشخاص فيها. في صفحة كاملة من الالبوم، وقعت عيناي علي صورة كبيرة التقطت له مع سيدة جميلة، تقف محاذية له ويدها اليمني تلتف حول خصره، ويده اليسري تحيط بخصرها، كتب تحتها: مع كاترين سميث، الشرشارة، ترهونة، 1963. ہ كاتب من ليبيا يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية