جمعة بوكليب
لن أحكي حكاية مشابهة لما نشرت من حكايات في هذه الزاوية الاسبوعية. هذه المرة سأروي القصة وراء حكاية هذا الاسبوع. جرت العادة أن أنتهي من كتابة حكايتي الاسبوعية وارسالها الي الصحيفة بالبريد الالكتروني في موعد لا يتجاوز مساء الاربعاء، من كل اسبوع، لكي تظهر منشورة في عدد الجمعة من الصحيفة. حافظت قدر الامكان علي الالتزام بدقة المواعيد في التسليم، رغم صعوبتها علي كاتب أسير لمزاجه، لا يري في نفسه امكانية أن يصير كاتباً محترفاً يوماً ما. يمكنني القول أنني نجحت في الالتزام بتعهداتي الي حد أدهشني شخصياً، وتبين لي أن التستر وراء ستار المزاج وغيره مجرد ادعاءات كنت أخفي بها كسلي لا غير. اكتشفت أيضاً أنني ـ ما حييت ـ لا يمكن، بأي حال، وتحت اي ظروف، ان أكون كاتب عمود يومي في صحيفة، لأنني ـ وكما تبين لي ـ لا أملك ما تحتاجه هذه المهمة من مواهب أولاً، وصبر وانضباط في المواعيد ثانياً، ومتابعة ومهارة وحنكة ودراية ثالثاً. فكتابة مقالة لزاوية أسبوعية كان بمثابة ثقل جبل علي كاهلي فما بالك بالالتزام بكتابة عمود يومياً. اذ بمجرد أن أرسل بالبريد الالكتروني مقالتي الي الصحيفة، وأستلم رداً بتأكيد الوصول، أبدأ، آليا، التفكير في فكرة المقالة/ الحكاية القادمة. بالطبع، هناك الكثير جداً في حياتي اليومية مما يستحق اهتمامي، ويكسر رقبتي وحيلي، ويجعلني أحس وكأنني أعيش في دوامة، لكن مع كل ذلك، وفي حنية ما من حنايا عقلي، أظل في حالة ترصد دائم لأي فكرة أراها جديرة بالرصد والتقليب والتمعن وتستحق أن تكتب وتنشر وتقرأ في الموعد الاسبوعي المحدد!! في الأسابيع الأخيرة، بدأت اشعر بالتعب، وبالحاجة الي الراحة قليلاً، والرغبة في الانفكاك من الالتزام الاسبوعي. بعد طفرة الشهور الأولي وما خلقته في داخلي من اثارة، بدأ يتضح لي أنني اقضي ايام الأسبوع، الي جانب لوازمي الحياتية الضرورية الأخري، بحثاً عن فكرة، وعن وقت مناسب في وسط الزحام اليومي يسمح لي بالجلوس الي مكتبي وكتابتها. لكنني، هذه الأيام، لم أعد اجد لا الوقت ولا الأفكار. وصل بي الأمر الي حد أنني فكرت أن أقلد الكاتب نيكوس كازنتزاكي مؤلف زوربا اليوناني. ففي مذكراته الجميلة الصادرة تحت اسم تقرير الي غريكو، يحكي كازنتزاكي بتفصيل ودقة عن مشكلته مع الزمن، فهو في اشد الحاجة للوقت، كي يتمكن من تدوين ما يعج به عقله ووجدانه من أفكارفي وقت قصير، لكن بسبب كبر سنّه كان يخاف من مداهمة الموت له في اي لحظة قبل أن يتمكن من انجاز ما يطمح اليه. لذلك فكّر في أن يخرج من بيته ويقف في الشارع متسولاً من الناس: دقائق لله يا محسنين! أنا ايضاً فكرت أن أخرج من بيتي واقف في الشارع متسولاً لكن لغرض مختلف. العجوز كازنتزاكي كان في حاجة الي الوقت وبس، أما أنا فمفلس من جهتين: الوقت والأفكار. لذلك لو خرجت في الشارع متسوّلاً فإنني سأسأل العابرين الاثنين معاً: فكرة لله يا محسنين! دقائق لله يا محسنين!
يوم الأربعاء الماضي، الموعد المتعارف عليه لوصول هذه الحكاية الي الصحيفة مر سريعاً دون أن اتمكن فيه من كتابة أو ارسال أي شيء. لكني، في مساء اليوم ذاته، جلست في البيت مفكراً في امكانية الكتابة حول تجربتي في صوم شهر رمضان في بريطانيا، خاصة وأن الشهر الكريم حلّ بيننا. بدت لي الفكرة مقبولة، وأكثر من معقولة، وبدأت اضع الخطوط الأولية لها محاولاً اقتناص أكثر اللحظات فيها اشعاعاً بالتناقض أو المرارة أو الطرافة، الا انني لم اغادر مكاني الذي كنت جالساً فيه، والتوجه نحو مكتبي، ووضع الخطة موضع التنفيذ. وبدلاً من ذلك انشغلت في الرد علي مكالمات الأصدقاء الهاتفية مهنئيين بحلول الشهر الكريم. في اليوم التالي، وأنا في طريقي الي محطة وريستر بارك، لاحظت أن معظم من مر بي في طريقي من العابرين أو سائقي السيارات كانوا من المدخنين ومن الجنسين، وكنت أعرف بحكم التجربة الشخصية أن المدخن الصائم لا يعرف ان في لندن هذا الكم الهائل من المدخنين الا في شهر رمضان. أحياناً، أحس حتي الأرصفة والطرقات، والمحلات، والجدران والابواب تدخّن، خاصة في العشر الأواخر من الشهر الكريم. وفكرت أن أكتب حكاية طريفة حول ذلك.
وأنا أغادر محطة لندن ـ فكتوريا، في طريقي الي نايتس بريدج، التقيت، قرب الحديقة الصغيرة ـ التي يتصدرها نصب تذكاري رخامي كبير يعلوه تمثال برونزي للجنرال الفرنسي فوش معتلياً صهوة جواده ـ بسيدة بدت لي وكأنها خرجت لتوها من كتب التاريخ، أو هربت من أحد المتاحف القريبة التي تحيط بمنطقة فكتوريا. كانت فوق الخمسين من العمر، نحيفة، وقصيرة، ترتدي حذاء بكعب ليس مرتفعاًَ عن الأرض كثيراً، وتعتمر قبعة نسائية جميلة، غامقة، مزدانة بريش بألوان عديدة كلها زاهية. في المابين، ارتدت فستاناً قرمزياً طويلاً يصل الي ما فوق كعبيها، يعود في تصميمه الي القرن السابع عشر او الثامن عشر. لو حدث ما حدث في مدينة أخري لصعقت من المفاجأة، لكن لندن مدينة يعلمك العيش فيها انها مدينة العجائب والغرائب، وأنك عرضة للمفاجآت والغرائب في كل يوم، ولعل ذلك ما يجعلها مختلفة، ومتميزة. فكرت أن تكون حكاية هذا الاسبوع حول هذا الأمر، وتذكرت مقالة كنت قرأتها في الأسبوع الماضي، في ملحق صحيفة التايمـز اليومي لكاتب لندني اسمه تيم تيمان، يدعو فيها الي الاحتفاء بلندن لأنها عاصمة بريطــانيا والبريطانيين، ويعدد المآخذ التي تقوم بها وسائل الاعلام المختلـفة من أجل ألا تتهم بالتحيز الي لندن علي حساب مدن الشــــــــمال البريطاني الأخري. وهو يعارض ذلك جداً ويطالب بضـــــــرورة وقف هذا التوجه، ومنح لندن ما تستحق من اهتمام هي أهل له، ويبدأ، كأم عروس، في التذكير بحقائق ومزايا لندن تاريخياً وثقافياً وفنياً واقتصادياً. ويعترف انها مدينة تعيش في فوضي، خاصة اذا قرر عمال قطارات الأنفاق الاضراب، لكن فوضاها معقولة و مفهومة، وهي تختلف كثيراً عن نيويورك، كما أنها ليست نظيفة، ولا هادئة، لكنها مدينة تغير شكلها وليس طبيعتها، وقد تقودك للجنون، وحتي وان كان نظام مواصلاتها يسير نحو الكارثة الا أنها تغويك وتغويك وتغويك.
لكني، شخصياً، هذه المرة لم اجد الوقت ولا المزاج المناسب لاكتب حكاية أخري عن لندن، وأن افضل شيء افعله هو الاعتذار للقراء وللصحيفة عن فشلي في الايفاء بالتزامي الأسبوعي، وأوضح الأسباب التي حالت بيني وبين ذلك، لعلهم يعذرونني.!! وفي الأخير رمضان كريم.
كاتب من ليبيا