حكايات من البر الانكليزي: حكاية عن شون

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

استقبلني صيف مانشستر بالامطار، والسماء المشبعة بالغيوم والكآبة.

كانت تلك زيارتي الاولي لهذه المدينة، التي كنت، منذ زمن، اتمني زيارتها والاقامة بها. ذاك الصيف البعيد، وعقب انتهاء السنة الدراسية، حزمت امتعتي، ذات صباح جميل، واستقليت القطار من مدينة ردينغ. كان كل شيء معداً، سلفاً، منذ اسابيع مضت: بمساعدة من صديق ليبي تمكنت من الحصول علي عمل في مغسلة بخارية، يملكها كردي من العراق. وتمكن استاذي المشرف علي دراستي من تدبير اقامة مجانية لي مع صديق له، يدرّس بجامعة مانشستر، ولم يكن امامي سوي انتظار انتهاء السنة الدراسية والرحيل. حين وصلت محطة قطارات بيكاديللي في مانشستر، وجدت صديقي في انتظاري، سلّمنا بالاحضان، ثم اقلّني في سيارته الي شقته للراحة وتناول وجبة، وفي المساء، اخذني في سيارته، الي المكان المزمع لاقامتي، والذي لم يكن علي مسافة بعيدة من شقة صديقي. هذه المرة، كنت محظوظاً لان كل شيء سار علي ما يرام، ودون اي تعقيدات. في اليوم التالي حين غادرت مكان اقامتي في طريقي الي مقر عملي، اضطررت الي انتظار الحافلة العامة بسبب هطول المطر. وصلت متأخراً بعض الشيء، وحين دخلت المغسلة وجدت شاباً طويلاً، وسيماً، بوجه غير حليق، يرتدي تي شيرت بيضاء، وبنطال جينز. قدمت نفسي له وابلغته انني هنا للعمل. قال لي بلهجة انكليزية شمالية ان اسمه شون، وان صاحب المغسلة ابلغه بوصولي للعمل، ودعاني للدخول. عرفت من اسمه انه من اصول غير انكليزية، وخمنت انه اما ان يكون اسكتلندي الاصل او ايرلندياً. طاف بي في ارجاء المكان، واكد لي ان العمل سهل ولا يتطلب اي خبرة، وشرح لي ما يتوجب عليّ عمله في دقائق قليلة، ثم عزمني علي كوب من الشاي، وبدأت منذ تلك اللحظة تتضح خطوط ومسارات صداقة جميلة وايضاً غريبة. كان شون يقيم لوحده في شقة لا اعرف اين. وكان يحب القراءة، والسينما، وكان، كما تبين لي فيما بعد، وهذا هو المهم، واحداً من العن شياطين الانس الذين قابلوني في هذه الدنيا. لم يكن بالمغسلة سوانا، ولم نكن نري وجه صاحب المغسلة الا مرة واحدة في المساء حين يأتي لجمع محصول اليوم من النقود، قبل الاغلاق بقليل ثم يغادر. بمجرد ان يغيب عن ناظرينا، يطلب مني شون التشطيب، ويخرج هو من الباب الخلفي للمحل لتدخين سيجارة حشيش. حين انتهي من المهمة الموكلة اليّ، نغلق المحل، ونغادر معاً. كنت اسلم له القياد وانا مستريح البال، لعلمي انني لن اجد دليلاً افضل منه، يقودني في دروب ليل مانشستر الماطر والطويل والمتعدد المسارب والالتواءات، وايضاً لقدراته ومهاراته العديدة في التعامل مع مختلف انواع الناس. كنا نسهر كثيراً، ولم يكن لدينا الا اليسير من المال، الا ان امكانيات شون ومهارته كانت تقودنا الي بر الامان كل ليلة. بعد انقضاء الاسبوع الاول لاحظت ان شون لا يعتمد في حياته علي مرتبه الاسبوعي مثلي، بل انه (يبزنس) في كل شيء. علي سبيل المثال لاحظت انه يصر، في بعض الاحيان، علي التعامل مع بعض الزبائن شخصياً. وتبين لي انه لا يسجل المعاملات في السجل المخصص لذلك. واكتشفت ان الزبائن لدي رجوعهم لاستلام ملابسهم، يغادر شون مكانه ويهرع اليهم بالملابس، وكانوا يدفعون لشون الاجر نقداً، واقل من التسعيرة المعمول بها، وكان هو يضعه في جيبه اولاً بأول. اكتشفت ايضاً ان جارنا الهندي، صاحب المتجر المجاور للمغسلة، يعمل بمثابة الوكيل لشون في احضار الزبائن الخاصين الي المغسلة لقاء عمولة، تتمثل في غسل وكي ملابسه وملابس زوجته وطفليه مجاناً. كان شون، في البداية، يعهد بهذه المهمة لي، ثم حين بدا يحس انني ربما كنت علي علم بما يحدث من بزنس، توقف عن مطالبتي بأداء هذه المهمة. تبين لي، ايضاً، بعد ايام قليلة، ان شون يتاجر في كل الممنوعات والمحظورات، ابتداءً من بيع الحشيش، والبضائع المسروقة، وانتهاءً بتصريف صكوك الضمان الاجتماعي للعاطلين. هذا البزنس الاخير كنت انا شخصياً الفريسة السهلة التي وقعت في شراكه لا لشيء الا لكوني قبلت عن طيب خاطر، ولوجه الله، مساعدته، مرة، في ايداع صك مصرفي بحسابي لصالح شخص آخر. ومنذ تلك المرة بدأت الصكوك تتوالي عليّ دون توقف، الي ان علمت ان شون لا يعمل شيئاً لوجه الله، وتبين لي انه يتقاضي عمولة عن كل صك، عندها اغلقت الباب في وجهه بقوة وحسم. ذات مرة سهرنا معاً ثم طلب مني مرافقتي للنوم في بيتي. لم يكن موجوداً غيري بالمنزل، تلك الفترة، وكان بالبيت متسع له فوافقت. بمجرد دخولنا البيت، تركني في الصالة الارضية، وبدأ يجوس في الارجاء، ثم صعد الي الطابق العلوي، وحين عاد بدأت عليه الدهشة من كبر البيت وجمال محتوياته. في اليوم التالي ونحن، في المغسلة، نتناول كوباً من الشاي وندخن عرض عليّ الف جنيه استرليني لقاء حصوله علي نسخة من مفتاح البيت، وحين رفضت ضاعف المبلغ. عندها ادركت ان شون ليس مجرد شيطان عادي، وان جشعه وطمعه لا يعرف حدوداً، وادركت، ايضاً، انني لا بد ان اكون، منذ تلك اللحظة وصاعداً، حذراً في التعامل معه قبل ان يلقي بي الي التهلكة، والتي بدت لي قريبة جداً. وبدأت، فعلاً، في الانفكاك من صحبته خارج العمل، وصار كلما دعاني للخروج والسهر معه ابادر بالرد علي عرضه بالاعتذار، والتسبب بأسباب واهية حتي توقف عن دعوتي تماماً. كنت اعاني من أزمة اخلاقية، اقلقتني جداً، وكنت خائفاً من ابلاغ صديقي الليبي بما يقوم به شون لخوفي انه سيبلغ، في الحال، صديقه صاحب المحل، وكنت اتمني ذلك وارفضه في نفس الوقت، لذلك لم يكن امامي سوي ان احاول منع شون من الاستمرار فيما يقوم به من سرقات وبالحسني ما امكن ذلك. حينما فاتحته، اول مرة، بالموضوع، ارتسمت علي وجهه علامات الاندهاش والجدية، ثم انفلت فجأة في ضحك هستيري، ونهض من مكانه عائداً الي عمله. بعد يوم او اثنين، عاودت الكرّة، الا انه، هذه المرة، حدق في بنظرة تحمل كثيراً من الازدراء، وانصرف الي شأنه. لحقته وطلبت منه بحزم الا يرتكب سرقاته امامي. قال لي بعنف انه يمنعني من ان اصف ما يقوم به بالسرقة، وان المال الزائد الذي يتحصل عليه من المغسلة، ودون علم صاحب المحل عمل مشروع، وان السارق الاكبر هو صاحب المحل الذي لا يدفع لنا سوي الربع مما نستحق من اجر. قال لي انه لا يتوقع مني ان ابلغ عنه صاحب المحل لانني، كما قال، لست من طينة القوادين، وافهمني انني في حالة قيامي بذلك لا الومنّ الا نفسي. التزمت الصمت، ولانني اعرف شون ادركت انه يعني ما يقول. قلت له انني سأغادر المحل في الحال حتي غد. وتركته دون وداع، ولم اعد مطلقاً.

ہ كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية