حكايات من البر الانكليزي: حكاية كل يوم

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

ضيق الوقت بسبب طول ساعات العمل، وسرعة ايقاع الحياة في لندن، كثيراً ما يقفان حائلاً بيني وبين القراءة، ومتابعة ما يصدر من اعمال ابداعية او غيرها مما احب ان اتابع واقرأ من دراسات. لذلك لم يكن امامي سوي ان استغل اي فترات قصيرة تتاح لي في اليوم في القراءة كلما استقليت القطار صباحاً في طريقي الي عملي. وجرت العادة ان احمل حقيبة جلدية معي خلال مغادرتي بيتي الي العمل تحتوي علي مجلة وكتابين علي الاقل، اضافة الي بعض الاوراق الخاصة. حينما كنت اقيم في برايتون، كان لدي اكثر من ساعة في الصباح للقراءة، وهي المسافة الزمنية التي تستغرقها رحلة القطار الي لندن وبامكاني ايضاً ان استغل نفس الوقت المتاح لدي رجوعي الا ان سيدنا التعب كان لا يتيح لي اي فرصة، اذ بمجرد ان اجلس في مقعدي، واخرج كتابي من حقيبتي، وابدأ القراءة، اشعر بثقل اجفاني، وارتخاء اطرافي، وتنكمش خلايا دماغي، بعدها بوقت قصير جداً، اغط في نوم عميق لا افيق منه الا والقطار علي بعد مسافة قصيرة من مكان وصولي. حين انتهي (العيش والملح) في برايتون وانتقلت للسكني بلندن، صار الوقت المتاح لي للقراءة بالقطارات اقل بكثير من السابق، ولكن لم يكن لدي خيار اخر سوي الاستمرار في استغلاله باكثر ما يمكن. لكن حتي هذا الوقت القصير لم يعد متاحاً، بسبب دوشة الهواتف الجوالة التي صارت مفروضة علي كل من يستخدم المواصلات العامة. اتذكر في السنوات البعيدة الماضية، قبل قدوم الهاتف الجوال، انه كان بامكاني القراءة بتركيز ومتعة، وانا محاط بجو من الهدوء الكامل الذي لا تتخله سوي اصوات عجلات القطار فوق حديد السكة، او توقفه في محطة ما، وما يستتبعها من مغادرة بعض الركاب وصعود اخرين بشكل هاديء. اما الان، وكل انسان، بغض النظر عن جنسيته او وضعه الوظيفي والاجتماعي، يحمل هاتفه الجوال كلعنة في يده او جيبه، صار من الصعوبة بمكان عليّ التركيز علي القراءة حينما يكون الراكب الجالس الي جانبي غارقاً في محادثة هاتفية طويلة، وبصوت مسموع، ليس لي فقط، بل لكل من حوله من ركاب. ولأننا بشر ضعاف، وفرائس سهلة للفضول، فانني كثيراً ما اجد نفسي منساقاً بشكل طبيعي لسماع ما يدور من حديث، وانا علي يقين من ان بقية الركاب من حولي، ايضاً، قد وقعوا ضحية لفضولهم بتلقائية وعفوية، وتحولوا الي متابعين للمكالمة مثلي، وسماع ما يدور من حديث يعتبر خاصاً، في عالم لم تعد فيه للخصوصية مكان. صباح ذلك اليوم، كنت جالساً في مقعدي بالقطار المتجه الي محطة لندن ـ واترلو، منغمساً كمسحور في حضرة ساحر من الجن، تلبس هيئة بشرية، واشتهر لدي الناس باسم بشري هو غابرييل غارثيا ماركيز، وهو يقص عليّ قصة غريبة عن صحافي كهل بلغ التسعين من العمر، كرّس كل حياته للغانيات، ويسرد بلغة اقرب الي لغة الجن منها الي لغة الخيال ذكرياته معهن، بشكل ينسيك كل ما حولك، ويطير بك عالياً في سموات من فتنة، وجمال وعذوبة. تصور انك في صعودك اللامتناهي في تلك العوالم الخلاّبة الساحرة، محلقاً كمأخوذ، واذا بيد تشدك من قدميك الاثنتين بقوة، وتعيدك الي ارض واقع بليد وبغيض، حتي تطيّر من عقلك ووجدانك فتنة السحر، وتختفي هالة الساحر!! كانت تلك اليد البغيضة رنة هاتف جوال لراكب في المقعد المقابل لمقعدي من الجهة الاخري، ثم تلت ذلك محادثة صبيانية ركيكة، ومليئة بالفجاجة والبذاءة، بين صاحب الهاتف الشاب، وصديق له. وضعت الكتاب في حجري، ونزعت نظارتي بهدوء، والتفت بوجهي نحو النافذة. كان دمي يغلي في شراييني من الغضب والاحباط والانزعاج، وتمنيت لو انه كان بامكاني النهوض من مقعدي، والتحرك نحو الشاب، كي انتزع منه هاتفه، واقضمه من شدة غضبي باسناني حتي افتته الي قطع صغيرة، ثم ابصق القطع كلها، دفعة واحدة، علي وجه صاحبه. اذكر انني التقيت بصديق لي في مقهي، ولفت انتباهي وجود ثلاثة اشخاص علي منضدة قريبة منا. كان كل واحد منهم يتحدث في هاتفه الجوال. غمزت لصديقي بعيني نحوهم فالتفت اليهم ثم انطلق يضحك وقال معلقاً: يبدو انهم ليس لديهم ما يقولونه الي بعض! . شكوت لصديقي عن مشكلتي مع الهاتف الجوال في القطارات، وكيف صار يحرمني من متعة القراءة، وكيف انني صرت استمع الي خصوصيات اناس لا اعرفهم، ولا اريد ان اعرف اي شيء عنهم. رد عليّ صديقي بضحكة وقال لي انني يجب ان احمد الله لانني حتي وان حرمت من متعة القراءة فانني، علي الاقل، اسمع وافهم ما يقال حولي من احاديث تتم عبر الهاتف الجوال. وحكي لي انه، ذات مرة، بينما كان في طريقه بالقطار الي العمل جالساً علي مقعد يراجع بعض الاوراق المتعلقة بعمله، فاذا برنين هاتف جوال لراكب يجلس قبالته يرن، فما كان من الراكب الا سحب هاتفه والرد علي المكالمة.

كان يتحدث باللغة الصينية وبنبرة حادة ومرتفعة. بعدها بلحظة قصيرة، رن جرس هاتف جوال اخر، وبدا صديقي يسمع مكالمة اخري، ولكن هذه المرة باللغة الهندية. قال لي تصور ان شخصاً، قبالتك، يصرخ، في وجهك، بالصيني، واخر، خلفك، يصرخ، في قفاك، بالهندي، وانت جالس كالعاجز، لست بقادر علي الاستمرار في ما كنت تقوم به من عمل، وفي نفس الوقت، محاصر بشخصين يصرخان بلغتين مختلفتين، ولا تفهم شيئاً مما يقال، فماذا تفعل؟ لم ارد علي صديقي، تلك اللحظة، لانني لم اجد اجابة مناسبة تسعفني، لكني رثيت جداً لحاله. بعد ايام، وانا جالس علي مقعد في قطار مزدحم، تذكرت واقعة صديقي وسؤاله، وقلت في نفسي لو انني كنت مكانه، تلك اللحظة، لاسرعت بسحب هاتفي الجوال من جيب سترتي، وقمت بمهاتفة اي صديق لي، وبمجرد ان يرد ابدأ معه حديثاً باللغة العربية، حول اي موضوع، واتقصد ان تكون نبرات صوتي عالية ومزعجة!! ہ كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية