حكايات من البر الانكليزي: حكاية مصابة بالغموض والرشح
جمعة بوكليبحكايات من البر الانكليزي: حكاية مصابة بالغموض والرشحلم أكن أحلم. كان الوقت ظهراً، والشمس، رغم برودة الطقس، مرئية بوضوح وإن اتسم دفؤها بهالة من ذبول، إلا أن رؤيتها، علي اي حال، كانت افضل من مرأي كآبة الضباب واكفهرار الغيوم. كنت اقطع المسافة مشياً، بين نايتس بريدج وساوث كنزنغتون، حين أبصرت خيالاً لرجل من زمن بعيد يقف متعمّداً في طريقي.ظننته، في بادي الأمر، مهرّجاً، أو من المتطوعين بتجميع التبرعات لصالح جمعية خيرية ما، مثل غيره الذين كثيراً ما يصادفهم المرء في شوارع لندن يرتدون ملابس غريبة أو مضحكة، أو، في أسوأ الأحوال، صعلوكاً أراد أن يستخف برودة دمه علي عباد الله في مدينة لا تعرف الله، ولا تريد أن يكون له اي علاقة بها وبأحوالها. كنت أرتدي بذلة غامقة يعلوها معطف صوفي غامق اللون، وكان هو مرتدياً زياً اقرب ما يكون إلي العهد الفيكتوري حسب ظني وتقديري وضآلة علمي ومعرفتي بالازياء الانكليزية التاريخية. تمنيت لو كنت أحلم لأن الحلم يحتمل أن يكون مثل رسوم ولوحات فنان عبقري مجنون مثل سلفادور دالي، وتمنيت لو أن الصعلوك الفيكتوري يبتعد عن طريقي حتي يمكنني مواصلة مشواري ومتابعة هوايتي المفضلة في الشرود وراء أفكاري الغريبة. تسمّر الرجل في مكانه، وتوقفت أنا، مجبوراً، في مكاني.قال لي بعربية فصيحة: إلي اين يا أخ العرب؟ نظرت في وجهه باستغراب واندهاش يشبه الاستنكار، فلم ترصد عيناي المحدقتان علي اتساعهما أي ملمح عربي في ملامح وجهه: عينان زرقاوان، بشرة شقراء، ومن تحت القبعة المزينة بالريش فوق رأسه تدلت خصلات شعر أشقر. أعاد السؤال، ولم يكن أمامي سوي الرد بابتسامة صفراء، وبلغة عربية تقصدت أن تكون ساخرة قلت: في طريقي إلي ساوث كنزنغتون إن شاء الله ومزاج عبده المزيف المستعار الذي قرر أن يقف أمامي بهذه الهيئة من الملابس الغريبة ويسد الطريق أمام عباد الله الضعفاء الفقراء الغرباء أمثالي . ضــحك الرجل وقال لي: لا مكان للفقراء في نايتس بريدج ولا مكان للضعفاء في ساوث كنزنغتون! . أدركت أن الرجل يستخف دمه، وأدركت أنه من الأفضل لي أن أغيّر من أسلوب حديثي معه. قلت له بلهجة ليبية غليظة وجافة: حوّل بالك وفكّني من شرك . ضحك الرجل بشكل استفزني ورد عليّ بلهجة أراد أن تكون ودودة: ماذا قلت يا أخ العرب؟ رددت بسرعة وغضب: اللي سمعته يا ولد الرومية وأضفت بصوت عال: حوّل من طريقي وبلاش خفة دم يا صامت . تحرك الرجل جانباً، ثم انحني لي وافسح الطريق وكأنه أدرك أنني لست في حالة نفسية تتقبل مزاحه. قلت له: شكراً. وواصلت سيري بخطوات سريعة، دون أن التفت. سمعته يقول لي: صحبتك السلامة يا سيدي . واصلت سيري مندهشاً من فصاحة لسانه العربي، ومأخوذاً بقدرته علي إجادة لغة لم تعد تلاقي، في زمننا هذا، سوي الإهمال والجحود والنكران من أهلها، حتي أضحت غريبة كصالح في ثمود. قرب محطة قطار الأنفاق في ساوث كنزنغتون ازدحمت الأرصفة بالخلق من كل فصيلة وقبيلة، وازدحمت الطريق بحركة الحافلات، والسيارات، وشعرت بدخان المازوت يتسرب إلي أنفي وحلقي. عرجت علي الطريق إلي المحطة، ومشيت في طريقي حتي خرجت إلي الضفة الأخري من الشارع علي الجهة الثانية للمحطة، وقطعت الطريق حتي وصلت إلي المقهي الذي أردته، وجلست علي أول كرسي صادفني. أشعلت سيجارة، وأخرجت من حقيبتي كتاباً، وحاولت إشغال نفسي بقراءته، إلا أنني وجدت عقلي سارحا مفكّرا في ذلك الرجل، وتمنيت علي نفسي لو ان الله وهبني قليلاً من الصبر حتي كان بإمكاني قبول مزاحه، ثم الحديث معه، ومعرفة حقيقة قصته مع اللغة العربية ، وإطفاء نار فضولي التي ظل يحرقني صهدها وأنا جالس في المقهي. قلت في نفسي: لو حكيت ما حدث لي مع هذا الرجل لما صدقني أحد . وأعترف أنني، شخصياً، حتي تلك اللحظة، لم أصدق ما حدث، وبدا لي وكأنني كنت أحلم. خطر لي خاطر. اغلقت كتابي وأعدته إلي مكانه في حقيبتي الجلدية التي تتبعني دائما اينما سرت، كأنها لعنة كما وصفها، مرة، ساخراً صديقي الشاعر القادم من بادية المفرق. نهضت من مكاني، وهرعت مسرعا في اتجاه المكان الذي التقيت فيه بذلك المستشرق أو، بالأصح، المستعرب بهيئته الغريبة. حين وصلت المكان وجدته خالياً منه. انتقلت سريعاً إلي الجهة الأخري علي أمل أن ألقاه، إلا أن بحثي عنه باء بالفشل.عدت حسير النفس خاوي الوفاض، مستشعراً نار حسرة تتقد في داخلي تحرق ما تبقي قابلاً للاحتراق في تعاريج وخبايا قلبي: آه يا قلبي المسكين. أحياناً أصاب بالدهشة والعجب من قلبي وقدرته علي تحمل المصائب والإحباطات والخيبات والنكبات والاهوال، وأظل اسير وأردد في نفسي مثلاً جزائرياً سمعته منذ وقت بعيد: يا قلبي قداش تتحمل ياعطيك بومبة!! .فكرت أن أعود أدراجي إلي نفس المقهي إلا أنني ارتأيت تغيير اتجاهي إلي مكان آخر. سرت في الشارع الذي يقود نحو مقهي (كافيه نيرو) ثم حين وصلت المقهي قررت أن أواصل السير حتي أصل مكتبة واترستون، وألقي نظرة علي ما تعرض من كتب جديدة. في داخل المكتبة ظللت أطوف في الارجاء وعيناي تتابعان في صمت آخر ما نشر من عناوين روايات ومؤلفات من كل الأصناف. لم أشتر كتاباً واحداً رغم شدة الإغراءات المعروضة، وقمعت، بشدة وحزم، رغبتي في شراء كتابين، علي الأقل، كنت قرأت الكثير حولهما في الآونة الأخيرة، وأقنعت نفسي بانتظار شرائهما حين يصدران في الطبعة الرخيصة، خلال الاشهر القادمة. حسمت أمري وغادرت المكتبة، وقررت مواصلة التمشي حتي محطة إيرلز كورت. في الطريق قاومت غواية الدفء، وضجيج الرواد في داخل المقاهي وهم يدخنون ويثرثرون. علي مسافة غير بعيدة من محطة قطارات الأنفاق في إيرلز كورت، تدبرت وقلبت فكرة أن أستقل القطار إلي ليستر سكوير ومشاهدة فيلم جيمس بوند في حلّته الجديدة. كنت متردداً ومصاباً بحالة من عدم الاستقرار جعلتني اتقلب في داخلي زي الحوت في البحر، وما أن تخطر لي فكرة حتي أرفضها سريعا، وألقي بها علي الرصيف كعقب سيجارة. حين وصلت المحطة، لم أتسرع بالدخول وفضلت إشعال سيجارة وتدخينها.وقفت في جانب من البوابة الرئيسية للمحطة أدخن في صمت، وأتابع حركة البشر والسيارات أمامي. شعرت بشخص وقف بجواري، وطلب مني بإنكليزية ولاعة لإشعال سيجارته. أخرجت ولاعتي، بآلية، من جيب سترتي وقدمتها إليه. سمعته يقول لي بلسان عربي فصيح: شكراً يا أخ العرب . التفت نحوه مندهشاً. كان هو من كنت أبحث عنه بلحمه وشحمه، إلا أنه تخلص من هيئته الغريبة. ابتسم لي وقال: ما قولك في دردشة جميلة وفنجان قهوة؟؟ .ہكاتب من ليبياQMK0