جمعة بوكليب
لندن مدينة تحيّر ما تبقي لك من عقل، وتربك ما ترك النيكوتين في قلبك سليماً من فضاء كاف لاعتمال المشاعر، واشتجار الاحاسيس. مدينة تشتهي الغرابة، وكسر المألوف، لذلك يعشقهاالصعاليك والشعراء وكل من به مس من جنون عظيم. اذ يصادف أن تكون سائراً في طريق ما، في شارع ما، والجو كمخرز يكاد من قسوة برودته أن يثقب العظم، ومغيّم لدرجة أن يصيبك بالكآبة، يداك مدسوستان في قفاز جلدي، ويدثر جسدك معطف صوفي ثقيل، وشال صوفي ملفوف حول رقبتك اتقاءً من لسعات البرد، واذا بك تصادف شخصاً ما يسير في نفس الطريق، في اتجاه مخالف لك، لا يرتدي سوي قميص خفيف، قد لا تفكر، أنت، في ارتدائه حتي في أشد شهور الصيف اشتعالاً بالحرارة، وليس تحته سوي الجلد، فتنتاب مسامات جسمك قشعريرة من النوع الذي يجعلك تنكمش علي نفسك تلقائياً، فماذا تفعل؟ هل تستوقفه بأدب للحظة، لتسأله كيف لا يحس البرد الذي تستشعره ينخر العظم منك؟ ذلك اليوم، صباحاً، بينما أنت في عربة من عربات قطار أنفاق مزدحمة بغيرك من البشر، كما هي العادة في مثل هذا الوقت من أيام الاسبوع، والجو بارد جداً، توقف القطار في محطة ما، ثم فتحت ابواب عرباته، فاندلق سيل من الراكبين الي الخارج، وعلي رصيف المحطة كان سيل آخر من البشر في انتظار الدخول الي العربة، ولأنك كنت واقفاً علي حافة الباب، لمحت عيناك بدهشة، شبيهة بلسعة كهربائية، صبية في مقتبل العمر، تدخل عربة القطار وتقف، لسوء حظك أو لحسنه أمامك، وملاصقة لك، لا يغطي الجزء الأعلي من جسدها سوي قطعة ثياب خفيفة، لا تختلف كثيراً عن حمالة النهدين، سوي أنها تستطيل لتغطي البطن وما حولها، وتغطي تنورة قصيرة الجزء السفلي. وحين أفقت من الصدمة، اكتشفت أن عيون البشر الواقفين حولكما وقربكما، كلها تنظر في اتجاه الصبية، حتي عيون الاناث منهم!! تلك اللحظة أدركت أن الاستغراب والدهشة والتعجب وغيرها من الأوصاف التي تعرفها والتي لا تعرفها لا لزوم لها، ولم يكن أمامك سوي قبول الحكمة المأثورة التي تؤكد علي أن لله في خلقه شؤوناً، وببساطة، غير معهودة فيك، تصل الي قناعة تامة بأن الأمر لا يخصك أو يهمك من بعيد أو قريب، والأفضل لك أن تعمل بالمثل الذي يقول: اللي تلقاه راكب علي خشبة قوله مبروك الحصان. وبدلاً من ذلك، تظاهر بانك مشغول بقراءة الاعلانات الملصقة قرب سقف العربة، واصبر علي ما أبتلاك الله من فتنة كاسرة، ثم حين تصل الي محطتك المرغوبة، غادر العربة دون أن تلتفت للخلف، واشكر الله كثيراً علي سلامتك كما صرت تفعل في الشهور الاخيرة، وأحمد الله أن قطارك وصل الي المحطة التي تقصدها سالماً دون أن يفجّره أحد من الأخوة الذين يسعون الي ضمان دخول الجنة بقتل أكبر عدد ممكن من خلق الله المسالمين أمثالك، وتذكر، دوماً، أن لندن مدينة تحيّر ما تبقي لك من عقل لأنها مخيفة جداً، وأن الموت يتربص بك في كل مكان منها، ولا تعرف كيف، وأين سيفاجئك، وأنك اذا نجوت هذه المرة من جهاديي هذا الزمان العطيب، فامامك فرصة لأن تموت كجيفة، صدفة، نتيجة رصاصة طائشة، لأن بعض أعضاء عصابات تهريب وبيع المخدرات قرروا تصفية حساباتهم، ولسوء حظك تواجدت في الوقت والمكان الخطأ، كما سيذكر ذلك محضر تحقيق الشرطة فيما بعد، وكما ستكرر ذلك الصحف، وغيرها من وسائل الاعلام في تقاريرها. واذا نجوت من ذلك، فثمة فرصة لأن تكون ضحية لسرقة بالاكراه، في شارع ما، وبعد أن تسلّم اللص أو اللصوص ما لديك من مال، عليك بترديد الشهادة لأن الموضة بين أصحاب هذه المهنة، في هذه الأيام هي قتل الضحية طعناً بالسكاكين ثم ركلاً بالاقدام. واذا كتب لك الله النجاة ولم تكن ضحية لعملية مثل هذه، فاعلم أن هناك أكثر من فرصة أخري لأن تغادر هذه الدنيا الفانية بغير رغبة منك اذا أصاب حظك العطب ووقعت، مثل غيرك من الضحايا الفانين، صدفة بين يدي أحد المصابين بالشيزوفرينيا، الذين بدل أن يقضوا حياتهم في مصحة خاصة بهم، تضطر الحكومة من حين لحين، اقتصاداً في الانفاق، الي فتح الأبواب أمامهم ليغادروا المصحة بحجة أنهم لا يشكلون خطراً علي أفراد المجتمع!!!! ولأنك مؤمن بقضاء الله وقدره، مثل غيرك من المؤمنين، وتؤمن أن (ليلة قبرك ما تبات بره) تحاول اقناع نفسك، أن الحياة مخاطرة غير مأمونة العواقب، وليس من الممكن الرجوع الي الخلف، أو التريث والانتظار، وانه ما دام الأمر كذلك فمن الأجدي لك أن تمارس كينونتك غير مبالٍ بما ليس منه بد في نهاية الأمر، لأن العيش، بمنطق نفعي وأناني، تحت تهديد القتل، يظل أفضل قليلاً من أن تكون جثة هامدة في لحد يقتات عليها دود الأرض. لذلك اذا أردت لبالك الراحة، عليك أن تكون مثل لندن: مدينة مفتوحة علي الحياة من كل الجهات والمشارب والمسالك، تخترق مسارب التاريخ، وتذيب حدود الجغرافيا، ولم تذق للندم طعماً، وتدمن مراودة الغواية، ومراوغة الموت. كاتب من ليبيا يقيم في لندن