حكايات من البر الانكليزي
جمعة بوكليبحكايات من البر الانكليزيلا أعرف السبب الذي جعلني أعود الي بيتي ذلك المساء الشتوي البارد مباشرة بعد انتهاء دوام عملي. ربما الملل، أو ربما حاجتي لشيء من الراحة والخلوة، وربما لا هذه ولا تلك. كل ما اتذكره أنني، بعد انصرافي من العمل، وجدت قدميّ تقودانني الي محطة قطارات فكتوريا، فلم أبدِ أي مقاومة عملاً بالمثل الذي يقول ارخي روحك تعوم. كان مساءً بارداً ومغلفاً بكآبة تعودت عليها تجعلك تحس بالعالم الضخم من حولك يستحيل الي خرم ابرة، فتضيق الدنيا في قلبك، وتحاول الفرار الي أي مكان يشعرك بشيء من الراحة. في حالتي ذلك المساء، سعيت الي الفرار الي وحشة بيتي، وكنت، في حقيقة الأمر، كمن يهرب من الغولة كي يسقط فريسة سهلة بين يدي سلاّل القلوب. في محطة فكتوريا، أحس دائماً بنوع من الدهشة ان لم يكن الارتباك وأنا أخوض في زحام البشر المتسارعين كأنهم في يوم حشر. بآلية تتعلق عيناي بالشاشة الالكترونية المخصصة لمواعيد مغادرة القطارات. الوصول الي بيتي يتطلب أن أصعد اي قطار يتوقف في كلابهام جانكشن، ومن هناك أتجه الي رصيف 11 حيث أستقل القطار الذي يقلني الي محطة وريستر بارك. في القطار جلست اتصفح جريدة لندن المسائية بدون شهية. غادرت القطار في المحطة المقصودة وسرت علي قدميّ في الرصيف المؤدي الي الشارع الرئيسي حيث المتاجر والمقاهي. توقفت عند دكان عربي، واشتريت ما أحتاج من لوازم، ثم بآلية قادتني قدماي في الطريق المؤدي الي بيتي. كان البيت بارداً كوحشة قلبي، فتوجهت مباشرة الي تشغيل المدفأة. خلعت نعليّ وتخلصت من ملابسي، وارتديت ما يناسب القعدة في الحوش. دخلت المطبخ وبدأت الاعداد لوجبة العشاء، دقة دقة، وعلي اقل من مهلي. سمعت حركة علي باب البيت، وظننت أن أحداً ما قد القي بورقة أو أكثر من أوراق الدعاية الخاصة بمطعم أو شركة تأجير سيارات أجرة أو ما شابه ذلك من أوراق الدعايات التي تصلني يوميا تقريباً، عبر فتحة البريد الموجودة في منتصف باب البيت. حين أتممت اعداد وجبتي، وسيطرت علي الموقف تماماً تركت المطبخ واتجهت نحو باب البيت فرأيت ورقة مطوية ملقاة تحت باب البيت مباشرة. التقطتها من علي الأرض وفضضتها فاذا بها اعلان من احدي الأسر عن فقدان قط. في اعلي الورقة كتبت ببنط أحمر كبير كلمة: مفقود، وتحتها مباشرة صورة ملونة لقط وسيم وصغير في السن، علي أعتاب مرحلة المراهقة تقريباً. وتحت الصورة كتب ببنط أصغر: بارنابي ـ قطنا الحبيب، ثم كتب تحتها ببنط أصغر قليلاً: لونه اسود وأبيض فضي. آخر مرة شوهد فيها كانت يوم السبت 3 شباط (فبراير) 2006 عند الساعة الواحدة ظهراً في بيومنت درايف (هامبتونز). اذا صادف ورآه اي أحد أرجو الاتصال بكلير وديفيد علي الرقم 0788790247.من فضلك ألقِ بنظرة في حديقتك أو مرآب سيارتك أو الكوخ المخصص لأشياء حديقتك لأنه ليس من النوع الذي يبقي خارج البيت لليلة واحدة. شكراً.اعلان عادي من النوع الذي كثيراً ما يراه المرء معلقاً علي شجرة أو جدار أو عمود كهرباء يستجدي مساعدة الناس في العثور علي قط أو كلب مفقود. لكن ما اثارني فيه أن صاحبيه قاما بطبع أعداد هائلة منه ثم تجشّما معاناة توزيعها علي كل بيوت المنطقة، وثانياً الأسلوب الذي كتب به والذي يجعلك تحس بالتعاطف مباشرة مع كلير وديفيد في مصابهما الأليم، كما تشعر ايضاً بشديد قلقهما علي مصير بارنابي، وانتابني احساس ان هذا الأسلوب سوف يدفع البعض من جيراننا من محبي الحيوانات الي وضع معطفه علي ظهره وقبعته علي رأسه ثم مغادرة بيته في محاولة لمساعدة العائلة المنكوبة وارجاع الغالي الي دفء وحب أهله وأحبته. أعدت النظر في صورة بارنابي فلفتت اهتمامي وسامته وتوقد الذكاء في عينيه، فاتجهت من فوري الي حيث يتواجد هاتفي المحمول وأدرت الرقم الموجود في الاعلان وبمجرد أن رن الهاتف جاءني صوت امرأة. قلت مساء الخير، أنا جار لكم واطلعت علي خبر فقدان قطكما واتصلت مستوضحاً هل استجد جديد؟ قالت المرأة شكراً علي اتصالك وتعاطفك ولكننا ما زلنا نبحث عنه أنا وديفيد. هل رأيته؟ فكرت ان أكذب وأرد بالايجاب لكني خفت من العاقبة ورددت نافياً وبصوت رزين ومليء بالتعاطف. وعدت أن ابذل ما بوسعي في البحث عنه وارجاعه الي بيته. شكرتني المرأة كثيراً، وبدأت تحكي لي بصوت شرخه الأسي، وأتعبه الفقد والحزن عن مدي لوعتها وديفيد لغيابه، ثم بدأت تقص عليّ اقاصيص حول جماله وروعته وخفة دمه وذكائه، وبتفصيل شدني ولفت انتباهي الي حقيقة أنني كأب لا أعرف عشر هذه التفاصيل عن أحد من ابنائي. ولا أظنني الأب الوحيد الذي يجهل ذلك. وأعتقد جازماً أن والدي لم يكن يعرف من تفاصيل حياتي أكثر مما يعرف الحاج شعبان صاحب الدكان في شارعنا. كما أتذكر أن جاراً لنا في طرابلس كان لا يستطيع حتي التمييز بين اطفاله! سألتني المرأة ان كنت من محبي القطط، وهل لدي قط؟ قلت لها كذبا أنني من محبي الحيوانات عموماً وأن الكلاب هي المفضلة لدي. سألتني عن اسم كلبي، فأجبت بدون ارتباك أن كلبي انتقل الي رحمة الله وانني ما زلت في حالة حزن عليه ولم اتدبر بديلاً له بعد. تأسفت المرأة بأسي لمصابي الأليم وشكرتني مجدداً وودعتني. في اليوم التالي بينما كنت أجلس صحبة صديق في مقهي، رن جرس هاتفي المحمول فالتقطه من مكانه علي المنضدة أمامي، وسمعت صوت امرأة. قالت: هالو أنا كلير، قلت: أهلاً كلير هل سبق لي معرفتك؟ ردت كلير قائلة لقد هاتفتني البارحة للسؤال عن بارنابي. تساءلت من بارنابي؟ قالت كلير: انه قطنا المفقود. انتابني شعور بالخجل لاحساسي أنني نسيت الموضوع تماماً. اعتذرت لكلير وسألت عن آخر أخبار المفقود، وعلمت منها أن الغائب الغالي روّح لحوشه سالماً هذا الصباح، وأنها ستأخذه للطبيب البيطري للتأكد من أن صحته البدنية والنفسية علي ما يرام، وشكرتني علي اهتمامي وودعتني. حكيت القصة لصديقي فضحك ثم قال: يا حسرة علي قطاطيسنا تدوح طول النهار والليل في الشوارع وما فيه من يدورها أو يشقي بحالها ، ثم سألني ساخراً: من امتي بديت تحب الحيوانات يا حيوان ؟ وغمز بعينه غمزة مليئة بخبث خبرته جيداً. تجاهلت تلميحه وبدأت حديثاً في موضوع آخر.بعد عدة ايام تلقيت مكالمة هاتفية من كلير أبلغتني فيها أنها اتصلت بصديق للعائلة من مربي الكلاب ووافق أن يرسل اليّ جروا حديث الولادة، وأملت عليّ رقم هاتفه للاتصال به كي يتم ارسال الجرو في اقرب وقت ممكن!!! ہ كاتب من ليبيا يقيم في لندنQMK0