التاريخ أحداث يصنعها أشخاص يختلفون في قابلياتهم وظروفهم ولكل حدث حكاية وفي تاريخ بغداد العريق الكثير من الأشخاص كانوا علامات بارزة في تاريخها، وسنسرد هنا بعض هذه الحكايات التي تميز الحياة في بغداد في الماضي:
مقهى أبراهيم عرب
كان إبراهيم عرب أشهر صاحب مقهى في بغداد وكان مقهاه في منطقة الكرنتينة بالقرب من باب المعظم. وقد أشتهر عرب بالمبالغات المضحكة والمسلية التي كان يسردها بمنتهى الجدية ويستشيط غضبا عندما يسخر أي كان من مبالغاته. وكان يدعي أنه العالم بأمور السياسة والاقتصاد والمجتمع ومقدم النصائح لحكام العراق. أما إذا كانوا لا يأخذون نصائحه بنظر الاعتبار فهذا دليل على غبائهم وذنبهم على جنبهم. فالملك فيصل الأول يدعوه على العشاء ساعيا لمشورته، أما المندوب السامي البريطاني (حاكم العراق الفعلي آنذاك) هنري دوبس فقد زاره فجأة في منتصف الليل ليحل لبريطانيا مشكلة عويصة وهما يحتسيان الشاي. وهناك أيضا المس بيل (المسؤولة السياسية في السفارة البريطانية وأشهر شخصية في العراق آنذاك) التي تزوره دائما لعشقها له والتحرش به جنسيا، إلا انه يترفع عن محاولاتها احتراما لعشيقها الحجي ناجي فقد كانت الأشاعات آنذاك تقول إنه كان للمس بيل عشيق عراقي يدعى الحجي ناجي، ولذلك كان العراقيون يسمون الإنكليز «أبو ناجي». ومن قصصه خارج السياسة أنه لعب ذات يوم كرة القدم وأثناء اللعب ضرب الكرة بقدمه عاليا ثم ذهب إلى منزله لتناول الغداء والنوم بعد ذلك، وعندما عاد إلى الملعب فإذا بالكرة التي كان قد ضربها عاليا تسقط أمامه من الفضاء. ولعلها اتخذت لها مدارا حول الأرض خلال غيابه. ولكن إبراهيم عرب كان أيضا من ألطف الناس ويعرف جميع مرتادي مقهاه معرفة وثيقة وإذا أتى إلى مقهاه شخص جديد لا يعرفه، فيقدم عرب له الشاي أو الحامض مجانا قائلا «بلا صغر فيك منو جنابك» فقهوته للأصدقاء والمحبين وهذا الشخص الجديد سيكون منهم. و بذلك أصبح مقهاه منتدى الأدباء والظرفاء الذين كانوا يستمتعون بالاستماع إليه، ومن أكثر الذين كانوا يرتادون مقهاه طلاب الجامعة القريبة منه الذين كانوا يستذكرون موادهم الدراسية في مقهاه، حيث كان يوفر لهم رعاية خاصة للحفاظ على مستواهم الدراسي.
نوري باشا السعيد
قام قائد الفرقة الثانية الفريق بكر صدقي في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر من عام 1936 بحركة عسكرية أطاحت بحكومة ياسين الهاشمي، ولا نعرف إن كان علينا تسمية هذه الحركة انقلابا غير شرعي، إذ أنها حظيت بتأييد الملك غازي (1912 – 1939) الذي أقال وزارة ياسين الهاشمي فور سماعه بالحركة، وكان أهم أعضاء هذه الوزارة نوري السعيد الذي كان وزيرا للخارجية، بالإضافة إلى قريبه جعفر العسكري الذي كان وزيرا للدفاع. وانتهى كل شيء بهدوء باستثناء أمر واحد فحسب أثار ضجة كبيرة آنذاك وهو مقتل وزير دفاع حكومة الهاشمي الفريق الأول جعفر العسكري على يد مجموعة من الضباط المسؤولين عن حماية بكر صدقي بقيادة النقيب جمال جميل، وكان بقية الضباط هم الرائد إسماعيل عباوي ويلقب توحلة والنقباء جميل فتاح و لازار برادوست وجواد حسين. وبعد أغتيال بكر صدقي يوم 12 أغسطس/آب 1937 و سقوط وزارة حكمت سليمان تم القبض على المجموعة التي قامت بقتل جعفر العسكري وعلى رأسهم جمال جميل، توقع الجميع ان يكون مصيرهم الإعدام فقد أصبح نوري باشا الرجل القوي في العراق و كان قادرا على إعدامهم. ولكن عندما جلب أعضاء المجموعة إلى المحاكمة تحمل جمال جميل المسؤولية الكاملة لمقتل جعفر العسكري ودافع عن نفسه بأنه كانوا مناطا بحراسة المعسكر الذي كان جعفر العسكري يريد الدخول إليه، وإن الأخير لم يكن وزيرا للدفاع بل مواطنا عاديا نظرا لكون الحكومة التي كان وزيرا فيها قد أقيلت من قبل الملك غازي وكل ما فعله كان تنفيذا للأوامر الصادرة من بكر صدقي، التي كانت تنص على منع دخول جعفر العسكري إلى المعسكر. وفي نهاية المطاف ووسط دهشة الجميع أعلنت المحكمة براءته من التهم المنسوبة إليه. ولم ينته الأمر هنا فقد قام الباشا بإعادة جمال جميل إلى الجيش وعينه آمرا للقوة النهرية، ثم أرسله ضمن البعثة العراقية لمساعدة اليمن في تأسيس الجيش اليمني الحديث وهناك قام بقيادة الثورة اليمنية الدستورية عام 1948 التي لم يكتب لها النجاح.
كان عام 1954 في بغداد مليئا بالأحداث الجسام ومنها فيضان بغداد الشهير، ولحسن الحظ كان في العراق رجال يعرفون كيف يعالجون الكوارث بإرادة شجاعة وحاسمة وعلى رأسهم السياسي الأشهر والأقوى وصانع الحكومات نوري باشا السعيد، الذي عرف بشيء آخر يجهله الكثيرون الا وهو خفة دمه ورقته مع الطيبين الصادقين. ففي الساعة الحادية عشرة من صباح أحد أيام شتاء تلك السنة توقفت سيارة نوري باشا السعيد أمام مجلس النواب العراقي وكانت من نوع باكارد الأمريكية وتحمل رقم 20 بغداد. وكعادته نزل نوري باشا السعيد منها مسرعا وقد ظهر مسدسه في حزامه بدون أن ينتظر نزول السائق ليفتح له الباب، فهذه الشكليات السخيفة كان الباشا يترفع عنها دائما، ومشى بسرعة إلى أسفل الدرج الكبير الواقع أمام المجلس وهناك وجد نفسه وجها لوجه أمام السياسي والنائب المعروف عارف عانة فبادره الباشا بالسلام ولكن عانة تجاهل سلامه والغضب باد عليه واستمر في سيره وبعد أن تجاوز الباشا بعدة خطوات التفت الباشا إلى الوراء صائحا «عارف بك… عارف بك… السلام سنة والجواب فرض»، فما كان من عارف عانة إلا أن استدار نحوه و قال بغضب «رُح» مشيرا له بيده بالابتعاد، فاستدار الباشا وهو يضحك و يهز رأسه.
معروف الرصافي
زار عادل أرسلان بغداد عام 1930 وقرر رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي إقامة حفل له في سينما رويال ولسبب ما لم يستلم الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي دعوة لحضور هذا الحفل مما أثار حفيظته. وأثناء جلوس الرصافي مع الشاعر الشعبي عبود الكرخي وبديوي الحاج رحومي في منزله وهو غاضب بسبب تجاهله، دخل شفيق نوري السعيدي وسلم وجلس، وكلم الرصافي والكرخي قائلا «ٳن ياسين الهاشمي يعتذر لعدم إيصال بطاقتي الدعوة لكما، وهو يدعوكما للحضور الآن»، ولكن الرصافي رفض هذه الدعوة وسكت الكرخي، فكرر شفيق الكلام والتمس من الرصافي تلبية الدعوة فرفض ذلك ثانية وبإصرار فعاد شفيق من حيث أتى خالي الوفاض. ولكن بعد نصف ساعة أتى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي بنفسه ومعه عدد من المرافقين ودعاهما لحضور الحفل معتذرا عن عدم وصول بطاقتي الدعوة وعند ذاك وافق الرصافي على الحضور وقرر الآخران الانضمام إليه ولما وصل الثلاثة ٳلى مكان الحفل وجدوا القاعة غاصة بالمدعوين، فأحضرت لهم الكراسي وصُفت بالقرب من الشاشة وألقى الرصافي في تلك المناسبة قصيدة ارتجالية رائعة إلا انه لم يستطع كتم غضبه بسبب عدم استلامه بطاقة الدعوة فأنهى القصيدة موجها كلامه إلى عادل أرسلان:يا عادلا كأسمه لا تنسَ مظلمتي عندي خصوم و ما عندي لهم حكم هكذا كان الرجال في بغداد آنذاك.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل