حكايا عن العودة
حنان بكيرحكايا عن العودة ينصرف الحديث عن حق العودة غالباً نحو القوانين الدولية والقرارات والحق المهدور، ورغم متابعتي لكل ذلك إلا أن حق العودة بالنسبة لي هو فعل إيمان غير مطروح للنقاش، وغير خاضع للمنطق وجدلياته.ولدت في عكا، بعد اسبوع غطسني أبي في بحرها. الملح يشد الأجساد الغضة، هل كانت تلك نبوءة الألم لمن جاوروا البحر قروناً، فأعطاهم مرة الخير، وقذف إليهم كثيراً من أشكال العذاب؟ لكنها كانت نعمة لي، قد لا أمنحها ثانية بالعودة إلي مكاني الأول، لكن الأحفاد سيرجعون يوماً مع مواسم السنونو بعدما يتقنون النشيد.شاءت الأقدار أن انتمي إلي الجيل الذي يسمي جيل النكبة بمعني أني أقف بين جيل أبي الذي عاش شبابه في وطنه، وبين الأجيال التي ولدت في المنفي، فأنا ـ كرمز لهذا الجيل ـ الحبل السري الذي يربط مرحلتين.. فتغذيت علي ذاكرة أبي وحكاياه.بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 جاء صديق لأبي من صيدا حاملاً رسالة شفوية من صديق قديم له ممن بقوا في أرضهم ولم يرحلوا، يقول الصديق لأبي: اتصل بي من خلال الصليب الأحمر الدولي لتأمين زيارة عكا لك وللعائلة. قفزت فرحاً، أخيراً سأرافق أبي إلي مسرح حكاياه وملعب طفولته ونضال شبابه، لكن الوجوم علي وجه أبي أعادني إلي وقاري، والدمعة التي سبحت في عينيه الزرقاوين نقلتني إلي بحر عكا.. لعل الحرب ذهبت بعقل هذا الرجل ! هكذا فكرت في نفسي. ولم استطع مناقشة الأمر إلا بعد أسبوع حين قال أبي: لن أذهب لعكا زائراً أو سائحاً، وأري تشكيلة أمم تحتل أرضي وسمائي وبحري، إذهبي أنت ان شئت.بعد موت أبي عملت علي جمع شتات الذاكرة الفلسطينية من كبار السن. أصابني هوس جمع قصصهم قبل أن يرحلوا بعيداً. في لبنان ارتحلت جنوباً، شمالاً وبقاعاً، ألهث خلف تفاصيل الحياة التي ستضيع برحيل أصحابها، أكثر هؤلاء اليوم قد ارتحلوا بعد أن أودعوا ذاكرتي ما كانوا يخشون ضياعه تاركين أمانة حق العودة لنا. الحاج فضة، ابن الثمانين سنة الذي يقطن شرق صيدا، يجوب عصر كل يوم أزقة صيدا القديمة كطقس عبادة، لأنها تذكره بزواريب عكا.الحاج حبوش شيخ الصيادين أيام عكا، عندما يمر علي شاطئ البحر يشيح بوجهه عنه رغم عشقه له، لأنه بعد بحر عكا ما في بحر. وحين أردت يوماً مداعبته قلت له: البحر بحر ما الفرق؟ إنه المتوسط، رمقني بنظرات غضب واستخفاف وقال: لأنك جاهلة وما بتعرفي بحر عكا. الحاج عبد في برج البراجنة، رغم احتفاظه بذاكرة تروي تفاصيل البلاد إلا أنه كان يصر كل يوم علي الخروج قائلاً لزوجته: أنا رايح أصلي في الجزار، لا تنسي أن تقطفي البنفسج وان ترسليه إلي المطعم، فقد كان يملك مطعماً علي شاطئ بحر عكا.ولأن الرحيل صنو للفلسطيني فقد ارتحلت إلي الشمال البعيد البارد. كانت حرارة الانتفاضة في أشدها. غضب وقهر يملآن قلبي. كسرت قلمي وقلت: ما جدوي الكلام؟ وهل يكون للقلم قوة المدفع؟ عبث. لا شيء ينفع. عزفت عن مشروع يأساً، ووجدت نفسي ظهر كل يوم أسير مع آخرين كثر نعلن احتجاجنا وتضامننا أمام السفارات والمؤسسات الدولية. أمام السفارة العبرية، تجمعنا من كل الأعمار والألوان من عرب ونرويجيين. شكل العسكر النرويجي درعاً بشرية أمام السفارة، منعاً لأي خلل أمني، وقد حدث المحظور، وبدأ قذف الحجارة مخالفين الاتفاق بأن تكون المسيرة سلمية. تدافعت خيول الشرطة بيننا، فتفرقنا، نحتمي بالأشجار توقياً من سنابك الخيل، وحدهم الأطفال وقفوا ملتفين بالحطاط الفلسطينية أمام الدرع البشرية يهدرون بأصوات مرتفعة. غافلت الخيل وتسللت نحو الأطفال.. الجنود كالتماثيل خلف دروعهم، الأطفال منفعلون يحدثون الجنود عن نكبة 1948، وعن مذبحة دير ياسين، وكفر قاسم، وعن مدنهم وقراهم التي سرقت وكان حديثهم باللغة النرويجية. سرت في قشعريرة دغدغت روحي. عدت ادراجي مهرولة أحتمي بقلمي واستميحه عذراً. إن المجزرة الحقيقية هي أن تجزر ذاكرتنا. عدت إلي بيروت. كلفت بمرافقة وفد جاء من فلسطين لزيارة مخيمات، في مخيم برج البراجنة تحلق الناس حول الزائرة يسألون عن أحوال البلاد. فسحت مجالاً ووقفت جانباً.. لفتني طفل لم يتجاوز السابعة أو الثمانية أعوام جاء راكضاً بثيابه المتواضعة جداً وقدميه الحافيتين، شق لنفسه طريقاً بين النسوة حتي وصل داخل الحلقة، دار دورتين أو ربما أكثر حول الزائرة التي تحمل عبق الأرض، رفع نظرات مندهشة من عينين زائغتين، مس طرف ثوبها كمن يمس شيئاً مقدساً، بدا كناسك في محرابه وسط دهشة الحاضرين قبل أن ينطق ويسأل: انتي جاية من فلسطين؟ اجابته: نعم. وإنتي راجعة لفلسطين؟ أجابته: نعم. طيب سلميلي علي الكابري !! وأسرع الطفل عائداً من حيث جاء.وتذكرت قبل سنوات عندما كنت في مخيم الرشيدية مع وفد إعلامي أوروبي.. حيث تجمهر الأطفال سائلين الصحافي الإنكليزي: صحيح انتو جايين تاخذونا علي فلسطين؟ وصاح آخر: امتي بدكم توخدونا علي فلسطين؟ وصاح ثالث: احنا تعبنا هون! كيف عرفت تلك الطيور المهاجرة أمكنتها الأصلية؟ ازداد إيماني بالقلم وتدوين الذاكرة. حين ترجمت للصحفي ما قالوه دمعت عيناه، قلت: للأسف حكومتك هي السبب. ما بين جيل رحل ولم يفرط، وجيل جديد يكبر لديه حلم العودة كل يوم، هل من حق احد كائنا من كان مصادرة هذا الحق؟ہكاتبة من فلسطين تقيم في أوسلو0