مهرجان أيام سينما الواقع في سورية:
دمشق – من تهامة الجندي مع فيلم ‘تصبح على خير، يا لا أحد’ للمخرجة السويسرية جاكلين زوند انتهت فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان ‘أيام سينما الواقع الدوكس بوكس’ مساء العاشر من الشهر الجاري. بعد أن قدّمت على مدار ثمانية أيام ثلاثة وأربعين فيلما تسجيليا، عُرضت بالتناوب في كل من دمشق وحلب وحمص وطرطوس، وقد فاز بجائزة الجمهور الأولى الفيلم اللبناني ‘تيتة ألف مرة’ لمحمود قعبور، بينما ذهبت الجائزة الثانية لفيلم ‘أبي من حيفا’ للمخرج عمر الشرقاوي من الدنمارك، والجائزة الثالثة للفيلم اللبناني ‘مملكة النساء: عين الحلوة’ لدانة أبو رحمة. أما جائزة صورة فقد كانت من نصيب الفيلم السوري ‘في انتظار أبو زيد’ لمحمد علي أتاسي.
أفلام الدورة الرابعة تم اختيارها من بين أكثر من ستمئة فيلم كانت قد ترشّحت لدورة العام الحالي، والمختارات حملت تواقيع مخرجين مخضرمين ذوي شهرة عالمية إلى جانب آخرين ما زالوا في بدايات المشوار، وغلبت على معظمها الموضوعات ذات الطابع الإنساني الفردي الذي يحمل في طياته أمداء اجتماعية وسياسية عامة، تمت معالجتها بأساليب فنية متباينة، لا تعوزها اللمسة الإبداعية الخاصة في مقاربة الموضوع والتقاط المشهد وإدارة الشخصيات. في مقدمة الموضوعات الفردية ذات البعد الاجتماعي التي عُرضت ضمن إطار تظاهرة ‘المختارات الرسمية’ جاءت مشاركة المخرجة التشيكية هيلينا تريشتيكوفا التي تُعتبر واحدة من أهم المخرجين التسجيليين في أوروبا الشرقية، والتي قدّمت منذ تخرجها عام 1974 وإلى اليوم حوالي ستين فيلما تسجيليا، وتميزت بأسلوب المتابعة الطويلة الأمد، وفي فيلمها ‘كاتكا’ (ملون 90 د) تناولت المخرجة مخاطر الإدمان عبر متابعتها لشابة مدمنة على المخدرات خلال أربعة عشر عاماً، حيث تبدأ القصة عام 1996 حين كان عمر كاتكا تسعة عشر عاماً، وكانت تحلم بأن تجد الشريك المناسب وتبني أسرتها وتنجب أطفالا، لكنها بسبب الإدمان انحدرت إلى السرقة والدعارة وعانت التشرّد، وأُصيبت بالاكتئاب النفسي وبتشمّع الكبد، وبدت وهي على أعتاب الثالثة والثلاثين وكأنها امرأة في السبعين من عمرها. حاولت كاتكا مرارا أن تدخل مراكز إعادة التأهيل للتخلص من إدمانها واستعادة نفسها وحياتها، لا سيما بعد أن حملت ورُزقت بطفلة، لكن محاولاتها لم تنجح، وبذلك خسرت ابنتها وصحتها والحياة الأسرية التي كانت تحلم بها، وقد أكثرت المخرجة من المشاهد الخارجية انسجاما مع وضع بطلتها المشرّدة، واتبعت أسلوب تحقيب الفيلم بفترات زمنية متسلسلة، يبدأ كل منها بالعام وعمر الشخصية المحورية، لتعكس بالتدريج مصير المدمن ومآل وضعه الصحي والنفسي والاجتماعي بكثير من التعاطف، ودون اللجوء إلى لغة الوعظ. أيضا في سياق ‘المختارات الرسمية’ تناول فيلم ‘هوية مجهولة’ (ملون،80 د) موضوعا اجتماعيا شديد الحساسية يتعلق بالشرخ النفسي الناجم عن اكتشاف الشخص أن من رباه ليس والده الفعلي، وعالج المخرج الألماني الشاب ينس يونكر الموضوع من خلال تجربته الشخصية معتمدا على طرح الأسئلة وأسلوب الرحلة، فهو نشأ في ظروف مثالية ضمن عائلة ألمانية متديّنة، دون أن يلحظ الفارق بين ملامحه السمراء وملامح أخوته، لكنه حين بلغ العشرين من عمره اكتشف أنه ابن علاقة غير شرعية أقامتها والدته مع طبيب لبناني قدم للدراسة في ألمانيا، وصدمة ينس جعلته يهجر الأسرة ويقاطعها لسنوات، إلى أن قرر التصالح مع ماضيه، والبحث عن والده الحقيقي، حيث يسافر إلى لبنان ويلتقيه، ويتعرف بباقي إخوته وسط تيار من المشاعر العاطفية الملتبسة والمتضاربة التي تحمل الكثير من المواقف الإنسانية الشفيفة والمفارقات المضحكة.
ولعل واحداً من أجمل وأنضج الأفلام التسجيلية التي ناصرت حقوق المرأة في العالم كان فيلم ‘أخوات في القانون’ (2005، 100 د) لضيفة مهرجان ‘أيام سينما الواقع’ المخرجة البريطانية الشهيرة كيم لونجينوتو، التي قاربت الموضوع من خلال مدعيتين للحق العام تعملان بدأب على الدفاع عن نساء الكاميرون وتوعيتهن، حيث تدخل عدسة المخرجة إلى دوائر القضاء، وترصد حالات مؤلمة من العنف والانتهاك الجسدي والنفسي الذي تتعرض له الإناث في تلك المنطقة، بدءا من حرمان الفتيات من حق التعليم واختيار الشريك، مرورا بإساءة معاملة الزوجات وضربهن وحرمانهن من رؤية أولادهم، وصولا إلى اغتصاب القاصرات، وتعذيب الطفلات. وانطلاقا من الحالات المتباينة تعددت شخصيات الفيلم، وتنوعت مواقع التصوير، وبنت المخرجة عدة خطوط متوازية، تصاعدت بالتدريج وفق حبكة درامية مشوّقة، لتكشف أبعاد المعاناة، وتثير الأسئلة حولها، وتقدّم الحلول للتغلب عليها بفنية عالية قاربت أدوات الفيلم الروائي. أما البعد السياسي الذي يعكس مدى الإجرام وفساد الأجهزة الرسمية فنلمسه جليا في فيلم المخرج الإيطالي الجيانفرانكو روسي ‘إل سيكاريوـ الغرفة 164’ الذي يصوّر واقع تهريب المخدرات والاتجار بها في شمال المكسيك، من خلال قصة قاتل مأجور كان يعمل لصالح كارتيل المخدرات في مدينة خواريز. وهنا اعتمد المخرج أسلوب الراوي والشخصية الوحيدة والمكان الثابت إلا ما ندر طيلة ثمانين دقيقة هي مدة الفيلم، حيث يمضي القاتل ساردا ذكرياته بمساعدة دفتر وقلم، وهو يغطي رأسه بخمار أسود، في غرفة كان يستخدمها لحجز المختطفين وتعذيبهم، ثم اختبأ فيها بعد أن عاد إلى رشده وتاب، وعلى الرغم من العناصر الثابتة فإن أسلوب السرد المشوّق، والتداعيات المرعبة التي جاء بها، كانت وحدها كفيلة بإثارة المتلقي وشد انتباهه على الدوام. وتبدأ الذكريات مذ كان القاتل صبيا فقير الحال وأغراه الكارتيل بالأموال والنساء والسيارات مقابل قيامه بتسليم المخدرات، ومن ثم أرسله للالتحاق بكلية الشرطة كي يتعلم فنون القتل والملاحقة، ويكون المسؤول عن عمليات خطف وتعذيب الخارجين عن إرادة الزعيم، وهي عمليات تنضوي على قدر كبير من الإجرام والوحشية، وتُنفّذ بالتواطؤ مع المسؤولين المرتشين في أجهزة الشرطة ومؤسسات الدولة.
على خلاف ذلك قام المخرج محمود المساد الذي يقيم ويعمل في هولندا منذ عام 1995، برسم لوحة مشحونة بالعاطفة لأشكال المقاومة المشروعة في فيلمه ‘هذه صورتي عندما كنت ميتاً’ (ملون81 د) من خلال سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني بشير مريش المقيم في الأردن، والذي تناقلت بعض الصحف خبر مقتله وهو في الرابعة من عمره إثر حادثة اغتيال والده القيادي البارز في منظمة فتح مأمون مريش في أثينا عام 1983، وبالمقارنة ما بين الصور الفوتوغرافية للأب ورفاقه الثوار وأحاديث الذاكرة حول العمليات التي قاموا بها من جانب، وحياة الابن اليومية، أصدقائه، رسومه الساخرة وصراعه مع الجهات الناشرة من الجانب الآخر، بالمقارنة ما بين الشخصين نلحظ تطور مفاهيم الثورة، واختراع أساليب جديدة للمقاومة تؤمن بقدرة الفن على تحريك الوجدان والرأي العام لصالح القضية الفلسطينية.
في ذات إطار السيرة الذاتية التي تعكس نضال شعب للتحرر من الغاصب، جاء ضمن تظاهرة ‘أصوات من سورية’ فيلم أديب الصفدي ‘صفقة مع السرطان’ (ملون،50 د) ليرسم لوحة عن مقاومة أهل الجولان من خلال تجربة المناضل سيطان الولي الذي اعتُقل عام 1985، وهو في التاسعة عشرة من العمر، وحُكم عليه بالسجن مدة سبعة وعشرين عاما بسبب تشكيل خلية سرية هو وأصدقاؤه لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، وقبل أربعة أعوام من انتهاء فترة حكمه أُطلق سراحه بسبب إصابته بالسرطان.
في الفيلم يتحدث الولي عن ظروف اعتقاله القاسية، وعن صراعه مع المرض، وإيمانه بأنه سوف يبرأ منه، وعن رفيقه الذي فُجع بموته في السجن بسبب إصابته بالسرطان، وفي الختام يبدي أسفه المرير لأن أيا من عمليات تبادل الأسرى التي جرت أثناء اعتقاله، لم تأت على ذكره أو ذكر أي من رفاقه السجناء.
وأيا كانت الشواهد فقد حفلت الدورة الرابعة لمهرجان ‘أيام سينما الواقع’ بالأسماء اللامعة، والعروض الأولى، والأفلام الهامة على مختلف المستويات التي أثارت طيفا من الأسئلة الداعية للتأمل والتفكير، وأكدت على موقف أخلاقي راق من إشكالات عامة تؤرق الضمير الإنساني أينما كان.