حكايةمدينتي المؤجلة

حجم الخط
0

لا أعرف سر تلك اللحظة الغامضة التي جعلتني أتعلق بوهم جميل، اسمه الكتابة، أذكر أنني لطالما أغرمت بالحكاية وتفاصيلها، أتابعها وهي تمشي في الحارات الضيقة، والشوارع الفسيحة، أراقبها وهي ترقص، أو تسبح، أو تنام.. دون أن أقرر، وجدتني أقلد حكايات الآخرين تلك التي فتحت أفقا شاسعا في ذاكرتي الصغيرة، وجدتني متورطا في حكاية مدينة وديعة اسمه ‘تطــــوان’، تنام باكرا، لأن حلمها حكاية نهرية، فإنها لا تأبى النهوض إلا في ساعات متأخرة. لطالما باغت مدينتي في ليالي الخريف متلصصا على ابتسامتها البريئة.. لطالما سعيت لاكتشاف وجهها المخــــبوء، لم تكن تغريني ملامحها الصارمة التي تحتاج لقهوة سوداء بقليل من ‘لاموند’، لتطرد حالة الكآبة.
حينما تألف المكان تتصالح معه، تعامله برومانسية مسكونة بالحنين.. أن تصالح مدينتك حتما ستظل قابعا في ظاهرها الصارم، أما حينما تصطدم بدروبها وحاراتها وسكانها، وتشكك في صرامتها المصطنعة، فالمكان يستدعيك لتسافر فيه بحثا عن أجوبة لأسئلتك المحرجة.. كل سؤال يقودك إلى حكاية مؤجلة، كلما اعتقدت أنك وصلت إلى جواب شاف يبدد حيرتك، كلما كبرت الشكوك، وغصت في بياض مدينتك لعلها تسفر عن وجهها المخبوء.
ولأنني انهزمت وأنا أعارك أسرار المدينة، حولت أسئلتي الحارقة إلى حكايات، تحاور لحظات ضبابية جمعتني بمكان أو موقف أو وجه أو سؤال.. لحظات أتدحرج داخلها كي أتخلص من ثقل الزمن بتلويناته المتعددة. إن المكان لا يتخذ بعده الوجودي إلى في حالة تأزمية، فخلق الأزمة كفيل بفهم اختلاف مدننا التي نجزم أنها لا تشبهنا.. ولكي تأزم مدينتك عليك أن تنفي ذاتك خارج جدرانها، أن تقيم في أمكنة بمذاقات مغايرة.. أنذاك تتحول مدينتك إلى نوستالجيا ممزوجة باللذة والألم، ستتحول ‘تطوان’ إلى تمثل فلسفي منفتح على عمق معرفي وجمالي ممزوج بروائح البحر.. لحظتها ستكتب عن مدينتك بمذاق عميق، تعود إلى ‘تطوان’ لتراقب تحولاتها وشموخها وانهيارتها وصراعاتها، ستكشف لك المدينة عن وجهها المخبوء، لأنك لم تعد مسكونا بوهم ‘الأصل النقي’، داخلك أوجاع مدن أقمت داخلها أو عبرت إليها، هويتك تشتت في أزقة ومقاهي وحانات، موزعة على خرائط ممتدة.
شخصيا لم تعد تهويني النوستالجيا والمقارنات المخاتلة، خصوصا حينما قادني الطريق إلى ليل الجنوب بحدائقه الخضراء.. بحثت هناك عن متعي المؤجلة، حاولت اكتشاف طبائع الناس وعاداتهم، أقشر الاستعارة لأفهم لغات البحر، أنصت لأصوات النوارس وهي ‘تقاقئ على الطعام المتاح’، أبحر، أعتلي الموج لأدنس حكايتي بمياه مختلفة، وكأنني أعمد جسدي في معبد النزوات.. مسيح يتقن خيانة انجيله، يؤمن أن الحرية شرط لنؤول أمكنتنا على نحو مغالط.
إن السفر في أمكنة بمذاقات مختلفة كفيل بتعميق علاقتك بمكان متخيل، تصنع خريطته بمجازاتك، مكان لا يؤمن بالجغــــرافية، ولا يصدق حكايات المؤرخين.. مكان بحجم وطن مؤجل يحتضن أبناءه البررة والعــاقين، باختصار حكايتي مع تطوان، حكاية وطن مؤجل.
عماد الورداني
المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية