علاء اللامي
تعلمنا التجربة التاريخية للحكم الديمقراطي ـ وهي بالمناسبة تجربة ما عادت فرنسية أو بريطانية أو إغريقية.. الخ بل هي تجربة عالمية المحتوي والامتداد ـ تعلمنا أن حل الأحزاب السياسية أو منعها يتناقض في الصميم مع ذلك المحتوي. وأخذا بعبارة لا يمكن حل المشكلات الديمقراطية إلا بالمزيد من الديمقراطية يمكن اعتبار تجارب الحل والمنع التي تم اللجوء إليها في مراحل تاريخية معينة كحل الحزبين النازي الألماني والفاشي الإيطالي وتجارب صغيرة أخري مثيرة للجدل كونها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي تلخصها كلمة الإباحة.
علي هذا يغدو من النافل الدفاع عن أية مطالب بحل الأحزاب الطائفية كالمجلس الأعلي والدعوة الإسلامية والإسلامي العراقي بل وحتي عن حل حزب شمولي ودموي كحزب البعث الصدامي. غير اننا في معرض المقارنة التحليلية بين أمرين أو خطرين هما: خطر النشاط التدميري والتفكيكي الذي تقوم به الأحزاب الدينية الطائفية وخطر المليشيات المسلحة التي خرجت في أغلبيتها الساحقة من أرحام تلك الأحزاب.
لنوضح مقصودنا بوصف تلك الأحزاب بالطائفية أولا: كلمة الطائفية في العراق تثير حساسية خاصة جدا، وذات مفاعيل نفسية وسياسية ومجتمعية قلما نجد لها مثيلا في دول العالم والسبب هو أن الطائفية وجدت علي الدوام كنقيض للولاء والانتماء الوطني. ففي لبنان المحكوم بنظام المحاصصة الطائفية منذ قيام دولته تنطوي هذه المفردة الطائفية علي حيادية أو قلة اكتراث معيارية في الميدان السياسي الفعلي حيادية لا يمكن لنا العثور علي مثيلها في العراق حيث تعتبر مفردة الطائفية ومشتقاتها أشنع أحيانا من السباب المقذع. علي هذا يحاول جميع السياسيين والناشطين العراقيين في ميادين الثقافة والفكر والسياسية إثبات أنهم ليسوا طائفيين أولا وانهم ليسوا طائفيين أخيرا حتي حق القول علي بعضهم إن أشد الطائفيين طائفيةً هم أولئك الذين ينكرون طائفيتهم. إن هؤلاء لا يرون ضيرا في أن ينكروا أنهم طائفيون حتي لو تقدموا بأشد البرامج السياسية طائفية وقاموا بأكبر الممارسات انعزالية. من العجيب مثلا أن تري حزبا أو مجموعة أحزاب ـ المجس الأعلي وبعض حلفائه تحديدا ـ تدافع عن إنشاء إقليم اتحادي من ثلاث محافظات جنوبية أو تسع في الجنوب والوسط لا يجمع بينها من رابط مشترك نسبي إلا التصنيف السكاني الطائفي الشيعي أو أتباع آل البيت كما باتوا يسمون في النثر السياسي الرائج الآن، أو أن يتشكل حزب سياسي أو تحالف أحزاب لا يجمع بينها إلا الرابط المشترك ذاته ولكن باسم طائفي آخر هو أهل السنة والجماعة كحزب مؤتمر أهل العراق أو تكتل التوافق.. ومن الطريف أن العلمانيين العراقيين ومع غلبة الاتجاه الموالي لتجربة الاحتلال بينهم باتوا يشكلون طائفة هم الآخرون رغما عنهم أو لنقل بقوة الأشياء والواقع.. نقصد بالطائفية هنا تحديدا ذلك النوع الذي يمكن أن نطلق عليه الطائفية التكوينية. فلا يمكن أن ينكر حزب الدعوة أو المجلس الأعلي أو الفضيلة أو التيار الصدري أن جمهوره أو أعضاءه هم من العراقيين الشيعة وبنسبة قد تصل 98 بالمائة كما لا يمكن للحزب الإسلامي العراقي أو مؤتمر أهل العراق أن ينكر أن جمهوره وأعضاءه هم من العراقيين السنة وبنسبة قد لا تقل عن النسبة السابقة. هذا يعني أن هذه الأحزاب طائفية من الناحية التكوينية. غير أن الطائفية التكوينية ليست محايدة أو بريئة تماما من الناحية البرنامجية لأنها ستترك بصماتها القوية علي البرامج السياسية والنوعية القيادية والتوجهات والشعارات… الخ بما يجعلها تتحول من طائفية تكوينية إلي طائفية مضمونية يمثل البرنامج السياسي الثوب القشيب الذي ترتديه تلك المضامين.
هنا، في هذا المفرق التحولي، يمكن التأشير علي حقيقة أن المليشيات المسلحة هي الوليد الشرعي للطائفية التكوينية وقد أضحت طائفية مضمونية أو برنامجية لا بد لها من قوة عسف وقمع ودفاع تسمي المليشيا.
وهنا أيضا، يمكن التأكيد علي أن عنجهيات تحدي المليشيات ومحاولات حلها بقرارات فوقية وقوة قمع مشكوك في كفاءتها وولائها هي الجيش الحكومي ستكون عقيمة ولا معني لها إذا قفزت علي الأم التي أنجبت المليشيات ألا وهي الأحزاب الطائفية.. ولكن إذا اعتبرنا أن حل الأحزاب السياسية يعتبر محظورا ديمقراطيا، وهو كذلك فعلا، فكيف السبيل إلي اجتراح حل جديد آخر ينهي طائفية الأحزاب السياسية وبالتالي ينهي أسباب وجود المليشيات؟
تبدو تجارب بعض البلدان العربية السائرة في طريق تجريب الحكم الديمقراطي وخصوصا الجزائر واليمن مفيدة جدا في هذا الخصوص. ففي الجزائر تركت عملية الانتقال من نموذج نظام الحزب الواحد الشمولي إلي النظام التعددي خلال فترة رئاسة الشاذلي بن جديد تسير دون ضوابط أو ميكانزمات خاصة تراعي ظروف البلد، فكان أن تحول حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية إلي الحزب الآخر والمنافس للحزب الحاكم دون أن تكون هناك أية تساؤلات حول طبيعة أو شروط تشكل ونشاط هذا الحزب.. ولم يكن ثمة تفريق واضح بين مفهوم الحزب الديني الذي يريد أن يقيم حكم ديني ثيوقراطي معاد بالنتيجة والطبيعة للديمقراطية ذاتها، وبين مفهوم الحزب السياسي الديمقراطي ذي التوجات أو الاستيحاءات الدينية كما تكرس هذا المفهوم فيما بعد في حركة مجتمع السلم التي قادها الشيخ الراحل محفوظ نحناح وغيرها من الحركات والأحزاب. غير أن الطريق الذي شقته التجربة الجزائرية منذ الانقلاب علي المسار الديمقراطي وحتي تكرس المفهوم الجديد كان مليئا بالدماء والدموع.. لقد منع قانون الانتخابات وتشكيل الأحزاب في الجزائر قيام أحزاب علي أساس أحد الثوابت الوطنية التي لا يمكن لفئة مجتمعية واحدة احتكارها وحدد القانون تلك الثوابت بالدين الإسلامي واللغة العربية والأصول الأمازيغية. معني هذا أن قيام حزب يسمي نفسه إسلاميا أو عروبيا أو أمازيغيا أمر ممنوع قانونا والأمر لا يتعلق بالاسم فقط بل بالبرنامج أيضا. وأكثر من هذا وذاك فقانون الانتخابات يشترط علي كل من يترشح للرئاسة أن يجمع عشرات الآلاف من تواقيع المؤيدين ومن كافة أرجاء البلاد وليس من جهة واحدة.
هذه الشروط التي أنجبتها التجربة الجزائرية علي ما فيها من قساوة ولكنها وفرت أرضية ملائمة وأمينة للاندماج المجتمعي تنهي كل أو ـ إن شئت الدقة ـ أغلب أشكال الانعزالية والتفتيت.
في الغضون التاريخية ذاتها برزت التجربة اليمنية والتي لا يمكن مقارنتها نوعيا بالتجربة الجزائرية الأكثر ديمقراطية ليس فقط بسبب هيمنة الرئيس علي عبد الله صالح وحزبه في اليمن علي العملية السياسية وإنما أيضا بسبب الخصوصيات المجتمعية.. في اليمن لم يسمح القانون أيضا بتشكيل أحزاب علي أساس ديني ولكنه سمح للأحزاب القومية أن تتشكل علي أساس العِرق والعنصر فسمح لحزب البعث وغيره من أحزاب قومية بالنشاط. أما حزب الإصلاح اليمني فهو حزب إسلامي التوجهات يشارك في التجربة السياسية بفعالية وكفاءة رغم تشنجه الشديد إزاء أحزاب اليسار واللبرالية وقد سمعت شخصيا قبل بضعة أعوام نائب زعيم الحزب يقول في حوار تلفزي انهم هم أنفسهم من رفض أن يطلق اسما إسلاميا علي الحزب لأنهم لا يريدون أن يحتكروا الدين!
بالعودة إلي الوضع العراقي نري شيئا مختلفا: ففي بلد محتل ومنقسم مجتمعيا علي الأساسين الطائفي والقومي أقيم حكم علي أساس محاصصة طائفية وقومية فاقعة في بلد كهذا لا يمكن الكلام عن نظام ديمقراطي سليم يحقق اندماجا مجتمعيا بل هو نظام حكم صنيع حوَّل أو هو في سبيله إلي تحويل البلد إلي إقطاعيات سياسية وطائفية وقومية متصارعة وكتل بشرية سائرة في طريق التشظي والتناثر والتنابذ.
والحال فإن أصل الداء لا يكمن في انتشار وزيادة فعالية المليشيات المسلحة الطائفية والقومية، بل في النظام القائم والذي هو منتوج لحالة الاحتلال الأجنبي، وستبوء كل المحاولات الفوقية مهما كانت شدة عنفها في إنهاء ظاهرة المليشيات طالما ظلت الأحزاب الطائفية قائمة وطالما ظل النظام المحاصصاتي الطائفي القومي قائما. ويمكن أن نتمادي قليلا فنقول: وحتي لو نجحت إحدي محاولات القضاء علي المليشيات وبقي النظام وأحزابه الطائفية والقومية موجودة فإن جذور الظاهرة المليشياوية ستعيد إنتاج دورة عنف جديدة بأدوات مليشياوية جديدة.
ثمة عامل آخر يمكن المراهنة علي فعاليته غير المرئية في التحويل والتغيير المضموني لبعض الأحزاب ولنسمه عامل الوقائع الحياتية. فحتي حزب المجلس الأعلي أو الحزب الإسلامي لم يعودا كما كانا في سنوات التأسيس وحزب الدعوة ذاته والذي كان تعبويا ومؤدلجا حتي النخاع مر بعملية تحول عميق جعلته يختلف تماما عما كان عليه في الستينات أو السبعينات. غير أن تلك التحولات التي حدَّت كثير من الطابع الأيديولوجي وفعَّلت الجوانب السياسية الأقرب إلي التعددية وروح الاعتدال (حتي أن البعض تحدث عن احتمال أن يقدِم حزب المجلس الأعلي للثورة الإسلامية علي تغيير أو اختصار اسمه إلي المجلس الأعلي العراقي) تظل عرضة لتأثيرات الشروط العامة التي يمر بها البلد ولا بد بالتالي من عدم المبالغة في التعويل عليها مع بقاء الاحتلال بوصفه أب المصائب العراقية وأمها وبقاء هذه الأحزاب علي حالتها الراهنة من التحالف ـ تحالف الأمر الواقع ـ مع المحتل والقبول بحال الاحتلال والتعاطي معها بشروط المحتل ذاته. وعلي هذا وبسببه لا يمكن لأكثر المتفائلين تفاؤلا أن يزعم أن حل الاستعصاء العراقي الكبير يكمن في قرار فوقي يقضي بحل المليشيات ولا في تغيير اسم هذا الحزب أو ذاك بل في أمرين متلازمين: استرجاع السيادة وإنهاء الاحتلال الأجنبي وإلغاء نظام المحاصصة الطائفية والعرقية والدستور الذي يقوم عليه هذا النظام والشروع في عملية سياسية ديمقراطية في عراق مستقل تتوج بدستور حكم يرتضيه العراقيون بالتوافق الشامل.
ہ كاتب من العراق يقيم في جنيفwww.albadeeliraq.com8