حكاية الخيمة التي صارت رمزاً للثورة في لبنان

رلى موفَّق
حجم الخط
0

انطوت ثورة 17 تشرين الأول/اكتوبر في لبنان على كمٍ كبير من المفارقات في الميادين المدنية والسياسية كحركة احتجاج شعبية بدت كالمارد الذي ودّع قمقمه إلى غير رجعة.

وشكلت ساحتا رياض الصلح والشهداء في وسط بيروت “عاصمة” للثورة التي عَبَرَت إلى جهات لبنان الأربع، تماماً كما عَبَرَت طوائفه الـ18 كبيرة كانت أم صغيرة.

ولكن الثورة التي توحَّدت خلف مطالب اجتماعية تمثلت في الدعوة إلى إسقاط الحكومة (التي استقالت) وتشكيل حكومة من اختصاصيين مستقلين تمهِّد لانتخابات نيابية مبكرة، حملت تمايزات ظهرت في صفوف الانتفاضة عاكسة حساسيات سياسية واجتماعية.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام أن تعبيرات هذه التمايزات تجلَّت في الخيم التي توزعت في ميادين الثورة وساحاتها، وخصوصاً في وسط بيروت، وكأن الجماعات المنضوية في صفوف الانتفاضة صارت تُعرف من “خيمتها” التي ترمز إلى الهوية السياسية أو النقابية أو الثقافية لتلك المجموعات.

ولم يكن عابراً ما حدث مع خيمة “الملتقى” للتيار المدني التي تعرضت ومن قلب الساحة لهجمة من “الثورة المضادة” توِّجت بإحراقها وترهيب القيمين عليها.

خيمة “الملتقى” التي صار اسمها “الخيمة” بعد تحوُّلها إلى “قضية رأي عام” كانت جسَّدت صعود الانتفاضة في مواجهة المنظومة الحاكمة والمحاولات المبكرة لتحطيمها وكسر إرادتها، عبر أساليب مختلفة دعائية وعنفية.

“مصدر قلق” رغم بساطة الفكرة

يقول الأستاذ في الجامعة الأمريكية مكرم رباح، القيِّم على الخيمة “إن فكرة الخيمة بسيطة جداً، فهي تجمع مجموعة من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم مثقفين، ومواقفهم واضحة حيال سيادة الدولة وسيادة السلاح، ولكن في الوقت نفسه يتناولون بقوة المواضيع الأساسية كموضوع الثورة، لا سيما الفساد وكيفية مكافحته، والحوكمة الصالحة”.

فمنذ بداية الثورة، استضافت الخيمة 42 محاضرة عن مواضيع شتى، ونجحت في جمع أناس من عدِّة توجهات، كانت حواراتهم بنَّاءة وتفتح الأفق لحوارات إضافية”. ووفق رباح “هذا شيء يؤدي إلى مشكلة كبيرة لكل الطبقة السياسية، وعلى رأسها حزب الله”.

 وترى الأستاذة الجامعية منى فياض أن خيمة “الملتقى” شكلت نقطة ارتكاز للحوار ولتجميع المثقفين ولطرح مواضيع ما كانت تُطرح، وإيصالها لجمهور واسع. فالذين كانوا يحضرون هم كوادر جامعية وأساتذة، وكانت الدائرة بحدود 3500 شخص، فهذا الشيء مُزعج للسلطة وللدويلة، ذلك أن الخطر بالنسبة لهؤلاء هو خطر فكري. وتقول: “أي إطار فكري يصبح جدياً ويجمع الناس، ويمكن أن يكون بداية انطلاق نحو تأسيس حركة أو حزب، هو أمر خطير جداً بالنسبة لهم، لأن الساحة تحوّلت كلها إلى مركز نقاش، وهذا لا يناسبهم”. فبدايات ما نسميه “الثورة المضادة” كانت مع توقيف أشخاص كتبوا رأيهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتُستكمل خطواتها بقمع “الخيمة” ومنعها من العودة إلى نشاطها.

في ذلك اليوم من العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2019 كانت “خيمة الملتقى” تستضيف محاضرة بعنوان “الحياد مفهوم استراتيجي لعودة ازدهار لبنان”. المتكلمون كانوا الأستاذ الجامعي عصام خليفة والسفير هشام حمدان والعميد المتقاعد خالد حمادة. كان القيّمون على الخيمة يشعرون بحجم الضغوط التي أخذوا يتعرضون إليها من خلال محاولات تطويق المكان بمتظاهرين من حيث الشكل ينتظرون ساعة الصفر لافتعال المشاكل. كان يكفي أن يثير عنوان المحاضرة حفيظة “محور إيران” وحلفائه، لكنه لن يحقق النتيجة المرتجاة إنْ خاض مواجهته باسم إيران. فشمَّاعة فلسطين جاهزة على الدوام، وإلصاق تهمة التطبيع بكل من يتكلم عن الحياد سهلة جداً.

وما أن استهل منسق الجلسة وليد الداعوق الحديث عن مخاطر العدو وأتى على ذكر “دولة إسرائيل” حتى حصل هرج ومرج في الخيمة وجرت محاصرتهم من الخارج، ومن ثم الهجوم عليهم ومحاولة تكسير الخيمة. وقد جرى إخراجهم بحماية قوى الأمن التي حاولت منع الاعتداء على الخيمة، لكن مصيرها في اليوم الثاني كان التكسير، وفي اليوم الثالث الحرق لتصبح اليوم رمزاً معنوياً لتحرّك هذه المجموعة التي ما عاد بإمكانها ضمان أمنها، إذا أعادت تجهيز خيمتها في المكان نفسه.

عملية الإحراق مبيتة!

يعود الخبير الاستراتيجي العميد خالد حمادة إلى ما كان يُفترض أن يتم تناوله: “كنا سنعرض لمحة تاريخية عن فكرة الحياد التي ليست جديدة، والتي نشأت بعد استقلال لبنان مباشرة عام 1943 والتي تُرجمت بميثاق لا شرق ولا غرب. بعد توزيع الدول عقب الحرب العالمية الثانية، كان في العالم العربي صراع بين الأسرة الهاشمية وآل سعود على تقاسم المناطق العربية، وكنا سنتكلم كيف كرَّست الجامعة العربية الإجماع، وهذا ساهم وبضغط من لبنان بألا يكون هناك تصويت حتى لا تكون هناك محاور في الجامعة، ومن ثم نصل إلى مرحلة إعلان بعبدا الذي أجمعت عليه الأطراف كافة على طاولة الحوار بعد نشوب الحرب السورية في العام 2011 وكيف تحوَّل إعلان بعبدا إلى وثيقة دولية، وشكَّل أساس قيام المجموعة الدولية لدعم لبنان التي ما زالت تجتمع من أجل لبنان، وتأطر مفهوم إعلان بعبدا بطرح طرحت فكرة النأي بالنفس التي هي ترجمة لتحييد لبنان”.

ويذهب العميد حمادة للإشارة إلى أن “اللافت هو الحملة التي ترافقت قبيل المحاضرة وبعدها على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض تلفزيونات محور الممانعة وصحافييه والادعاء بأن هناك خيماً تدعو للتطبيع مع إسرائيل. هذا كان شيئاً ملفتاً، ويؤشر إلى أن مشروع إزالة الخيمة كان مخططاً له حتى لو كنا سنتكلم عن الحرب التجارية مع الصين، وأن القرار بإزالة هذا المنبر الذي يشكل فارقاً نوعياً قد اتُّخذ”.

برنامج العمل اليومي لخيمة “الملتقى” لم يعكس ما هو غير مألوف أو شكَّل خروجاً عن روح الثورة، فقد تناول قضايا تقع في صلب اهتمام الشارع (الأزمة الاقتصادية، المالية، استعادة الأموال المنهوبة، قانون الانتخاب، الجامعة اللبنانية، حقوق المرأة وما شابه من قضايا عامة). لكن ما حل بـ”الخيمة” التي أُحرقت وطرد روَّادها من الساحة فتح شهية السؤال عن السبب الذي جعلها هدفاً لمجموعات من داخل الساحة تولت أمر عمليات الأطراف الذين حركوا “الثورة المضادة”.

قراءة المتابعين للواقع اللبناني تُشير إلى أن الهجوم على خيمة “الملتقى” والتحريض عليها وإطلاق حملات لتخوينها تحضيراً لـ”حرقها” ارتبط بمسألتين على جانب من الأهمية:

  • محاولة القوى المحسوبة على محور “الممانعة” سرقة الساحتين (رياض الصلح والشهداء) في وسط بيروت، عبر زرع مجموعة من الخيم لجماعات يسارية موالية لـ”حزب الله” وأطراف أخرى أقرب ما تكون في هويتها إلى “سرايا المقاومة” التي يديرها الحزب، والهدف من ذلك كان إغراق الانتفاضة بجماعات مناهضة لها وكأنها تحضر لـ”انقلاب من الداخل” بعدما عجزت موجات الشغب المبرمجة من خارجها عن ليّ ذراعها وتخويفها.
  • رغم أن القيمين على هذه الخيمة و”أخواتها” في ساحة الشهداء لم يخرجوا عن النص، في سلوك الانتفاضة، إلا أن أصواتهم عالية، في المنتديات وعلى الشاشات، كخصوم لـ”حزب الله” وتركيبة السلطة التي أتى بها، فغالبيتهم يعتقدون أن “حزب الله” بخياراته الإقليمية وفي الداخل يتحمَّل المسؤولية رقم واحد في اقتياد لبنان إلى الهلاك السياسي والمالي ودفعه إلى مشارف الدولة الفاشلة.

“شيعة السفارة” تهمة غب الطلب!

ويعتبر الناشط لُقمان سليم المتهم من قبل “محور إيران” بأنه ينفذ سياسة السفارة الأمريكية، ويوصف بأنه من “شيعة السفارة” كونه من أشد المناهضين لسياسة “حزب الله” إن “إحراق خيمة “الملتقى” لم يكن عملاً معزولاً عن كل أعمال القمع التي سبقت، والتي تلت ذلك، والتي جرت في أكثر من منطقة في لبنان، وفي أي مكان من هذا البلد، بدا فيه وكأن الحراك يذهب إلى تكوين رأي عام واع ويُحسن ربط المطلبي بالسياسي ثم التصدي له. هذا الذي حدث في الجنوب، وحتى في الشمال، والذي حدث في أكثر من منطقة”.

ويلفت إلى أنه “تمت مهاجمة أي طرف من الأطراف التي حاولت أن تخرج من الشعاراتية ومن الهتافات المطلبية النقابية وتجرّب تفسير ما آل إليه لبنان من خلال مفردات أعمّ وأوسع، ومن خلال ربط المسألة السياسية بالمسألة الاقتصادية”.

وتقول فياض: “إن الناس الذين كانوا يدافعون عن حرق الخيمة هم في الحقيقة من اليسار، ومن الذين يعتبرون أنفسهم من الشيوعيين، وهم منقسمون في هذه الأيام”. وتروي: “خلال سهرة جرى الحديث عن حرق الخيمة، فكانوا ينادون بأنه يجب أن تُحرق. كانوا عنيفين جداً، ويدافعون عن استخدام العنف. اندهشت لأنه من المفترض أن تكون الكلمة هي التي تجمع بين الناس المعترضين والذين ينزلون للثورة، وأن يكون الحوار هو الوسيلة للتفاهم. فحتى لو اختلفت بالرأي مع هذا الشخص لا يجب أن تدافع عن العنف. رأيهم أن لا ثورة صحيحة إلا إذا ارتبطت بالعنف، يعني على صيغة الثورة الفرنسية، وخاصة بالنسبة لهم ثورة 17 أكتوبر/تشرين أول 1917”.

تلقّى القيمون على الخيمة نصائح من أجهزة الدولة بضرورة الانحناء أمام عاصفة “الثورة المضادة” التي مارست شراستها بإحراق “الملتقى”. النصيحة نابعة من مخاطر دموية قد تطال تلك المجموعة من النخب لدورها في بلورة مكامن الخلل الفعلي في لبنان، وفي نظام المحاصصة والفساد، مع غياب مفهوم الدولة لصالح الدويلة الذي يتجسَّد بسلطة قوة “حزب الله” ووقوع البلد رهينة بيد إيران، وانعكاسات ذلك عليه بعدما بات معزولاً عربياً ودولياً، فيما هو يغرق في الانهيار الاقتصادي والمالي.

هل من الممكن أن تعود الخيمة؟ يقول رباح “نحن لم نتعرض لهجوم من الثوار، ولكنه هجوم منسق من قبل حزب الله وسرايا المقاومة. وبالتأكيد لدينا الرغبة في أن نعيد إطلاق هذا الملتقى، ولكن ليس في ذلك المكان، لأنني شخصياً أعتبر أن هذه الساحات تم احتلالها من قبل حزب الله، وهذا الاحتلال يكشف أكثر وأكثر مدى تأزمهم في ما يتعلق بموضوع الثورة. نحن نسعى ألا نضع أنفسنا والناس الذين يحضرون معنا في مواجهة الخطر، من هنا سوف نعود للانطلاق بالخيمة قريباً”.

ولكن السؤال الذي يصبح مطروحاً في ظل التجربة السابقة يتعلق بالجهة التي يمكن أن توفر مظلة الحماية لهذه المجموعة من الناشطين السياسيين الذين استطاعوا، من خلال مساهمتهم في الثورة، الإضاءة الفعلية على خلفية الأزمات الاقتصادية والمعيشية والمالية وارتباطها العميق بالخيارات السياسية للبلاد، وربما الأهم قدرتهم على خلق أطر تنظيمية واعدة للمستقبل. يأتيك الجواب من رباح: “الدولة اللبنانية هي التي ستفعل ذلك. واجبها أن تحمي كل المواطنين اللبنانيين، نحن تحت سقف القانون، وعلى هذا الأساس سوف نستمر بهذا الموضوع”.

وإنشاء الخيمة والنشاطات التي جرت فيها كان عملاً جماعياً، وبالتالي، فإن عودتها إلى الساحة هو قرار جماعي، بالنسبة لسليم، الذي يرى أنه إذا لم يعد التعدد السياسي إلى الساحة، فلا أمل أن تعود خيمة تحاول من خلال النقاشات كسر “محرمات” و”تابوات” في طرح بعض المسائل. المهم الذي تحقق هو أن “الخيمة” اليوم موجودة في كثير من النقاشات التي فتحتها، والتي تُستكمل بأشكال أخرى سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال ندوات أصغر في المناطق أو غير ذلك.

مدير جامعة أم “بلطجي”؟!

“المعركة لم تكن يوماً سهلة، ولن تكون” تؤكد فياض، التي تلفت إلى ما يجري من اقتصاص من عصام خليفة الأستاذ والمؤرخ المعروف بدفاعه عن حدود لبنان وعن مياه لبنان، على ضوء الخلاف مع رئيس الجامعة اللبنانية الذي يتصرَّف كرجل عصابة وكشخص من خارج الأطر الاكاديمية. وفي رأيها “إن أي تأطير للناس، وخاصة المثقفين، وللنخب بشكل عام، أو للذين ممكن أن يكونوا قيادات سياسية، يشكل خطراً كبيراً”. تعود بالذاكرة إلى أن سلطة الوصاية السورية أقدمت في التسعينيات، منذ أن استلم عبد الله الأمين (حزب البعث) وزارة العمل، جرى إغراق السوق اللبنانية بالنقابات، حيث أنشأوا مئات النقابات لضرب كل إطار ممكن أن يشكل قيادة تُوحّد الناس، لأن النقابات هي أطر تنظيمية قادرة أن تشكل رافعة تؤسس لنجاح أكبر، وهذا ما شهدناه في تونس ونشهده في السودان، حيث هناك نقابات منظمة وعندهم القدرة على التنظيم والتنسيق”.

ليس لدى فياض شكوك في أن أي إطار أو حركة أو تنظيم يمكن أن يجمع الناس في لبنان ويؤطرهم لن تتم مهاجمته، لكنها تعتقد أن هؤلاء – وتقصد بهم كل جماعات السلطة و”الدويلة” – لا يعرفون أن أشياءً تحصل في لبنان منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر ولا عودة عنها، وهو ما يمكن تسميته بـ”انبثاق ووعي” الذي لا يطال كل الناس، بل الشباب والقوى الفاعلة، والمثقفين، وهذه بداية طبيعية وقادرة أن تُطوِّر نفسها إذا وجدث الوسائل الصحيحة.

 هي حكاية “خيمة” قد لا تعود شيئاً ملموساً مادياً، لكنها صارت رمزاً للثورة في لبنان، حاضرة في التعريف والمقارنة والمقاربة وفي كل ما يمت بصلة لتأريخ الثورة ماضياً ومحاضراً ومستقبلاً. هي “خيمة” ليست كأي خيمة، وكأنها نُصبت فوق عموم الساحات، التي عادت تنبض بالحياة بعدما خفت وهجها لأسابيع لتلتقط الأنفاس، إيذانا ببدء فصل جديد من الثورة التي تواجه تحديات “ثورة مضادة” بدأت تطل برأسها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية