حكاية الدفاتر ..

حجم الخط
0

حسين دعسة (1) لحظة مع الحقيقة ثلاثة دفاتر، جميعها تعطلت عن العمل .. لم يجسر اي واحد منها، نحن ابناء خضرة (..) على تقليب صفحاتها… تجمدت حركة الاصابع الهشة، على اطراف الورق العتيق .. توقف همس الصفحات .. وخبايا الألم زادت، ولم تمح سطوة الغياب، تلك الكتابات التي خطتها شتى الأيدي .. وتنوعت الاقلام .. بأحبارها الرخيصة.اية علاقة مقدسة، تربط بين الدفاتر .. وخضرة المحمد .. او .. ولنقل عبر سطوة الشباب وحماسهم:- لماذا حملت هذه الأم، هذه الدفاتر .. في هذه الاوقات .. في بيت، لم يكن بيت خضرة المحمد، بقدر ما كان بيت كفنها الذي استودعته بئر الاسرار، قلب ذاك الشاب المعذب .. وفي لحظة ازلية، بعد دقائق من حركة الكفن .. كانت الدفاتر قد غيبت .. وباتت في غياهب وسطوة القبر .. ولكن ليس اي قبر معتاد .. قبر ام الشباب الصابرة.(2) دفاتر الزمان.. من المسؤول عن دفاتر الزمان، والوجه الآخر لاحزان خضرة المحمد .. فهي لم تكن اول مرة ترتدي كفنها في هذا البيت .. ووسط هؤلاء الابناء .. وقد خط اغلبهم، سطورا من قصة شباب هذه المرأة.معلومات قليلة تبرز كيف هربت الصبية الصغيرة، من وسط بيارة البرتقال، الواقعة في سهل قرية عاقر، على امتداد الساحل الفلسطيني، وكانت تقشر البرتقال وتطعم قشوره الى الابقار (…) فأسعار العلف في تلك الايام الاولى من العقد الثاني للقرن الماضي، اغلى من اسعار البرتقال، والعمال .. وبنات العيلة، اللاتي عمدن الى تقشير الحبات في مجموعات ضمت عاملات من القرى المجاورة.خضرة المحمد، هربت من خطيبها الشاب الغاوي، ابن عمها الذي لبس البذلة الافرنجية و .. حمل العصا الخيزرانية .. واخذ يدور من عرزال الى اخر، حيث كان غجر فلسطين، يتخذون من عزاريل المزارع مستقرا لهم .. واي مستقر .. فقد كانوا .. بداية ضياع للشباب الذين هجروا العمل الى ملاحقة الغوازي والجنكيات.(3) الدفتر الوحيد.. الدفتر الوحيد .. الذي احن اليه، لم يكن ‘دفتر الهواتف’ .. ولم يكن – ايضا – ‘دفتر الصور’ .. بل كان ‘دفتر المعالجة’ وفيه صورة بانورامية لحياة خضرة المحمد .. سيدة البيت المريضة، وام الشباب (…) وما كان باستطاعة اي منهم البوح لها بالعجز .. فقد دكهم عناد ابوي قديم مستأصل، مثل قذارة سيل الزرقاء، الذي بات مكبا لعوادم المصانع .. والمعامل .. وهو .. مجرى المياه العذبة الذي كان دفتر اسرار المرأة التي كانت تثير الجدل، بعد كل عملية غسيل لملابس الصبية الشباب، وغالبا ما تتم في مجرى السيل .. بالقرب من اشجار التوت والرمان والتين والمشمش .. وهي اليوم باتت كفنا بدون شواهد قبور (…).يتوسط اوراق ‘دفتر المعالجة’ ملصقات كثر، تعمد السيدة، الصاقها بهدوء، فهذا تخطيط قلب حير الاطباء .. وذلك وصفة طبية، جلبها الابن البكر من حر ماله .. وملصق آخر لبطاقات متراكمة، عليها آثار دماء وعرق واجار .. و .. تنم عن عدد العيادات اللانهائي: عيادة العظام والمفاصل (يقطع الروماتيزم واللي عرفه!!) و.. آخر لعيادة العيون (نظري يمه نظري غباش) و..آخر لطبيب الباطنية والقلب، الصابر المحتسب الذي تحمل الآمها وحيرته احوالها .. (4) دفتر الذكريات الشابةاي دفتر هذا ..هل يعيد ما فيه ذكريات الشاب الذي حمل امه الى اول مركز طبي، بحثا عن طبيب يعالج آلامها جراء صدمة ظهرها على ارض الديار، تحت معرش الدالية .. وقد حاولت لملمة بقايا فصل من عنب حملتها تلك الشجرة وبقيت عليها حتى اواخر ايلول واوائل تشرين .. الا ان السلم الخشبي الهرم، خدعنا وغدر بنا .. .. التقينا على باب بيت خضرة، بعد ايام من وفاتها . كان كل شيء ينبىء بأن سراج الزيت، القديم، ما زال ينافح عن ذويان ذبالته المتأرجحة .. طرقت الباب .. هاجني البكاء .. ثم الصمت المجنون- لماذا تطرق الباب؟- امي بالداخل.- امك ماتتلكنها في الداخل .. انظر من كوة الباب .. هذا سريرها الخشبي، وهنا دفتر معالجتها .. والهواء يؤرج ضوء السراج.- هيا بنا.- الى اين؟الى حيث سار الكفن!ذهبنا .. وكان الظل يثير جلبته مع ما نتعاطاه من خوف .. وحنين.. من سرق حقيقة امي من خلال سرقة ربطة من القماش تضم بقايا ثلاثة دفاتر، وكذب انني قلت انها جميعها تعطلت عن العمل .. .هل تتعطل الذاكرة او اشتات الاحلام؟.قال الكبير: لم يجسر اي واحد منها على فهم كيف ماتت خضرة المحمد ؟. نحن الفلول، العراة، الخرائب من ابناء خضرة (..) هاجت بنا مواجع الخوف وكسينا صمتنا بوهم البحث عن دفاتر الوهم والنكبة،واختلسنا في ليل البيوت متعة تقليب صفحاتها،كانت صفحة امي خضرة هي الناصعة ،حناء ورصاص وملصقات تهرس قدرتي على البكاء.قلت للمختار اخي ان دفاتر خضرة المحمد مثل منزلها ؛قال لي كيف؟.اذكر ان البحر فصل بيننا ولم اعترف له ان دفاتر الام ضمت اسرار جينات الاولاد الاوغاد وانني وقفت ،حائرا وسط الدفتر القديم من برودة :.. تجمدت حركة اصابعي الهشة،الملطخة بالالوان والفحم على اطراف الورق العتيق .. غلبني صوت ابي الباحث عن همس الصفحات .. وخبايا الألم. فقلت يا ابي اي الم تريد؟. زادت نظرته الحادة ،مسح برودة الاشياء من عيني وقال زاعقا:- اقرا يا ابن اللعينة!؟ وحيدا كنت امارس خيانتي واتلصص على مخطوطات امي ولم تمح سطوة غيابها القاتل تلك الكتابات التي خطتها شتى الأيدي، وانا منهم فقد حذرتني ذات كتابة من التمادي في تزويق الحروف واشارت الى ان خرابيشي مثل خرابيش الجاج ،وكم حلمنا بالدجاج على مائدة خضرة المحمد؟. .. لا انكر ان تنوع الاقلام و.. أحبارها الرخيصة هو ما منح دفاتر امي اسرارها وقدرتها على منافسة خطوط وترهات الحجابين. ولا انسى ان زمن اخي المختار، منذ هرب الى دمشق عام 1956، لم تكن له اية علاقة مقدسة بما جرى للعائلة من دمار وغياب،بينما هو يتنقل بين حلب والسويداء ودمشق، يهرب السلاح والبنادق والرصاص والاسرار، يكتب الرسائل ..عشرات الرسائل، وكنت انا من كشف الرابط بين الدفاتر .. وخضرة المحمد . – لماذا حملت هذه الأم، هذه الدفاتر .. في هذه الاوقات .. في بيت، لم يكن بيتها؟. سرقت الدفاتر من بيت كفنها، الذي استودعته بئر الاسرار، وتلك الرسائل النادرة التي خطها قلب ذاك الشاب المعذب، المختار!… ..( رسالة).حلب.ايلول. 1957:امي..انا في غياب تام عن الشوارع والمحلات والمطاعم.حامل الرسالة سائق في الثورة وانسان كبير الهمة. اعاني من الملاحقة بعد ان نجحت عملية اغتيال القائد الخائن العقيد عدنان المالكي، فهو من حاول توريطي بتهمة تهريب السلاح لغايات غير وطنية.امي احبك واخاف عليك من بطش الكبير، كوني كما كنت دائما.لم يكن اغتيالنا للمالكي الا محاولة لتعريف العالم ان في تركيا وسوريا والاردن، نواة لثوار احرار يهمهم ان تتنافس خطوط الدم على ارض معركة تحرير فلسطين.حبيبتي، احرقي الرسالة بعد ان تسمعي كلماتها من ‘مهجة القلب’.ساكون في تركيا الاسبوع المقبل فقد وعدني الحلاق الدمشقي بتدبير هروبي مع شاحنة نقل اخشاب بين حلب وباب الهوى على الحدود التركية السورية…يا مهجة قلبي:غزال قد حكى بدر التمام.كشمس قد تجلت من غمام…يا مهجتي ها غيابي طال ومعاذ الله ان يكون نسيان ما قر في القلوب…يا امي احبيني ودثريني في سرك القدس الى ان اعود. ابنكم المحب- عمر المختار الكبير.حلب. لحظة؛ بعد دقائق من حركة الكفن .. كانت الدفاتر قد سرقت اصرار غريب تملكني على حملها دون اي شيء من اشياء خضرة المحمد… وباتت في غياهب وسطوة دفاتر الزمان، غاب القبر الموحش فقد سهرت الى جانبها اودعها واقلب معها الدفاتر…والوجه الآخر لاحزان خضرة المحمد ..غيبني موتها واحزنتني ايامها معي الى جوار القبر:افتح دفتر الصحة!.انظر الى حدود القبر. انش التراب اعري الحجارة،الصوت نفس الصوت:- افتح دفتر الصحة!.- لماذا يا امي.؟.ساقرا لك رسائل عشاق المخيم!. افتح دفتر الـ ..صحة.يتراقص الدفتر بين يدي كأنه على موعد مع سيدة القبر ..اثر من دم ودواء ودموع…. فصل من رواية ‘ منزل خضرة المحمد’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية