انتخابات الرئاسة جواز المرور إلى شباك التذاكرالقاهرة القدس العرب من كمال القاضي: المطرب الشعبي سعد الصغير الذي حصل على 55 ألف توكيل للحاق بسباق المرشحين لرئاسة الجمهورية ونجح في تحقيق أعلى نسبة دعاية من نوعها لفيلمه الذي يتم تصويره حالياً ويلعب فيه دور شخصية الرئيس المحتمل للجمهورية وهو نفس الدور الذي كان له في الواقع وصنع من أجله الضجة الكبرى. كان في غاية السعادة وهو محمول على الأعناق كواحد من المرشحين البارزين وأذكى من أتقن لعبة الدعاية السينمائية لفيلم لم ينته تصويره بعد ولم يشاهد منه الجمهور غير تلك المشاهد التي رأيناها في الحملة الانتخابية!
لقد استطاع المطرب أن يقتحم الدائرة المغلقة على السياسيين ويعيش أياماً جميلة تخيل نفسه فيها رئيساً يحكم 85 مليون مواطن من السكن الحر على قصر الرئاسة بعابدين ويجلس على الكرسي الذي جلس عليه الملك فاروق ومحمد نجيب وجمال عبدالناصر والسادات والمخلوع، لا شك أن هذه الأمنية دعبت سعد الصغير وهو يحشد لحملته الانتخابية الدعائية حتى لو كان يتعامل مع المسألة كإفيه أو نكتة أو تجربة مجنونة فالخيال جزء من موهبة الفنان أياً كان حجمه وموهبته، وفي تصوري أن سعد استفاد من تجربة زميله ومنافسه شعبان عبدالرحيم الذي روج لنفسه وكون جماهيرية لا بأس بها في الأوساط الشعبية بهذه الحيل والألاعيب وإدعاء السذاجة وارتداء أغرب الأزياء وشعبان ذاته اكتسب هذه الخبرات خلال ثلاثين عاماً من حكم مبارك اختلط فيها الحابل بالنابل وتساوي فيها الإبداع بالتهريج وبشكل تدريجي صار التهريج هو الإبداع الحقيقي، لذا فلا عجب مما نرى ولا حرج على مطرب الكباريهات والنوادي الليلية والكليبات إذا ترشح للرئاسة أو أصبح بالفعل رئيساً فذاك حصاد ما زرعه المخلوع وروته الحاشية ودعمته الآلة الإعلامية على مدى 24 ساعة طوال الثلاثين عاماً المنصرمة.
وما لم ينتبه إليه الكثيرين في قضية سعد الصغير أنه فقط لم يكن يصور جزءا من فيلم لا يزال في علم الغيب وإنما استهدف من وراء الضجة الهائلة إنقاذ فيلمه الذي كان معروضاً في هذه الأثناء بدور العرض مع الراقصة دينا في بطولة مشتركة بينهما، بالإضافة إلى عدد من الفنانين بينهم الفنان محمد لطفي، حيث أطلقوا على ما صنعوه من هنك ورنك عنوان ‘أولاد البلد’ وهو مسمى يتصف به أبناء الأحياء الشعبية الجدعان، ولأن المضمون جاء مخالفاً للقصد لإن ما عرض بالفعل ليس أكثر من بعض النكت والمواقف الكوميدية الرخيصة ووصلت رقص ودلال وحب وهيام وغرام من البطلة المتخصصة في إثارة العواطف والمشاعر المكبوتة لدى جمهور المراهقين، وفق هذه المعطيات سقط الفيلم سقوطاً ذريعاً ولم يكن أمام البطل الذي خشي من هبوط أسهمه في بورصة النجوم إلا اللجوء إلى حيلة الترشيح لانتخابات الرئاسة ولحسن حظه أن الظروف منحته الفرصة والفوضى كانت داعماً قوياً له، والقريبين من الوسط الفني يعرفون أن مثل هذه التمثيليات تتكرر كثيراً عندما تصبح الخسارة حتمية في شباك التذاكر فهناك من يزعم أنه مهدد بالقتل أو حريض بمرض عضال أو يعيش قصة حب جديدة مع شخصية ذات حيثية كبرى وأن العائلة غير راضية عن هذه العلاقة، بل ويتجاوز الأمر أحياناً هذه الأكلشيهات إلى ما هو أخطر من ذلك فمنهم من يطلق شائعات الإدمان والقتل والموت حرقاً أو غرقاً أو شنقاً، لا شيء مستبعد على الإطلاق طالما أن هناك أزمة تتصل بالنجم أو النجمة أو صاحب المال السيد المنتج.
في فيلم ‘أولاد البلد’ الذي حسب اعتقادي وظني كان وراء دخول البطل ماراثون الرئاسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قدم لنا المخرج إسماعيل فاروق صورة مشوهة من الحارة الشعبية زعم أنها الحارة المصرية دون إعطائنا ملمح شهامة أهلها والتزامهم بالتقاليد والأصول والكلمة الطيبة والجدعنة، لكن العكس هو ما كان متجلياً بين السكان العشوائيين في المنطقة العشوائية، حيث تواطؤ الأخ على أخته وإعمال البلطجة كسلاح ماضي في مواجهة المجتمع وتثبيت الجريمة كمسوغ لحل المشكلات فلا مانع من السرقة والنهب والدعارة والتدليس، كل ذلك تحت غطاء الكوميديا الركيكة والضحك المصطنع والظلال الثقيلة لكل الأبطال والاستنساخ الفج لمواقف وإفيهات تم استخدامها عشرات المرات في أفلام سابقة فعلاء مرسي وسليمان عيد ومحمد لطفي بذلوا قصارى جهدهم لكي ينتزعوا الضحك إنتزاعاً من أفواه الجمهور دون جدوى ولكنهم نجحوا في خلق جو من السخرية كان بالطبع مردوداً عليهم.
أما القصة والسيناريو فلا مجال للحديث عنهما لأن الأداء التمثيلي خضع للصدفة والارتجال فلم يوجد خط درامي للفيلم يمكن تتبعه ومناقشة ما به من تفاصيل للاتفاق والاختلاف عليها، كل ما هنالك أن الدقائق الأخيرة للأحداث طرحت بشكل مفاجيء ومضحك صورة كاريكاتورية لسعد الصغير وهو محمولاً على الأكتاف وسط مائة ألف متفرج باستاد القاهرة وبجانبه محمد لطفي وعدد من الشخصيات الثانوية يحملون نعشاً رمزياً وكالعادة يطلقون في خفة دم بالغة شلال من النكت القديمة، يرددونها ويضحكون هم فقط عليها للتأكيد أنها كوميديا من ابتكارهم وبنات أفكارهم، وهذه بالفعل حقيقة فكل إناء ينضح بما فيه.