حكاية عطر

حجم الخط
0

حكاية عطر

رجاء بكريةحكاية عطركأوّل مرّة….أجل كأوّل مرّة لمحتك خلف مفاتيح الصوت. أردد لنفسي كأوّل مرّة، كأنّ في استحضار هذه الكأنّ استحضارا لوجهك ساخنا بين يديّ.صباح حيفا أهديه أوّل أيّام العام إليك ثمّ إليك ثمّ إليك. ليس في القطيعة اعتراف ضمني بفكرة النسيان. علي العكس تماما أفهم القطيعة استراحة القلب من برد اللّوعة وحرّ الحاجة.هل تجرؤ أنت مثلا علي القول أنّك غير مشتاق للفّة مرفقي حول عنقك؟ وغير مشتاق لانكماش صدري في حضنك؟ وأنّك لا تفكّر مثلا بأوّل مرّة همست لك أنّني موجوعة برائحة الصمت الّذي تنعفه حول قلبي؟ وأنّك لا تشتهي فمي كما أشتهي سخونة أذنك؟ كم من العشّاق يعرف أنّ خلف تلك البقعة السريّة مدينة إلدورادو جميلة وساحرة كلّما مسحتها بإصبعك تألّقت ثمّ سخنت ثمّ ثارت وانسعرت. لا بل كقنديل علاء الدّين كلّما مسحت غبرة عن زجاجه انكشف عن مارد بأبعاد كون مشتهي.أشتاق إليك في أوّل يوم كما اشتقت إليك دائما. ليت أشواقي بحدّة قراراتي إذن لما بقيت حتّي الآن أدور حول قلبك دوران الأرض حول شمسها. لماذا أشتاق! لا إجابات علي هواجس متبدّلة. هكذا هي الأشواق تشمّع البدن والذّاكرة بعويل العطر، أقصد الضوء، لا بل أقصد الفقد، والفقد يجمع الإثنين معا. العطر والضوء معا. لا عطر بدون ضوء، ولا ضوء في الدنيا يشتعل بلا عطر. وكلّ عطورك اخترتها أنا بفنّ المواسم. كنت أحتال علي بقائي فيك بالعطور الّتي أنتقيها من أفخر واجهات العطر. وكأوّل مرّة أزخمك برائحة الأماكن الّتي تأخذك إليها عطوري. لكل عطر حكاية ولكلّ حكاية شكل قبلة تبدأ بالكاحل وتنتهي بقرنفل الصدر، أو الكتف أو لا أعرف أين. وكلّ المطارات تقريبا تعرف حكاية عطورك معي وعطوري معك. ألكلّ رجل وامرأة حكاية عطر يرسمان بنفسجها علي جدران المطارات؟ أمّا عطرك إليّ فقليل ونادر. مرّة واحدة، وعلي بعد خطوات من دخول أرقام السنة الجديدة باب بيتي معك. كان مساء استثنائيا رقصت له الجدران وأزهرت أعناق الشموع بالوله. إثنان وثلاثون شمعة لفّت بي وبك بالونات البيت وفوانيسه الصغيرة. قلت لك، الفوانيس تستحضر روحانية الغياب، وأنت غيبي وغيابي، لا أريد سواك هذا المساء، هيّا إذن نضيء معا تسعة فوانيس، نصف عمري وعمرك .ضحكت يومها ككلّ مرّة يستهويك اختلاف طباعي وكسري لمألوف ما يتفقّ عليه أناس المدينة، هل قلت أحبّ ضحكتك؟ ضحكة العسل، تضحكها حين ينتشي قلبك بفتنة العطر، والسحر. قلت: سأشعل معك ستة، الثلاثة فوانيس الأخيرة نتركها للعام المقبل .أغريتك بكحل عيني الحاد: وإذا وعدتك بمجّة بدن؟ داخت نظراتك ودخت معك، لقبلتك مذاق ذاكرة حارقة الوجد، بلون نبيذ يراقص ظل رغبة.لم تشعل الفوانيس الثلاثة. انشغلنا بالبالونات والموسيقي، وعطر البدن. هذا عطر الحكاية كلّ الحكاية الّتي لا تتوقف عن الدوران مع أشهر السّنة وتقع في مطبّ الشك والخيانة.هذه السّنة يا سيّدي لا كبريت لفوانيسي ولا أنت لألق شموعي. ولن أطمح إلي تكرار الخيانة، يجب أن تعرف السنة مذاق الفقد. مذاق امرأة لا تعرف ارتشاف عسلك. أرجوانةبعيد أيّام علي دخول أرقام السّنة ساعة الحائط قررت أن تفاجئني بالكنزو. لم أتوقّع شكل الزّجاجة ولا توقّعت أن تتحدّي الشتاء وعطل سيّارتك البغيضة وتصل إلي. ورغم أنّ سمكة الزّينة أرجوانة ماتت قبل وصولك إلا أنني اجتهدت في الحفاظ علي قدر معقول من الفرح، حتّي لا أربكك بمزاجيّاتي. كنت كالأطفال تماما لا أحبّ الموت ولا موت أسماك الزّينة، ولا السّمكة الّتي جئت بها تذكيرا بعيد ميلادي الأخير.تري لماذا جميع الكائنات الّتي تأتي بها تموت أو تعلن انتحارا مفاجئا عند فواصل البداية؟ أرجوانة كانت سمكة جميلة، بذيل طويل جدا، وعين حادّة جدا، أشدّ سوادا من العتمة. ولحظة رأيتها ابتسمت لك، وهمست ذكَّرَتك بي أليس كذلك؟ ذيلها المتموّج كتموّج شعري تحت كفّك، يا عيني علي شعرِك، وبدني تحت رَجف قُبَلِك. لكنّك يا سيّد أشواقي لم تتذكّر هذه السنة شوقي ولا ميلادي ولا أهديت قلبي عصفورة أو سمكة. هذه السنة اجتذبك شعر يشبه شعري وقفلة صوت أقلّ دفئا من قفلة صوتي. أصبحت رجلا أشدّ انفتاحا علي الصراخ، وانبهار الصوت المغسول بلسعة الموج لم يعد فاتنا في عرف مقاييسك الجديدة. لم يعد جديدا عليك. لقد رجعت جيلا إلي الوراء. وفهمتُ أنّك تجرّب نفسك ليس من خلالي. كيف حدث ذلك؟ لا يمكن لهذه الأسئلة الغبيّة أن تستدرجني. هذا ما حدث وحسب. يحدث للرّجال أن يصابوا بلوثة أو نزوة ذاكرة. رأيت ذاكرتي الحميمة معك في قدميك وفتنتي مطويّة مثل صفحة جريدة في جيب سترتك الدّاخلي، كأنّني لن ألاحظ رقصتك الليلية مع المرأة أو النساء اللواتي سيجرؤن علي قنص رغبتك بشعورهن الطويلة وقلّة تجاربهن. لا تفكّر كثيرا وأنت تجرّب رقصة الشمع وتعثر فجأة علي شعر أقلّ نعومة من شعري. ولا ترتبك أمام صاحبة الشعر الّتي اختارت أن تقضي معك السّاعات الأولي من العام الجديد. در معها وارقص ما شئت. لا ترتجف، وكن فنانا كما أراك بعيون قلبي، فأنت دون شك تستأهل هذه الرّقصة اليتيمة. أمّا أنا يا سيّدي فأريدك أن تعرف أنّني رفضت كلّ الرّجال الّذين قدّموا أوراق انتساب لسنتي الجديدة، وقرّرت أن أرقص ساعات السنة الأولي كما كنت غالبا، وحيدة. ألست أنا من علّمتك رقص الشمع تحت فتيل الرّغبة؟ لذلك لا تنس ألاّ تخيّب ظنّي بمهاراتك ككلّ سنة! كلّ عام إذن وأنت لكلّ النساء! لكلّ اللواتي كنّ وسيأتين، لعلك، يا سيّدي تشبع وتتوقف عن تسجيل ضربات جزاء ضائعة علي هواء هواتف غير معنونة.لارنكا لعلّك لم تفهم، لعلّك لم تفهم جيّدا..أنّني امرأة لا تخاف الكلمات الهامسة الّتي يضلّل بها الرّجال نساءهن. في لارنكا، جرّبت أن أقول لك، في لارنكا تأكّدت أنّك مع امرأة سواي. فزعت حين جئت تختبر ذائقتي برائحة عطر لن تهديه إلي. لمن تريده؟ سألتك باحتداد. ليس لأحد ، أجبت وانتزعت الزّجاجة منّي علي عجل وذبت بين الناس.هل توقعتَ مثلا أنّني كنتُ فقط أتأكد أنّك بدوني منذ زمن، وأنّك تخون قلبي منذ زمن، وأنّك لا تكفّ عن دفع فواتير هواتف باهظة الأثمان منذ زمن، وأنّك تسافر إلي مدن لا أعرفها منذ زمن. كل ذلك يحدث منذ زمن وأنت تجهل سبب عصبيّتي منذ زمن.حين ضقت ذرعا بنفسي بادرت إلي مشروع سفري الأحمق في عمق محيط وسيع معك كي أتأكّد من هواجسي تجاه هواتفك المشغولة دائما، وزياراتك الصباحيّة لأصدقاء خرجوا من الغيم وملأوا ساعاتك الحرّة، وهمسك الحافل بالرّقة؟ أين أخفيت مفردات رقتك إلي، أتحت درع السلحفاة الحجرية، أم الدرع الّذي لبسك منذ صادقت حكايات الشاطر حسن والجنيّة؟ كان يجب أن أفصل في شكل ضربات الجزاء الّتي سأطلقها حرّة إلي الشّباك. لأنّي أحبّك كان يجب أن أقرّر عطر الهدف! أمام واجهات السوق الحرّة بقيت مشغولا بهاتف أبله وحنجرة امرأة لا تنجح في القبض عليها. كنت أتابعك بصمت أُحسد عليه. أيّ شيطان ألقاني في طريقك؟ لكن لامبالاتي لم تطل، حين وجدتك مشغولا باختبار الزّوايا الّتي تلتقط إرسالا. في عرض البحر يا سيّدي يختبر الناس مساحات أرواحهم وليس مساحات إرسالهم. أيّها الأحمق، فكّرت أن أهزّك، أنظر إلي سحر الحياة المظلمة في قلبك. لكنني لم أقل. كنت في مكان آخر بعيد عنّي أبعد ممّا يمكن أن أتخيّل. هل أبدو امرأة غبيّة مثلا؟ قرّرت أن أستفزّك حين وجدتك تتكتك رقما أمام الشاطيء وتبتسم. لم أسألك لمن هاتان الغمّازتان، ولم تقل أنت، لكنني منذ تلك اللحظة بدأت أعدّ الأيّام الّتي بقيت لي معك. أعد خطواتي معك إلي وجبات الطعام، ساعات النوم، والكزدرات الليلية حول الباخرة. بدأت أعدّ قطرات العطر الباقية في قعر الزّجاجة. وما لم أفهمه حتّي هذه اللحظة قدرتك المرعبة علي تفعيل ماسح الأرقام وماسح الذّاكرة، والأحذية بنفس الحذق والسرعة. ديليت وينتهي كلّ شيء.عسر المتعة رافقني منذ لبسك البله. ذوّبتَ عطر الإبحار في خفّ قلبك. يحدث للقلوب أن تحيل أصحابها إلي أحذية. جرّبت أن أشاغل نفسي بأشكال البشر الوافدة من كلّ مكان. حاولت أن أستعيد بعض مشاهد روائيّة لحنّا مينا. استحضرت وجوه النساء اللواتي سافرن في القوارب والسفن التي خربشها بعطر حبره. واسيت نفسي قليلا وأنا أري جميع النساء اللواتي يسافرن بالباخرة برجال خونة وجاذبية عالية، بل وأقسمت أن أخونك مع الرّجل الّذي يفتّش عن طاولتنا كل مساء كي يتناول عشاءه بيننا. لكنني تراجعت حين وجدتك مفتّح الرأس رغم الفودكا التي تكرعها دون توقف. سمعتك تشكو، ما أثقل همّة هذا الرجل لماذا لا يجالس غيرنا؟ . بمجرد أن تنبهتَ قرّرتُ أن أقلع عن حمقي، قلت تكفي مصيبة واحدة، لا يجوز لمصيبتين أن تبحرا في عمق هاوية. مساء اليوم التالي حملت الوجبتين وهربت إلي الزاوية المضادة لكرسي الرّجل ثقيل الهمّة. حين سألتني مستغربا عن جلوسي في هذا القطب المتجمّد. ماحكتك قائلة، اليس أجمل من القطب الآخر المتفكّك . علّقت أحسن ومع الأحسن ابتسامة حيرانة فهمت من مساحة غموضها أنّك لم تفهم ماذا عنيت ففرحت.بعد ذلك لم تأخذني الذّاكرة لأبعد من مشاهد الهذيان اللئيمة الّتي نثرتها علي طول الشاطيء الذي مشيناه. نسيتَ قلبي يا سيدي، نسيته في خفّ رأسك. لارنكا وعطر سنة. لا تصدّق أنّ هذه السطور إليك. إنّها لعام مضي أثقلني بالهواجس. إليه أهديها، وربّما لرجل كان أنتفكلّ عام وأنت ولارنكا معا……..حيفاكاتبة من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية