حكاية من أرشيف جدار العزل ‘الصهيو – نازي’!

حجم الخط
0

لم يكن لدي متسع من الوقت لتلتهم خطواتي شارع بيتنا الغربي الطويل من أجل المرور بجانب سور الفصل البغيض ومواجهة كلب حرس الحدود الذي ما مررت من أمامه إلا ونبح في وجهي كالكلب المسعور صارخا بأعلى صوته الذي أشبهه إلى حد كبيرأيضا بصوت حمار جاري الذي يوقظني في الكثير من الأوقات في مجد قيلولتي وهدوئي!

لم تفصلني تلك اللحظات إلا بضعة أيام عن انتهائي من قطف شجار الزيتون المتبقية في مناطق مختلفة من أنحاء القرية، أسوة بباقي أهالي القرية الذين سلبت الجرّافات الإسرائيلية أشجارهم، وسوّتها بالأرض أو جعلتها في جزء آخر خلف سور عزل النازيين الجدد. ولم يتبق لي سوى بضعة أشجار ملاصقة للجدار في المنطقة الجنوبية الغربية.

ما أجبرني على النزول إلى المنطقة المذكورة، والمرور بجوار جندي حرس الحدود من جهة القرية للجدار، رغم اعتراض الجيش على اقترابي لعدة مرات بحجة أن موسم القطاف قد انتهى – وسيضطرهم ذلك إلى نشر المزيد من الدوريات والجهد والوقت والاستفسار – هو الصراخ العالي لأحد الصبية أسفل الوادي، حيث دفعتني غريزة حب الاستطلاع والفضول للاقتراب والتعرف على السبب الحقيقي وراء ذاك الصراخ.

مررت كعادتي بجوار الجدار بعدما أنهى جندي الدورية استفساره عن سبب اقترابي، وبعدما وضحت له أنني مجرد عابر سبيل، وأن جداركم هو من يجبرني على الاقتراب منكم لأن طريقنا الترابية وجدت قبله بعشرات أو ربما بمئات السنين! انقطع صوت الصبي، لا أدري لماذا ولكنني – ما كاد ينتهي الجندي من مساءلتي – سمعت صراخ بعض النسوة في قاع الجبل القريب مني ولم أتأكد بعد من رؤيتهن، أرسلت سهام عيوني فلعل وعسى يقعن في مرمى سهامي وأطفئ نيران عطش كلاب نفسي اللاهثة وراء سراب الحقيقة! ولكن محاولاتي باءت بالفشل وصممت على النزول لاستطلاع ما يجري.

سرت وأفاعي الحيرة تطوقني من كل اتجاه، أتقدم خطوة وأعيد أخرى، هل أواصل السير وحيدا أم أعود؟ لقد اقتربت من كرم زيتوننا الملاصق للجدار اللعين، ماذا سأصنع؟ لا صوت لأحد من حولي، فلا نسوة ولا صبي، ولا حتى دابة تمر بجواري، أخيرا خطر ببالي ما أخبرت ابن أخي عنه حول الزيتونة التي تضيع ثمارها سدى كل موسم، بسبب تصرف جنود حرس الحدود وحجتهم بأنها فوق الجدار السلكي مباشرة ولا يجوز لنا المساس بالجدار مهما كانت الأسباب، رغم أننا قطفنا ثمارها لعدة سنوات قبل أن يكبر حجمها وتغطي أغصانها جزءا من الأسلاك: ‘ماذا تفعل هنا’ صرخة أيقظتني من أفكاري التي كانت تعشش في رأسي منذ بداية المشوار، ما إن استدرت لأحدد مصدرها حتى فوجئت بقنبلة صوت ما بين أقدامي، تبعتها قنبلة غاز أخرجتني عن صمتي، فهرعت مبتعدا عن جبال الغاز المنبعثة لأسدد أفظع الشتائم والألفاظ السوقية نحو ضابط حرس الحدود المتوحش، والذي كان مختفيا وراء شجرة زيتون ضخمة، ينتظرني حتى تحين اللحظة المناسبة، فينقض علي هو وأفراد دوريته كالكلاب التي وجدت ضالتها!

المفاجأة الكبرى أن ما توقعته قد حدث بالفعل، وأن ابن أخي قد حاول أن يقطف ما تيسر له من الزيتون قبل قدوم الدورية – حيث أنها تغيب لمدة أطول أيام السبت على وجه الخصوص – ولكن حظه العاثر وربما جودة وكمية الثمار أنسيتاه الوقت وخطورة الوضع.

لقد فوجئت أيضا بوجوده منبطحا أرضا وسلاسل الحديد في يديه، فماذا عساي أفعل وهم يواصلون الاقتراب مني، الضابط أمرهم بالتوقف عن إطلاق الغاز والهدوء قليلا ريثما يتسنى له معرفة سبب قدومي! بعدما قاموا بنقل ابن أخي عبر بوابة كبيرة مخصصة لذلك: في انتظار ما سيجري بشأني.

لكنني وقبل أن يطرح الضابط أسئلته المتوقعة طرحت أسئلتي حول ابن أخي وبحدة ‘ ما سبب توقيف هذا الشاب؟ لقد ألقيتم عليه القبض متلبسا بتهمة قطف الزيتون في أرضه! لا أكثر، عندها لم يجب الضابط على سؤالي ولكنه أمرني برفع يدي للأعلى وقاموا بتفتيشي بدقة متناهية، وحذرني بأنني سأواجه تهمة تخريب الجدار إن عدت لأرضي مرة أخرى! لطفي خلف [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية