حكايتي مع ‘القدس العربي’

حجم الخط
3

ليعذرني الشاعر الكبير المتنبي إذا حرفت أبيات قصيدته، وقلت ‘لكل امرئ من دهره ما تعودا، وصباحي مع ‘القدس العربي’ يبدأ أسعدا، فهنيئا للعرب الذي أنت قُدسِهم، ومنارة لمن أراد على الرقيب ان يتمردا’، فأنا ممن يحق لهم أن يحكوا حكايتهم مع ‘القدس العربي’، فهي التي اطالع صفحاتها وافتتح بها الصباح حينما افتح الحاسوب مثلها مثل كوب القهوة، وهذه حكاية لا تنتهي وعادة لا تتبدل، فهي ليست وسيلة الإعلام الوحيدة التي استقي منها الاخبار وتحليل الأوضاع السياسية والثقافية فحسب، بل هي نافذتي إلى القراء، فقد قدمتني إلى القاري العربي منذ ثماني سنوات أو أكثر حيث نشرتُ فيها العديد من المقالات والنصوص الأدبية، حينما كنت أدرس الماجستير في العلوم الثقافية في تونس، وكنت أقدم نفسي ككاتب عُماني مقيم في تونس، الأمر الذي جعل الروائي العُماني الراحل علي المعمري يسلم عليّ بحرارة حينما قابلته للمرة الأولى وأخبرني أنه يقرأ مقالاتي في القدس وأعجبه نصي الأدبي المعنون بما تبقى من ظفار، وقد أعجب به إيما إعجاب.
والحق يقال ان صديقي الكاتب والروائي التونسي كمال الرياحي هو الذي شجعني على النشر في القدس، ومن يومها لم أتوقف عن متابعتها، بل كنت اقتني نسخة منها من محطة القطارات في تونس، التي تصلها بعد يوم من النشر، وفي معظم المرات أجدها قد نفدت من (الكشك) الصغير في محطة برشلونة، ويتندر علي زملائي التونسيين بأنني أذهب إلى تونس المدينة من مكان اقامتي في الزهراء في الضواحي الجنوبية للعاصمة إلى تونس إما لشراء ‘القدس العربي’، أو للجلوس في مقاهي شارع الحبيب بورقيبة والطواف حول الساعة النحاسية.
بقيتُ مواظبا على تصفح ‘القدس العربي’ الكترونيا بعد عودتي إلى عُمان، وبين الفينة والأخرى يُنشر لي فيها مقال في الصفحات الثقافية أو في صفحة مدارات، بل رافقتني في اسفاري، وقد تعذر علي قراءتها في السعودية والبحرين، وواجهتني مشكلة فتح موقعها في سوريا لولا مساعدة بعض الاصدقاء.
ولست وحدي من المثقفين العرب ممن يتابع ‘القدس العربي’، فقد ذكر الكاتب والروائي المصري جمال الغيطاني في كتابه مقاصد الاسفار، أنه يحرص على ما يكتبه الكاتب الصحفي حسنين كروم عن الصحف المصرية، فيقول الغيطاني أنه يكتفي بما يلخصه حسنين من الصحف الصادرة في مصر وما يدور في البلد من أحداث وفعاليات، وكأنه حاضر في القاهرة رغم أن الغيطاني يكون مسافرا حينها، لكن تلك الصفحة تبقيه على تواصل مع وطنه كما يقول، ويحسب للقدس العربي أيضا انها من أوائل الصحف العربية التي تخصص صفحة كاملة عن صحف الكيان الصهيوني، فمن خلال متابعتنا لآراء وتحليل الكتاب الصهاينة نتعرف كيف يحلل العدو المعلومة وكيف يفكرون تجاه القضايا ومجريات الأحداث.
أحفظ لـ’القدس العربي’ ودا من نوع آخر، هو التعريف بإصداري الأدبي الاول حيث نشر الكاتب والصديق الكاتب الروائي رشاد أبو شاور مقالا عن مجموعتي القصصية بذور البوار، وقد لاقت المجموعة رواجا في المنطقة بعد هذه القراءة من كاتبنا الكبير ابوشاور، ومؤخرا أخبرني صاحب دار الفرقد بأن الطبعة الاولى من المجموعة قد نفذت.
أقول قولي هذا بعد أن فاجأنا الصديق عبدالباري عطوان بنبأ استقالته من رئاسة تحرير وإدارة الصحيفة، وكنت قد قابلته في تونس حيث شارك في ندوة عن تداعيات الحرب على العراق، ولأول مرة أشاهد رغبة الجماهير في مقابلة عبدالباري حيث اضطررنا للوقوف خارج القاعة، وقابلته مرة أخرى في قطر، وأقول فاجأنا لأن’القدس العربي’ كانت الصحيفة الوحيدة التي نعول عليها لنشر مقالاتنا وإيصال آرائنا الصريحة التي لا تسمح بنشرها الصحف العربية في الوطن العربي، فلمن تتركنا يا أبا خالد؟! في هذه المرحلة الفاصلة في التاريخ العربي، وأنت صوت الحق الذي يعلو على المنابر، والقلم الذي لا يهادن ولا يجامل، فتعلمت الأجيال منك ومن غيرك من أحرار العرب، الصمود والثبات والصبر على مواجهة الاستبداد والتحرر من الاستعباد المالي والوظيفي، ولكن مع كل ذلك إلا أننا نحترم رغبة صاحب المقام أن يستريح، ونتمنى له كل التوفيق في حياته الجديدة، كما نتمنى أن تسير صحيفة ‘القدس العربي’ بتلك الخطوات التي جعلت منها واحدة من أهم الصحف العربية المقروءة في العالم، وما مكنها من ذلك إلا حرية الآراء المنشورة في الصحيفة، وأفكار الكُتاب والكاتبات النيرة، وانحياز الجريدة إلى رغبات الجماهير ومواقفهم من القضايا الراهنة في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، ونتعهد بمواصلة الكتابة والنشر ومطالعة ‘القدس العربي’، فيكفي أنها الصوت المغرد خارج السرب، والصحيفة التي قاومت آلة العولمة المتمثلة في الاعلانات التجارية في وقت كان فيه المجد لتسليع الآراء وبيع الأفكار، واجبار قراء الصحف على اقتناء اعلانات الشركات العابرة للقارات.
ومهما استجد من مستجدات في مسار تحرير صحيفة ‘القدس العربي’، وسواء بقيت على خطها ونهجها المعهود أو تغيّر المسار، فإننا سنحتفظ لأنفسنا بأننا كنا ننشر في أهم صحيفة عربية في بلاد المهجر وعلى مستوى الصحافة العربية.

كاتب من عُمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية