جاء في الشيخين من رواية’البلاذري'(ص257) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ‘والله ما أدري أخليفة أم ملك، فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم، فقال له قائل: إن بينهما فرقا، إن الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف’الناس، فيأخذ من هذا أو يعطي هذا، فسكت عمر’. وفي رواية أن عمر سأل سلمان الفارسي: ‘أملك أنا أم خليفة؟ فقال سلمان: إن أنت جبيت من الأرض درهماً أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير موضعه، فأنت ملك غير خليفة؛ فاستعبر عمر’. يقول ابن تيمية (السياسة الشرعية ص10): ‘إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، بالعدل تستصلح الرجال وتستغزر الأموال’. وقد جاء في نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (1/87’و 1/188)’أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يأكـــــل من الطعام ما لا يتيسر لجميع المسلمين، وفي يوم من الأيام نحروا جزوراً، فأطعــــمها الـــــناس وغرفوا له طيبها فأتي به، فإذا قديد من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ فقـــالوا يا أمير المؤمنين، من’الجزور’التي نحرناها اليوم. فقال:’بخ’بخ، بئس’الوالي أنا إن أكلت طيبها، وأطعمت الناس’كرادسها، ارفع هذه’الجفنة، هات غير هذا الطعام، فأُتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده’ويثرد’ذلك الخبز. كما’جاء في مناقب أمير المؤمنين لابن’الجوزي'(ص147) أن’أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يطبق مبدأ المساواة في المدينة ويعلمه لعماله في الأقاليم، فعندما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتى’بالخبيص، فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً، فقال: والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا، فجعل له سفطين’عظيمين، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرح بهما إلى عمر. فلما قدما عليه فتحهما، فقال: أي شيء هذا؟ قالوا:’خبيص’فذاقه، فإذا هو شيء حلو. فقال: أكُلُ المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قال: لا. قال: أما لا فارددهما. ثم كتب إليه: أما بعد، فإنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك. أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك. هل بات الإنسان'(بما رزقه الله)’أغلى ما تملك الحكومة لتقدمه ضماناً للبنك الدولي’…؟” ‘ ” في بعض الدول الأوروبية العادلة يدفع المواطن نصف راتبه (تقريباً) ضرائب للدولة مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما يتبقى له من راتبه يكفيه السؤال ويعينه على العيش الكريم؛ وأن ما تأخذه منه تعيده له بصور متعددة، كتأمين صحي مجاني، وتعليم مجاني، ورواتب للعاطلين عن العمل، ومساعدات لذوي الدخل المحدود، ورواتب تقاعدية بعد التوقف عن العمل، أو الشيخوخة. أليست مستحقات الديوان، ورواتب الأمراء والأشراف والشيوخ، ومخصصاتهم، ومخصصات حفلاتهم ورفاهيتهم’وبعثاتهم الدراسية، ومخصصات الحكومة ومدراء الدوائر والضباط، ضماناً أكبر؟’ أليست مكافحة الفساد والتعدي على الأموال العامة ضماناً كافياً؟ بلى والذي نفسي’بيده،’إن التبذير في المخصصات، ومكافحة الفساد، ليكفيان الدولة عن سؤال البنك الدولي وغيره. كم من الأموال تُهدر بدوائر الدولة؟ أمير يستغل الأموال العامة في مناقصات ومتاجرات خاصة، وشريف يستغل آليات’الجيش لخدمة مزرعته؛ ومسئول في الحكومة يقتطع أراضي صحراوية وينشئ الطرقات لخدمتها؛ وصاحب نفوذ يرسل ولده للدراسة في الجامعات البريطانية والأمريكية؛ وقائد في الجيش يستغل الأموال العامة والمجندين لبناء قصره في عجلون،’وتعبيد وإنارة الطريق المؤدي له؛ ورجل’يتعالج’في أوروبا وأمريكا على حساب الأموال العامة.. وتلك أمثلة يسيرة على أمور كثيرة. ماذا أنجزت’الحكومة في سبيل’الإصلاح’الاقتصادي؟’قروض جديدة، وضمانات جعلت ‘الإنسان أغلى ما يملكون’؟ مسكنات ومخدرات تهدئ الوجع ولا تشفي المرض، حتى بات الأمر مسلسلاً يعيد نفسه، كل حكومة تلعن أختها، وترمي باللائمة عليها، فتبقى ما شاء الله لها أن تبقى بمخططات تُسّكِن الألم إلى حين تشكيل حكومة أخرى، وهكذا’تتعاقب’الحكومات والمهمات والملامات. اللهم قد’عيل’الصبر، وضعف اليقين، وانتشر الرعب، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، واردد الحق إلى أهله. أسأل الله أن يُهذب الرعاة بالدين، فيكونوا حليمين واسعي الصدر، لا تضيق صدورهم بالحق حرجا؛ فلا يمتنعوا عن أخذ الحقيقة من أي قبيل، ولا يجدون غضاضة في الرجوع إلى الحق إن وقع الباطل. فقد’طمح لمراكز المسؤولية أقوام ليسوا هم الأولى، ونافسوا ذوى الجدارة والأولوية ونازعوهم عليها، ونسوا أن لهم معالم ينتهوا إليهم، حتى نبتت الفتن، واضطربت بها مراجل القلوب،’وتشنعت’الإحن، واشتدت المحن، بما وجدت الرعية في أنفسهم على رعاتهم، باستئثارهم الفيء لأنفسهم وخاصتهم، وغياب العدل والمساواة والأمن والأمان. أما بعد يا من’وليت أمرنا، فإني أسأل الله أن يعينك ويحرسك عنده كما حرسك عند غيره، وأن يلهمك العدل في قسمنا كالذي أمرك الله به، وأن يغير الذي وليت من خلافتنا في خُلُقك بما يرضي ربك، فإنما العظمة لله عز وجل. فقد بقيت فينا بعد والدك، فابتليت بنا، فلا تكل أمورنا إلى غير أهل الجزاء والأمانة، فقد أحكمتك الأمور،’وعجمتك’البلايا، وحنكتك التجارب، وأنت وشأنك، لا ننبو’في يدك، ولا نَكِل أمرنا إلا إلى الله ومن ثم إليك، وإنّ’مكانك منا مكان النظام من الخرز يجمعه، ويمسكه، فإن انحل تفرق ما فيه، وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. واعلموا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ‘إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم’.’ اللهم لا تدعهم في غمرة، ولا تجعلهم من الغافلين، اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد فلا جهل ولا حيرة تمنعكم، فلا تمنعكم الهوى والحمية من الإقرار’حتى ترد’القُضب’إلى الأجفان، والقلوب النافرة إلى الاطمئنان. ‘ وسام صالح بني ياسين