«حكم العنف» في سوريا بين المجازر الجماعية ومعسكرات الاعتقال

نظّم معهد الدراسات الشرقية والإفريقية SOAS في جامعة لندن ندوة فكرية لسلوى إسماعيل أستاذة العلوم السياسية في المعهد لمناسبة إطلاق كتابها الجديد الذي يحمل عنوان «حكم العنف: الذاتية والذاكرة والحكومة في سوريا» الصادر عن «جامعة كيمبرج برس» عام 2018.
شارك في الندوة ميشيل عبيد من جامعة مانشستر، فيما أدارها الأكاديمي اللبناني جلبير الأشقر من «سواس».
تحدثت سلوى إسماعيل عن فحوى هذا البحث الذي شرعت به أول الأمر عام 2004، ثم عادت وانغمست به من جديد في عامي 2010 و2011 لكنها عادت أيضًا إلى وقائع زيارتها الأولى لدمشق عام 2002، حيث بدأت منذ ذلك الوقت بالانفتاح على الفضاء السياسي السوري، والتعرّف إليه عن كثب، قبل أن تُجري عددًا من الحوارات والنقاشات المعمّقة مع بعض الشخصيات الثقافية والفنية والفكرية في داخل سوريا وخارجها، لاكتشاف طبيعة النظام العنفي في سوريا، وتسليط الضوء على آليات الاستبداد في التعامل مع المواطنين السوريين، التي قسمت السوريين إلى قسمين لا ثالث لهما، الموالين للنظام والمتماهين معه، أو المعارضين له والمناوئون لتوجهاته الفكرية والسياسية.

لم تقتصر هذه المجازر على المدن السورية المعارضة للسلطة، وإنماوقعت في عدد من السجون الكبيرة مثل سجن تدمر.

ما يميز حقبة البعث التي شارفت على إكمال عقدها الخامس، هو كثرة أجهزتها الأمنية التي تتألف من خمسة أقسام، وبعض هذه الأقسام يتألف من فروع عديدة، مثل شعبة الاستخبارات العسكرية، وفرع فلسطين. وقد حرصت هذه الأجهزة على بثّ الرعب والخوف المتواصلَين في نفوس المواطنين السوريين بواسطة منهجين أساسيين وهما «المجازر الجماعية» و«معسكرات الاعتقال»، سيئة الصيت والسمعة، المنتشرة في المدن السورية. توقفت الباحثة عند «مجزرة حماة» 1982 التي سُمّيت في حينه بـ «مجزرة العصر» التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من السوريين. واستمرت المجزرة لمدة 27 يومًا اشتركت فيها نخبة من قوات النظام القمعي مثل «سرايا الدفاع» والقوات الخاصة، وبعض الفصائل الحزبية المسلحة التي فتكت بأبناء المحافظة المكتظة بالسكّان، غير أن هذه المجزرة ظلت طيّ الكتمان، وصارت أشبه بالتابو أو المحذوف أو المسكوت عنه، فلا أحد يجرؤ على الحديث عنها، رغم أن خسائرها كانت كبيرة جدًا وتتراوح بين 10- 30 ألف نسمة، باستثناء المفقودين والمهجّرين، والأغرب من ذلك أن نظام البعث الدموي كان يطلق عليها تسمية «أحداث حماة» مستهينًا بأرواح الشهداء والضحايا، الذين كانوا يقاومون سياسته الاستبدادية المقيتة.
لم تقتصر هذه المجازر على المدن السورية المعارضة للسلطة، وإنما كانت تقع في عدد من السجون الكبيرة مثل «تدمر» ، التي وثّقها الكُتاب السوريون في قصصهم ورواياتهم التي تناولت الحياة السياسية في سوريا، ومن بينهم الروائية  منهل السرّاج التي وثقت مجزرة حماة في روايتها الموسومة «كما ينبغي لنهر» لتكشف جزءًا محجوبًا من الذاكرة الجمعية السورية، وتكتب عن هذه الفاجعة بطريقة أدبية وفنية مؤثرة جدًا، وهذا ما فعله فوّاز حدّاد في روايته «السوريون الأعداء» ومصطفى خليفة في رواية «القوقعة» ذائعة الصيت.
وأشات إسماعيل انه ليس غريبًا على النظام الديكتاتوري في سوريا أن يقمع المظاهرات والاحتجاجات في المدن السورية، وقد يفعلها مع أي شريحة تتململ من سياساته وتوجهاته الفكرية، ففي عام 2000 أطلق عناصر النظام النار على محتجين في السويداء وقتلوهم بدم بارد، وفي عام 2011 وضعت مدينة درعا تحت الحصار قبل أن تبدأ عملية التنكيل بالمتظاهرين السلميين، الذين أطلقوا شرارة الثورة السورية.

وتطرقت الباحثة سلوى إسماعيل إلى ثيمات ومحاور كثيرة، منها ذاكرة الحياة اليومية في ظل الديكتاتورية، كما توقفت عند مرويات السوريين،لاسيما حول استعداد النظام للتضحية بأرواح أعداد كبيرة من السوريين من اجل الإبقاء على الحكم. ومن بين تلك المرويات أن حافظ الأسد نصح بشار وهو على فراش الموت ألاّ يتردد في ارتكاب مجزرة أخرى في أي مدينة سورية، إذا ما شعر بأنّ كرسيّ الرئاسة قد أصبح مُهددًا من قِبل أعدائه ومناوئية، وقد فعلها الابن أضعافًا مضاعفة، فقد قتل مئات الآلوف، وشرّد الملايين داخل سوريا وخارجها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية