لو تبقى الشعوب عقودا من الزمن بل وقرونا عدة تعيش تحت حكم طاغية يبني البلاد ويحفظ حقوق العباد ويصون الأعراض والممتلكات، لخير لهذه الشعوب من أن تعيش يوما واحدا في ديمقراطية لا تحفظ فيها الأعراض، ولا تصان فيها الحقوق والواجبات، فتسفك الدماء وتعم الفوضى والخراب البلاد. هذه الحقيقة تجلت واضحة المعالم، وناصعة في البيان والبرهان على أن حكم طاغية يبني البلاد خير من حكم ديمقراطية تهدم الأخلاق والأمم وتُضيع العباد، هذه الحقيقة بانت للكثيرين منا ومع الأسف بعد أن قتل الآلاف وشرد الملايين من الناس وسلبت الحقوق وضاعت الواجبات، وخاصة في الدول التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي والحق إنه ربيع خارجي، فالقائم به داخلي والآمر به خارجي فالتقى الداخلي والخارجي لتنفيذ مخطط خفي، يعلمه العقلاء من العلماء ويجهله غير العقلاء ولو كانوا علماء، فهذه تونس ماذا جنت من ربيعها الدموي؟ فقد مضى على تغييرها أكثر من سنتين وهي تتراجع إلى الوراء ولم تتقدم ولو لخطوة واحدة نحو المستقبل، وهذه ليبيا الحبيبة فقد كان ربيعها أدمى وأدهى وأمر فماذا جنت بعد مقتل معمرها؟ وهذه مصر أرض العرب ماذا جنت من حبس حاكمها المخادع المراوغ حليف إسرائيل أعداء الإسلام والعرب، وكذلك اليمن السعيدة ماذا جنت من حرق وطرد جلادها؟ فقد تحالف المطرود مع الحوثيين ليقسموا أرض إيمان العرب، وماذا جنت الأرامل والأمهات وماذا جنى الفقراء والأيتام بل قل ماذا جنا حتى من قدم دمه وروحه رخيصة زكيه من أجل هذا التغيير؟ فلم ولن تتقدم الشعوب التي شهدت التغيير ولو خطوة واحدة إلى الأمام بل على العكس تراجعت إلى الخلف خطوات وقرونا من الزمان، وكي لا يظن جاهل أو حاقد أني أرضى بحكم الطغاة فإني انبذ الظلم واكره الطغاة، ولكني أوازن وأقارن بين المصالح المرجوة والمفاسد المتحققة، فإذا تحققت المصالح العظمى والمنافع الكبرى وانعدمت أو قلت المفاسد والأضرار فمرحبا بهذا التغيير وهذا هو الربيع الحقيقي ربيع الثمار والأزهار، وإلا فلا فهو ربيع زائف يحمل القتل والدمار وينشر العداوات والثارات في البلد والجيران، فما اعلم واعدل واحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما قال قبل نحو ثمانية قرون (لئن يبيت الناس ستون سنة تحت حكم حاكم ظالم جائر خير لهم من أن يبيتوا ليلة واحدة من غير سلطان) انتهى كلامه. لأن الحاكم وإن كان ظالما وجائرا يملك من السلطة والقوة ما يردع يهما الآخرين عن طغيانهم و ظلمهم لغيرهم، فحاكم ظالم واحد خير للعباد من أن يزول ويتحول الشعب كله أو أكثره إلى حكام وظلمة، فيرى كل فرد من أفراده أنه الأمام الذي تجب بيعته وعلى الآخرين السمع والطاعة، ولنعمل بالقاعدة الشرعية التي تقول (ما لا يدرك كله لا يترك جله) فظالم واحد خير من الملايين من الظلمة. ولا يفوتني أن اذكر أن التحول في سورية والعراق إن تم بخير وسيتم بفضل الله وعونه وحده، هما الربيعان الحقيقيان اللذان يحققان المصلحتان الكبيرتان الهامتان الخاصة والعامة، الخاصة لشعبيهما والعامة لأمتنا العربية والإسلامية، فهما الربيعان الحقيقيان اللذان احمرت واصفرت واخضرت ثمارهما وقد اقترب بعون الله تعالى وقت جني ثمارهما.عقيل حامد qmn