حكومات.. كائنات لفظية

حجم الخط
0

مروان العياصرةكل الفضائل تتلخص في التعامل بعدالة. أرسطو العرب دائما محكومون مثل كل البشر بالأمل، أما الأردنيون فهم محكومون بالنيات والإيمان بالعدالة التي طال انتظارها، بينما الحكومات كانت ولا زالــــت دائما محكومة بالبيانات الوزارية العصماء، وكلما داهمها نقد أو استجواب أحالت نفسها إلى بيانها الوزاري، فأصحاب الدولة والمعالي (أكدوا في بياناتهــم وأوردوا في خطاباتهم وبينوا وأوضحوا وأفصحوا وأعربوا)، كلمات لا تعدو أن تكون مجرد لوازم لفظية للحكومات تعودناها حتى أنها خدرت إحساسنا بمستوى الجريمة التي ترتكب خلفها من فساد وتجاوزات وهدر وضياع للحقوق. دولة رئيس الوزراء الأردني معروف البخيت وجه نداء من أجل الإيمان بالنية الحكومية المعقودة للإصلاح، وهي نية متبوعة برفع الكفين إلى طرفي الأذنين، وقد دخلت عليها حكومات أردنية كثيرة في صلوات إصلاحية منذ فجر 1989 إلى قيام ليل هذه الأيام، وما أسفرت عنه النيات الوعود، من انتاج لقانوني انتخاب واحزاب وديباجة إصلاح لم ترق لقبول ورضا الأطراف المجتمعية، لأنها جاءت أقل من المتوقع، لكنها ـ وهذا ما اعتمدت عليه الحكومة ـ اعلى مما كان معمولا به سابقا، بالإضافة إلى إصلاح القطاع العام وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة التي مرت بإعادات هيكلية كثيرة، بين دمج وانفصال بين الوزارات والإدارات المختلفة.

ربما على الحكومة ألا تخلط بين إصلاح الدولة وتقليص حجم الحكومة، أو بين إصلاح الحكومة المركزية وأطرافها المتخمة، كما عليها ألا تعزز فهما نحاول أن نستثنيه دوما من وعينا من أن هيكليتها وبنيتها المؤسسية تعود بجذرها إلى إرث المؤسسة التقليدية في عهد الحكم البريطاني، الذي تقوم فلسفته على مبدأ سطوة الحكومة المركزية القوية والنخبوية ذات التطلعات القمعية والتحصيلية للأموال والضرائب والعقيدة الأمنية لفرض القانون، والمطلوب أن تبرهن الحكومة عمليا وبتلقائية عن أنها لا تعتمد هذا الشكل أو هذا النمط المؤسسي القمعي والتحصيلي.

ربما يقول أحدهم ان علينا أن لا نضع الحصان أمام العربة، كي لا نتورط في تهمة إعاقة عجلة الإصلاح، وللحق والموضوعية فإن دولة الرئيس وضع يديه على جرح مهم يجب أن يطبب بمهارة، حيث أن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.. فإنه يتكئ في التطبيق العملي على التمكين المؤسسي للدولة وقدرتها على توظيف أفكار الإصلاح والتعاطي معها وترجمتها عمليا بشكل ضامن لأهدافها، طالما كان الأردن يعاني من البنية المؤسسية المترهلة والمصابة بالسمنة.

حديث الإصلاح في كل مكان، متعدد السياقات والمجالات والارتباطات، فان تأتي الحكومة من الحديث عن الإصلاح السياسي إلى الاقتصادي إلى الإداري، فهذا يحمد لتفكيرها إذا صدقت النية، ولا أظنها تصدق، استنادا إلى ما أفرزته للآن من أفكار إصلاحية غير قابلة للتوافق على ما يبدو من تصريحات بعض الاحزاب والهيئات، صحيح أن الإصلاح يحتاج لمديات مختلفة بين (القريب والمتوسط والبعيد)، لكن الذي استقر في وعي الناس طويلا هو كثرة الحديث عن هذا الكائن اللفظي العنيد والعصي على التحقق، وليس فقط أنه لم يتحقق شيء، بل اننا تراجعنا للوراء، وانتجت تجاربنا الإصلاحية حالات فساد تتكشف تباعا، فعلى دولة الرئيس ألا يضيق ذرعا بمثل هذه الأحاديث التي لا تشبه (الإيمان بالعدالة) التي يطالب بها الناس، لأن الناس فقدت نصف طبقات ألسنتها وهي تنادي بالعدالة وتكافؤ الفرص وتوزيع مكتسبات التنمية على الشعب، هذا إن كانت ثمة مكتسبات تنمية باستثناء مكتسبات المستثمرين وأصحاب رؤوس الاموال.

كل حكومة تأتي وتأتي معها لوازمها اللفظية للإصلاح ومحاربة الفساد والتنمية وتحقيق وإطلاق الحريات والحياة الحزبية، ومشروعية مطالب الشعب وهيئاته المختلفة، لكن.. لماذا إذن ما زال يصادف كل هؤلاء الناس من مختلف الخلفيات المهنية القلق المزمن على واقعهم.. ؟ لا أظن هذا القلق إلا فائدة مدفوعة على مشاكل لم يحن موعد استحقاقها – بحسب قول القس والكاتب الإنكليزي وليم رالف ـ إذن.. على حكومتنا أن تعترف بمبرراتنا لعدم الإيمان بالإصلاح، وقلقنا المدفوع، وعدم تصديق النيات، وإن تكرر منا هذا، لأنه بالمقابل ثمة إخفاقات متكررة وفساد مكرر، وستأتي حكومة مقبلة لتعيد لوازمها اللفظية بجدارة وفصاحة، فهي مهما بدت عليه من أعمال فإنها حكومة من ضمن الحكومات العربية الكثيرة التي لا تشبه شيئا سوى أنها كائنات لفظية.’ كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية