فتحي العكرمي الأحزاب الإسلامية التونسية والمصرية الحاكمة اليوم وجدت نفسها في مواجهة صعوبات قديمة وأخرى ناتجة عن واقع ثوري أنتج طريقة تفكير جديدة وأدوات تعبير لم تكن سائدة ورغبة في الحرية تمّ قمعها لعقود، واللحظة الرّاهنة كشفت عن تصدّع في العلاقة بين المواطن والمعارضة من جهة وبين الحاكمين من جهة أخرى. والأحداث الأخيرة (التجاذبات السياسية، التهم المتبادلة، العنف) التي وقعت في الدّولتين كشفت عن مسافة فاصلة بين المجتمع والحاكم وهي مؤشّر خطير يجب الوعي بتداعياته على مستقبل البلدين وذلك يتطلّب حكمة وتعقّلا وحوارا حقيقيا بعيدا عن الحسابات السياسيّة والوعي بأنّ الحكم ليس استحواذا على الدولة بمواطنيها ومواردها وإلاّ عدنا إلى الدرجة الصفر من الثورة، والواقع يكشف أنّ أخطر ما تركته السّلطات السابقة هو عقلية تكاد تكون ثابتة وهي النظر إلى الحكم على أنّه القدرة على الافتكاك والنفاق وتبرير الأخطاء وبيع الأوهام .مأزق الاقتصاد: من البديهي أنّ الدّولة التي لا تملك أسباب استقلالية اقتصاديّة تكون تابعة للقوى المسيطرة على السوق العالمية النفط، السلاح، المبادلات التجارية…، والعالم محكوم اليوم تقريبا بسيطرة القطب الرّأسمالي وما يقتضيه من سوق حرّة يقتضي الدخول إليها قوّة مالية وتقنية وموقعا فاعلا في العالم، وفي هذا الصراع المتواصل الذي تمارسه الدول للسيطرة على هذه السوق لم يكن للحاكمين الجدد في تونس ومصر تصوّر أوّلي للطريقة التي تمكّن من بناء منهج اقتصادي يبدأ بوضع الخطوات الأساسية للاستقلالية وللاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية في البلدين، فالحرية والديمقراطية لا تُبنيان من فقر وتبعية، والمواطن لم يعد قادرا على تحمّل ما عاناه طويلا ولم يعد يثق في الشعارات والخُطب السياسية التي تبرّر واقع الحال .فالمأزق الأول المطروح على الحكّام اليوم اقتصاديّ داخل الوطن وخارجه وهذا يتطلّب الوعي بأنّ الحكم ليس مقولات مجرّدة متعالية عن المطالب الحياتية الملحّة بل هو القدرة على تفعيل الممكن لصالح المواطن فلا يمكن تناسي أنّ السبب الأساس الذي فجّر الثورات كان اقتصاديّا اجتماعيّا تزامن معه مطلب الحرية والكرامة المفقودتين طوال سنوات. والحل هو وضع استراتيجية على الأقل مبدئيّة يتحاور فيها الفاعلون في المجتمع للبداية في تقليص الفقر والبطالة واللاعدالة ثمّ يأتي البرنامج على مدى قصير وبعيد حين تتركّز السّلط عند بداية العمل بالدستور الجديد .مأزق الاعتقاد: الصعوبة التي واجهت السّلط الجديدة تتمثل في العجز عن التوفيق بين مجتمع مدني يطالب بالحرية والقانون والديمقراطية وبين تيّارات سلفيّة تشرّع لمجتمع تحكم الشّريعة كل تفاصيله، وفي ذات الوقت ظهور سلفية جهاديّة ترى في القوّة أداة لتغيير المجتمع والحاكم، فإذا انحاز الحاكم إلى المجتمع المدني فهو لا يستطيع فرض أجنداته السياسيّة التي يزاوجها بالدّين وذلك يفرض عليه أن يسحب تدريجيّا بعض ما قام عليه المجتمع فيبدأ بالتضييق على الحريات ووضع حدود لا يمكن للثقافة وللإعلام وللإبداع تجاوزها، فالخروج عن الحاكم وعن المقدّس يصبح جريمة ممّا خلق صراعا بين الشّارع وبين ما يريد الحكام الجدد تأصيله من ثقافة جديدة تعيد التسلّط بعنوان جديد والأخطر انّه باسم الدّين، وفي ذات الوقت صنعت هذه السّلط فنّانين وكتّاب ومثقّفين تابعين أصبحوا مدافعين عن السّلطة الحاكمة حتّى لو كانت تسير في منهج مناقض لطموحاتهم الذّاتيّة، وهذا يمثّل مشكلا حقيقيّا لأنّ بعض مثقّفي العهود السابقة كانوا سببا مباشرا وخفيّا في تأصيل الاستبداد واللاعدالة، والحكّام الجدد مطالبون بالوعي بأنّ السّلطة ليست ترسيخا للمشروعية بالمديح وبالتزييف وببيع الأوهام بل بما تحقّقه للمجتمع وللبلاد من منجزات عجز عنها السّابقون .وفي سياق مأزق الاعتقاد يتمثّل الخطأ الذي وقعت فيه النهضة الحاكمة في تونس هو أنّها سمحت لمن هبّ ودبّ من الوعّاظ والمفتين من الخارج بالدخول إلى تونس والغريب أنّ معظمهم جاء بفتاوي غريبة مثل ختان البنات والفصل بين الإناث والذكور في كل مراحل التعليم… وآخرها تزويج الفتاة منذ بلوغها، فان كانت السلطة تريد إرضاء محبّي هؤلاء الشيوخ فهي خاطئة لأنّ من تربّيهم على هذه الثقافة سيكونون سببا في انهيارها وان كانت تريد إرضاء بعض الدول التي تصدّر هؤلاء الدعاة فمن الأفضل لها أن تستورد ما يحتاج له شعب لم يكن هدفه من الثورة البحث عن صيغة جديدة للتديّن لأنّ الدّول العربية لها جذور ممتدّة في التاريخ والحضارة والدين والفقه والاعتدال والدّليل الإرث العظيم في الطب والفلك والرياضات والفلسفة والفن والموسيقى والأدب إذ تمّ ترجمة الكثير منها إلى لغات أجنبية واستفادت منها الحضارات الأخرى، وما ينقصنا هو القدرة على تفعيل هذا المخزون ليكون فاعلا في الواقع الرّاهن وقادرا على مساعدتنا على تقديم حلول لمشاكلنا المستجدّة.الحلول الممكنة للمآزق: بيّنتُ في عديد المقالات أنّ هذه الثّورات ستقف عند الهيجان غير الواعي والذي ستصحبه الفوضى ومن ثمّة موتها لعدّة أسباب تتمثّل في أنّ الثّورات لم تنتج أرضيّة ثقافية وعقائدية واقتصادية وسياسية تصنع بها خارطة طريق تحدّد المراحل والرهانات مع كميّة التفقير والتجهيل واللاعدالة التي تركها الحاكم السابق بالإضافة إلى اللهفة القاتلة على عرش الحكم من الحاكم ومن المعارضة ومردّ هذا غياب ثقافة سياسية ترى في الحكم خدمة للوطن وللمواطن في ذات الوقت. والاهم هو أنّ الحاكم والمعارضة لا ‘يتفكّرون ولا يعتبرون’ من السّابقين الذين عشقوا العروش فأدخلتهم شعوبهم إلى مزبلة التاريخ لأنهم لم يكونوا خادمين للرعيّة بل متسلّطين على رعاع يسوسونهم بالخوف وبالقهر، والشّرط الضّروري للخروج من هذه المأزق هو محاولة نحت ثقافة سياسية جديدة ترى في المواطن الواحد أساس الوطن الذي يبنيه مواطنوه ومواطناته ولا يستورد من الخارج لأنّ استيراد التقنية والمعرفة والعلم سينتهي ذات يوم. على الجميع الاحتكام إلى حوار منتج وقبول الاختلاف والوعي بانّ الأيّام وكذلك العرش دُوَل وبأنّ العقل هو الذي يستطيع إيجاد الحلول لأنّه نقيض العنف والفوضى والمشاعر المنسابة دون حساب والتفاعل الوجداني مع الأشخاص والأحداث وهذا في ذاته مشروع كبير يجب الوعي بأهمّيته لتنقية العقل العربي ممّا أصابه من عطالة وتراجع وسلبيّة وتبعيّة أنتج ما نراه اليوم من صعوبات.إن البحث عن الحلول للمشاكل المتعددة لا يكون ممكنا في صراع حزبوي ضيّق وفي حسابات سياسويّة وفي تبعيّة للخارج وسيطرة العنف والإقصاء والتخوين والتّكفير لأنّها تدلّ كلّها على غياب ثقافة المواطنة الكاملة والحُكم الفاعل والمثمر، واستمرار هذه المشاكل سيكون سببا في تآكل الثّورات والعودة إلى الوراء ثقافة واقتصادا وسياسة وحرّية والبقاء في حلقة مفرغة فيتواصل الوجود العربي حربا ضدّ طواحين الرّيح .’ كاتب تونسي