بشق الأنفس تشكلت حكومة إسرائيلية جديدة، وهي عبارة عن مزيج من الأحزاب السياسية التي ليس لديها الكثير من القواسم المشتركة، فهي مزيج من أحزاب تنتمى إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار، اجتمعت كلها على الإطاحة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصف بالأقوى إسرائيليا خلال السنوات العشر الأخيرة.
خريطة الحكومة الجديدة تتوزع بين رئيس الوزراء نفتالي بينيت، من حزب «يمينا» يقود الحكومة هذا القومي المتطرف الذي يؤيد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، أما وزير الخارجية يائير لبيد، من حزب يسار الوسط «هناك مستقبل» فيعتبر مخطط الحكومة ومهندسها، وهو صاحب القوة الأكبر بين الأحزاب المشاركة، أما وزير الدفاع بيني غانتس فهو الشخصية الأقوى في الحكومة، يرأس حزب الوسط «أزرق-أبيض» أما وزير المالية أفيغدور ليبرمان المهاجر اليميني المتطرف الذي يعيش في مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، أما وزير العدل جدعون ساعر منافس نتنياهو في حزب الليكود إلى حين انفصاله وتشكيله لحزب «أمل جديد» وأخيرا منصور عباس القادم من القائمة العربية الموحدة التي يتزعمها عباس والتي تكون أول حزب من الأحزاب العربية داخل الخط الأخضر يشارك في حكومة إسرائيلية.
كيف تنظر السلطة الفلسطينية لهذه التشكيلة العجائبية؟ كيف تراها وما هي رؤيتها للتعامل معها في ضوء جملة من المتغيرات الفلسطينية والأمريكية والإسرائيلية أيضا؟ رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في تصريحات صحافية قال «نحن لا نعتبر الحكومة الإسرائيلية الجديدة أقل سوءا من سابقاتها» فيما بيان وزارة الخارجية الفلسطينية قال إن سياسات الحكومة الإسرائيلية الجديدة «لن تتغير» و»إن لم تكن أسوأ» وجاء في البيان «من غير الدقيق تسميتها حكومة تغيير، إلا إذا كان المقصود بالتغيير إزاحة نتنياهو، أما بالنسبة لسياساته فتقديرنا أنها لن تتغير إن لم نشاهد أسوأ منها».
وتبدو الملفات الأكبر التي تحدد موقف السلطة الفلسطينية من الحكومة الجديدة مرتبطة بموقفها من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية، وملف الاستيطان الاحتلالي وعمليات الضم ولا سيما وأن جانبا كبيرا من أعضاء الحكومة متعصبين ويقودون ملف الاستيطان في الضفة الغربية، وملف مدينة القدس ووضعها التاريخي والقانوني، والاتفاقيات الموقعة بدءا من أوسلو وكل تبعاته، ومجمل قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وملف قضية حل الدولتين والمفاوضات على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام.
وجاء في بيان الخارجية الفلسطينية أن الحكم على هذه الحكومة سيتم بناء على موقفها من جميع القضايا سابقة الذكر.
ليست تكرارا لسابقتها
عصمت منصور المحلل في الشأن الإسرائيلي يرى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة مختلفة عن سابقتها، «غير صحيح أنها تكرار لسابقتها حتى لو تشابه نهجها» هناك معطيات كثيرة تؤكد وتدلل على انها حكومة مختلفة.
وتابع منصور: «صحيح هي حكومة يمينية متطرفة لكنها حكومة مكبلة، إنها نتاج مجموعة من الأحزاب: حزبين يسار/حزبين يمين، بالإضافة إلى حزب عربين وكل حزب يمتلك حصة متساوية في التأثير على القرارات الحكومية، وبالتالي ستكون كمن يمشي على خيط رفيع في قراراتها الجديدة» وهذا داخليا حتى لو اتفقت على أنها متشددة في الملف الفلسطيني.
أما على مستوى الجانب الأمريكي وعلاقة هذه الحكومة مع إدارة بايدن ستكون بحسب منصور «مطيعة أكثر للإدارة الأمريكية، أكثر من حكومة نتنياهو الذي كان قويا وله حضور فعال هناك» فالحكومة الجديدة لا تمتلك القوة ولا الحضور في البيت الأبيض، وبالتالي ستكون الكوابح الأمريكية أكثر فعالية معها، وهذا سيجعل من نهجها أكثر اعتدالا بحيث تنحو تجاه التنازلات لا مقاربات التصعيد، وربما نجدها أقل عدوانية فيما يخص الفلسطينيين أيضا.
ويرى منصور ان موجة الحرب الأخيرة أثرت على الجمهور الإسرائيلي الذي بدوره سيؤثر على حكومة «غير مستقرة/أحزاب متنوعة» فلا يجب التقليل من حجم الصدمة التي تلقاها الإسرائيليون خلال الحرب الأخيرة، مشهد قصف تل أبيب سيظل عالقا في ذهن الإسرائيلي، وهو أمر سينعكس على أداء الحكومة وقراراتها، وبالتالي يمكن أن يلمس على أرض الواقع.
وعن نقاط القوة بالحكومة الإسرائيلية فيشير منصور إلى أن اللاعب الرئيسي في هذه الحكومة هو غانتس وزير الدفاع، الذي قال أكثر من مرة بما يشبه تأكيده على رؤية ونهج سيؤثر على الحكومة أنه مع تقوية تيار السلطة، يصفه بتيار الاعتدال والبراغماتية، ولكن هذا لن يدفع بأن تسير الحكومة بخطوات سياسية تجاه عملية سلام مثلا، لكن مجال التأثير سيكون على علاقة الحكومة مع السلطة من ناحية تحسين الوضع الاقتصادي وتقديم مساعدات لتقوية السلطة وبما يضمن استمرارها، أي استقرار أو هدوء بلا تحديات او عقبات تقود لتغيير كبير، وهذا جزئيا يتقاطع مع رؤية الأمريكان لإدارة هذا الملف.
رؤية السلطة لم تتغير
الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية إبراهيم ربايعة يعتبر أن موقع السلطة اليوم على خريطة العلاقات الدولية انتعش بفعل التواصل الأمريكي، فالنظام السياسي الفلسطيني استعاد حضوره الإقليمي والدولي وهو يعول كثيرا على الإدارة الأمريكية الجديدة في الدفع بملف المفاوضات وعملية السلام.
لكن الرؤية الفلسطينية لهذا الصراع بحسب ربايعة لم تتغير، فهي تدور مع مقاربة حل الدولتين، والبحث عن منفذ لتحريك عملية السلام وعقد مؤتمر سلام دولي والبحث عن لاعبين دوليين ينخرطون في تحريك ملف المفاوضات. وهي ذات الأدوات والمقاربات والحركة على ذات المساحة فلا جديد على محددات السياسة الفلسطينية وتحديدا في علاقة السلطة مع إسرائيل.
وتابع: «لا يوجد أي مؤشر يدلل على الخروج عن هذه السياسة التي هي سياسة أمريكية أوروبية وهي تتعامل مع القضية الفلسطينية من باب إدارة عملية السلام وليس البحث عن حل للصراع يقود للخلاص منه».
يصف ربايعة الحكومة الإسرائيلية «بالمربكة» وبالتالي هي حكومة لن تكون قادرة على تغيير النظرة للملف الفلسطيني، وهي حكومة لا يمكن وصفها بحكومة تمثل إسرائيل، وهي ليست حكومة مستقرة بحيث تتأثر كثيرا بتفاعلات الساحة الداخلية الإسرائيلية، وهو ما يجعل من الرهان عليها أو على إحداث أي تغيير جذري تجاه الفلسطينيين بالأمر المعجزة. المؤشرات تقول بحسب ربايعة بأنها «حكومة لا يمكن أن تعمر كثيرا».
ويرى ربايعة أن الرهان الفلسطيني حاليا على الإدارة الأمريكية فقط، لكن الأخيرة تقرأ الحكومة الإسرائيلية جيدا وتدرك انها لا تتحمل أي ضغط لكونها ستكسر وتحديدا في ظل وجود معارض قوي متربص بها وسيستغل أي فرصة للإيقاع بها وتفجيرها، من خلال التلاعب بمحددات السياسة الداخلية الإسرائيلية أو الخارجية كذلك، فهي حكومة لا يتوقع منها أن تكون قادرة على إبرام صفقة تبادل أسرى مع المقاومة الفلسطينية. حكومة التسويات ستكون نتائجها ضعيفة ولا تمتلك هامش مناورة كبير.
ويؤكد الباحث ربايعة أن التغير الحاصل في إسرائيل لن يفيد السلطة، الرياح جاءت بما لا تشتهي، فهي حكومة لن تمنحها الكثير إلا بما يضمن بقائها، الرهان على الجانب الأمريكي لكنه ما زال «جنينيا» (أي الدور الأمريكي بتحريك عملية سلام) لكننا لا نرى أي فرصة لتطور درامي يغير الأشياء فعليا.
رؤية ونهج جديدين
في ضوء ذلك يرى المحلل السياسي عصمت منصور أن رؤية السلطة ومساحة حركتها ليس التأثير على الحكومة الجديدة بل «تمضية الوقت وكسبه».
ويؤكد أن السلطة ليست بوارد الاستفادة من كل ما جرى فلسطينيا من حالة نضالية تاريخية، أو على الأقل ما يلوح بالأفق من سياسة عبر التصريحات والمواقف.
عن ذلك يكمل ربايعة قائلا: «السلطة تعاني من أزمة بنيوية وبدون حل أزمتنا الحالية لا يمكن الحديث عن استراتيجية أو رؤية فلسطينية مواجهة وضاغطة ومقاومة عبر تفعيل المقاومة الشعبية مثلا، بشكل جدي وفاعل وخلاق».
«نحن بحاجة إلى توافق وطني وهو أمر متعثر، وبدون الانخراط بذلك يصعب الخروج برؤية قادرة على قراءة التغيير في الحكومة الإسرائيلية أو غيرها والاستفادة والاستثمار فيه» كما قال ربايعة.
«فعليا نحن نستنزف» بحسب ربايعة، فالانقسام ومخرجاته وحالة الاحتراب الداخلي أصبحت معضلة تؤخر كل ما يمكن البناء عليه والمراكمة فيه من نضال وطني وأثمان وطنية ندفعها بفعل نضالنا اليومي، هذه معضلة ولا يمكن استعادة قوتنا إلا بالتوافق الوطني.
المحلل عصمت منصور يشير إلى أن هناك فرصة للضغط على الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لكن ذلك يتطلب نهجا جديدا ورؤية لفعل مختلف وغير تقليدي، وهذا مفيد في التعامل مع الحكومة الإسرائيلية وفي التأثير على قلب سياسة التنصل الأمريكية من الملف الفلسطيني، «يمكن فعاليا الضغط على الإدارة الأمريكية بخلق تحدي أمامها، لكن لا بوادر فلسطينية للقيام بذلك».
وعن سلوك السلطة وردها على السياسات اليمينية التي يتوقع أن تنهجها وتحديدا في موضوع الاستيطان والسيطرة على مناطق «ج» يؤكد ربايعة أن مساحة الاشتباك وأدواته هي ذاتها التقليدية والقديمة أي مفردات القانون الدولي والمجالس الدولية المتخصصة وبعض مظاهر المقاومة الشعبية، لن يجري أي خروج على قواعد اللعبة، القواعد ذاتها وممنوع الخروج عنها.
يختم ربايعة كان يمكن، وهناك فرصة ماثلة للخروج على «قواعد اللعبة السياسية» ورفع السقف الفلسطيني لكننا حتى اللحظة لا نرى ذلك، «أرى شخصيا أنه لا يجب العودة للمربعات ذاتها، نحن بحاجة لورشة وطنية كبيرة تضم كل الفلسطينيين حتى نخرج برؤية جديدة قبل أن نذهب بعملية تفاوض جديدة» حيث يشاع حاليا أن هناك جهودا تبذل لبناء حالة تفاوض فلسطينية-إسرائيلية.