شاهد الفلسطينيون في القدس يوم الثلاثاء وبشكل واضح ضآلة الاختلاف منذ تولي ما يسمى بـ «تحالف التغيير» الإسرائيلي السلطة الذي يتزعمه اليميني نفتالي بينيت والوسطي يائير لابيد، حيث راقبوا ضباط الشرطة يغلقون وسط البلدة القديمة حتى يتسنى للمتطرفين اليهود التلويح بالأعلام الإسرائيلية والهتاف «الموت للعرب» خارج منازل سكانها الفلسطينيين. وقال أحمد الطيبي، عضو القائمة المشتركة، للصحافيين قبل المسيرة: «يبدو أنه في هذه القضايا – الوطنية والسياسية – لا يوجد تغيير كما يدعون» لأن الحكومة الجديدة اتخذت نفس القرار الذي اتخذته الحكومة السابقة بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وهو السماح بالمسيرة.
وبعد تداول مقطع فيديو لهتاف «الموت للعرب» ومقاطع أخرى تمجد التطهير العرقي والقتل، أشاد أحد قادة التحالف الإسرائيلي بالشرطة لتأمينها المسيرة لكنه استنكر دعوة المتطرفين الدينيين الشباب إلى قتل سكان المدينة غير اليهود. ويقول روبرت ماكي من موقع «ذا انترسيبت» (16/6/2021) إن هذا هو مدى التغيير الذي توفره حكومة ما بعد نتنياهو في إسرائيل: تسهيل مسيرة عنصرية تهدف إلى إحباط وترويع ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي بدون حقوق متساوية ثم الشعور بالاستياء من تصرفات المشاركين فيها. وبدا هذا واضحا من موقف يائير لابيد، وزير الخارجية الإسرائيلي الجديد الذي جمع «ائتلاف التغيير» حيث كتب مغردا بالعبرية بأنه كان لا بد من السماح للمسيرة السنوية أمام منازل الفلسطينيين للاحتفال بالاحتلال العسكري الإسرائيلي للمدينة القديمة في عام 1967 لكنه شجب الهتافات العنصرية، ذلك على الرغم من أن تلك الهتافات تسمع كل عام.
ولم يبال الفلسطينيون وأنصارهم بانتقاد لابيد، والذي أرفقه بالثناء على الشرطة، ولم يشر إلى مقاطع فيديو انتشرت بشكل كبير وأظهرت ضباطا إسرائيليين يهاجمون الفلسطينيين، بعضهم لمجرد رفع علمهم أو التنظيف بعد المسيرة. ورفض الناشط الفلسطيني-الأمريكي علي أبو نعمة تعليقات لابيد من خلال مقارنتها بنوع من أفلام السيرة الذاتية الإسرائيلية المعروفة باسم «إطلاق النار والبكاء» حيث يروي الصهاينة الليبراليون محنتهم الشخصية من حيث اضطرارهم إلى القتال في حروب إسرائيل. وأشارت نوران الحمدان، الزميلة الباحثة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إلى المعايير المزدوجة لبعض المدافعين عن إسرائيل. وكتبت: «يجبر الفلسطينيون باستمرار على توضيح ما يقصدونه بعبارة من النهر إلى البحر وحتى عندما يتم توضيح ذلك، تمتحن نواياهم، وفي الوقت نفسه، لا يجد جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي أي مشكلة في عبارة الموت للعرب، بل يقال لنا: إنهم لا يقصدون ذلك حقا، ويتوقع منا أن نتسامح مع الفاشيين لأنهم قد يكونون غير متعلمين، أو هذا ما تعلموه ولا يعرفون أفضل منه، بينما يبذل الصهاينة وأنصار إسرائيل قصارى جهدهم لتدمير حياة الفلسطينيين على أساس كلمات قالوها».
سيرة شخص متعجرف
ويجب علينا ألا نندهش مما حدث وسيحدث. فحكومة الائتلاف الجديدة هي توليفة قام لابيد الذي كلفه الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلين بتشكيلها بعد تعثر نتنياهو تشكيل الحكومة بعد انتخابات آذار/مارس 2021 تتشكل من مجموعة من الأحزاب المتنافرة والتي اتحدت بهدف واحد وهو إقصاء نتنياهو عن الحكم، فهذا الأخير رغم ما قدمه من إنجازات اقتصادية ودفع للتكنولوجيا وفتح علاقات مع الجوار العربي، أصبح شخصية مكروهة حتى لتلامذته الذين عملوا معه طوال سنواته وكتب نهايته بنفسه، وهو ما أفصحت عنه كل التحليلات التي نشرت نعيه الأخير والتظاهرات التي خرجت تعبر عن فرحها بنهاية عهد أطول رئيس للوزراء، وهي التظاهرات التي لم تتوقف طوال الفترة الماضية أمام مقر إقامته.
وكتب السفير الأمريكي السابق مارتن أنديك في «فورين أفيرز»(15/6/2021) مقالا حول إرث نتنياهو وما يمكن للحكومة الحالية عمله. وقال فيه إن نتنياهو رحل في 13 حزيران/يونيو بأضيق هامش ممكن 60 مقابل 59. وقال إنه ظل يهيمن على السياسة الإسرائيلية لدرجة أنه كان من الصعب تخيل أن أي شخص يمكن أن يحل محله. ويمكن لنتنياهو الزعم كما يقول أنديك أكثر من مجرد الحفاظ على منصبه، فقد ساعدت سياساته «الريغانية» المتعلقة بالخصخصة وإلغاء القيود والتخفيضات الضريبية وتقليل البيروقراطية والإصلاحات المصرفية على النمو الاقتصادي وتمويل صعود الصناعات التكنولوجية الفائقة في إسرائيل، على الرغم من أنها زادت من عدم المساواة. وخلال فترة ولايته، تم إيجاد مليون وظيفة جديدة، ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50 في المئة، وتضاعفت الصادرات. وعلى الرغم من أنه أخطأ في إدارة جائحة كورونا في وقت مبكر، إلا أنه حصل على عدد هائل من اللقاحات ووزعها بسرعة. واستغل نتنياهو قدرات إسرائيل الاستخباراتية الهائلة وقوتها العسكرية، وسمعتها باعتبارها «دولة الشركات الناشئة» في توسيع دور إسرائيل على المسرح العالمي فازدهرت العلاقات مع الهند والصين وروسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكذلك الأمر بالنسبة للتعاون مع الدول العربية في مجال مواجهة إيران. وعلى الرغم من تخريب العلاقات مع الأردن، إلا أن الذروة بالنسبة لنتنياهو كانت تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب تحت مظلة اتفاقيات إبراهيم الموقعة عام 2020.
ولكن الإنجازات الكثيرة ساهمت في الكشف عن نرجسيته وتعجرفه وتشككه. وكانت هذه هي العيوب التي أدت إلى فشله وتفسر إخفاقاته في العلاقات مع أمريكا والفلسطينيين، وكلاهما تركهما في حالة سيئة.
تخريب العلاقة مع أمريكا
ففي حالة أمريكا التي تعتبر أهم مصدر لدعم إسرائيل، والتي لولا دعمها لما كان أي من إنجازاته على المسرح العالمي ممكنا، فقد كان دعم إسرائيل دائما نابعا من الحزبين وهو النهج الذي حاول جميع رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين التأكيد عليه. ولكن مع تزايد الاستقطاب في السياسة الأمريكية، اختار نتنياهو عمدا، الوقوف إلى جانب الجمهوريين وناخبيهم الإنجيليين واليهود الأرثوذكس. وشكك بمصداقية اليهود الليبراليين، الذين يشكلون الجزء الأكبر من الجالية اليهودية الأمريكية وهم الدعامة الأساسية للحزب الديمقراطي وتخلى عنهم.
وحرض نتنياهو الجمهوريين ضد الديمقراطيين في محاولته الفاشلة لإحباط الاتفاق النووي الإيراني، ثم تبنى سياسات دونالد ترامب المثيرة للانقسام، وجر الرئيس السابق إلى محاولاته اليائسة لإعادة انتخابه. ونال مقابل ذلك هدايا من ترامب مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتراف أمريكا بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، لكن هذه التدخلات لم تكن كافية لمساعدته على تحقيق الأغلبية والحفاظ على منصبه. وفي أيار/مايو 2021 حصد ما زرع عندما انتقد الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي بشدة ضرب غزة ردا على صواريخ حماس، ودعا إلى فرض شروط على المساعدة العسكرية الأمريكية، مع أنه تم تحذير نتنياهو مرارا من خطأ وضع كل بيض إسرائيل في سلة الجمهوريين، لكنه اعتقد أنه يعرف السياسة الأمريكية بشكل أفضل.
وهم إضعاف الفلسطينيين
ويعتقد أنديك أن خطيئة نتنياهو الكبرى أو تدميره الذاتي الذي سيترك أثره على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية كانت معالجته للقضية الفلسطينية. في عام 1998 خلال فترة ولايته الأولى كرئيس للوزراء، دعم على مضض الصفقة المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو عام 1993 – الأرض مقابل السلام. وبعد عودته في 2009 تحدث عن حل الدولتين لكنه لم يكن مستعدا للمخاطرة بقاعدته لتحقيقه. وبدلا من ذلك، انتهج سياسة فرق تسد تجاه الفلسطينيين، واعتقد أن بقاء حماس في غزة سيضعف محمود عباس في رام الله وعمل على ضمان توسع الاستيطان بالضفة الغربية. وتلاعب بالجمهور الإسرائيلي للاعتقاد بأنه ليس لديهم شريك في الجانب الفلسطيني وبالتالي لا يحتاجون إلى تقديم تنازلات لدفع عملية السلام. ونجح في هذا حيث لم يطرح النزاع مع الفلسطينيين في الحملات الانتخابية الأربع الأخيرة. بل فرض رؤيته على فريق ترامب الساذج بقيادة صهره جاريد كوشنر، الذي نسخ مفهومه لحل الدولتين فيما أسماه الرئيس «صفقة القرن». وتضمنت الخطة ما أسماها نتنياهو «دولة ناقصة» للفلسطينيين. فولدت مبادرة ترامب ميتة ولكنها خدمت أغراض نتنياهو الذي كان يأمل أن التهديد بالضم سيجبر الفلسطينيين على قبول عرض ترامب وعندما لم يحصل هذا كما زعم، قال إنه يستطيع إقامة علاقات تطبيع مع دول عربية- الإمارات، البحرين، السودان والمغرب بدون أي تنازلات للفلسطينيين.
ماذا يمكن لتلامذته فعله؟
جرى الترحيب بحكومة بينيت على أنها بداية جديدة ولكنها ليست جديدة في الأمن والتعامل مع الضفة وغزة، كما ورد في تقرير بصحيفة «نيويورك تايمز» (13/6/2021) فهذا الائتلاف المتنافر سيلتزم بالخط الرسمي فيما يتعلق بالأمور الأمنية وهي القضايا التي سيطر عليها بشكل مطلق نتنياهو منذ عام 2009. ومعظم أعضاء الفريق الأمني لبينيت عملوا في الماضي بمراكز بارزة في حكومات نتنياهو ودعموا سياساته. ولأن الحكومة الحالية تتكون من عدة أحزاب تمثل أطيافا سياسية متعددة ومختلفة في النظرة فمن المتوقع ألا تقوم بخطوات جديدة حول القضايا الجدلية والمهمة- النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني ومسألة إنشاء دولة فلسطينية مستقلة واستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. ولن تتوقف إسرائيل عن سياستها فيما تطلق عليها «الحرب بين الحروب» على الحدود القريبة منها، ويشمل هذا شن غارات جوية لمنع الوجود العسكري الإيراني وحزب الله في سوريا وتطوير الأسلحة المتقدمة ضد الجماعة الشيعية اللبنانية. وشكل السياسة وزير الدفاع الحالي، غانتز عندما قاد الجيش الإسرائيلي إلى جانب آخرين.
ويمكن للقادة الجدد إحداث بعض التغييرات ليميزوا أنفسهم عن نتنياهو والإنحراف عن مساره في مجالات مثل العلاقات مع السلطة الوطنية الفلسطينية التي حاول رئيس الوزراء السابق إضعافها. وصورة عن التحول قد تكون من خلال اتباع توصية الجيش في نهاية المواجهة العسكرية الأخيرة مع حماس، بمنع تدفق التمويل من قطر إلى غزة وتحويله مباشرة إلى السلطة الوطنية مما قد يحرف ميزان القوة بينها وحماس. وبدا واضحا في رفض إسرائيل وصول المساعدة القطرية الشهرية للقطاع، ورأت مجلة «فورين بوليسي» (15/6/2021) أن هذا جزء من نقل الملف من قطر إلى محور مصر- الإمارات.
ويعتقد أنديك أن الحكومة الجديدة هي ائتلاف لتهدئة الأمور والتركيز على الأمور التي تهم الإسرائيليين مثل التعافي الاقتصادي بعد الوباء وتحسينات في الرعاية الصحية والبنية التحتية والتعليم ومكافحة الفقر (أكثر من واحد من كل خمسة إسرائيليين لا يزال يعيش تحت خط الفقر). هذه هي قضايا يمكن لجميع أعضاء التحالف الاتفاق عليها. كما اتفقوا على توجيه موارد اقتصادية كبيرة للقطاع العربي المهمل، مما سيساعد في تعزيز الدعم العربي للتحالف. وستظل الحكومة في خطر الانهيار، وبسبب الأغلبية الضئيلة، يمكن لأي واحد من الأحزاب الثمانية فيه إسقاط الحكومة. كما أن سلطة رئيس الوزراء محدودة، فهو لا يستطيع طرد أعضاء مجلس الوزراء إلا من حزبه ولا يمكنه التصرف إلا بموافقة رئيس الوزراء البديل. وستشكل المستوطنات اختبارا مبكرا لهذا التوازن الصعب. ومن غير المرجح أن يرحب رئيس الوزراء بأي مبادرة لإعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية حول اتفاقية الوضع النهائي. وهذه ليست مشكلة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، التي لا تولي أهمية كبيرة للفكرة. لكن بايدن سيرغب في رؤية بعض الخطوات الأولى الهادفة في اتجاه حل الدولتين، وهو أمر يعارضه بينيت بشدة. في الماضي، اقترح بينيت «حكما ذاتيا يعتمد على المنشطات» حيث تشجع إسرائيل من خلاله التحسينات في الاقتصاد الفلسطيني، والبنية التحتية للضفة الغربية، وإنشاء مناطق صناعية لتعزيز العمالة الفلسطينية. ومع أن سياسات نتنياهو أبعدت حلم الدولة الفلسطينية إلا أنها وحدت الفلسطينيين كما كشفت أحداث الأقصى والضفة والقطاع وداخل إسرائيل في الشهر الماضي. وفي النهاية لا بد من التصدي لمسألة استعمار إسرائيل للأراضي الفلسطينية كما يقول ديفيد غاردنر بصحيفة «فايننشال تايمز» (16/6/2021). وإن كان الفارق ضئيلا بين نتنياهو وتلامذته في القدس، فقد تبعوا مثاله في مواصلة ضرب غزة باسم محاربة البالونات الحارقة، وهي وسيلة الائتلاف الجديد لتعزيز مصداقيته لدى الرأي العام الإسرائيلي والتأكيد أنهم أفضل من «السيد أمن» كما كان يعرف نتنياهو والذي ظل يقول إنه الضامن الوحيد لأمن إسرائيل.