الخرطوم ـ «القدس العربي»: بينما يقترب الجيش السوداني من فرض سيطرته على منطقة وسط الخرطوم، أعلنت الحكومة، أمس الأحد، إطلاق حوار وطني شامل لكل القوى السياسية والمجتمعية، مبدية ترحيبها بكل من «يقف موقفاً وطنياً ويرفع يده عن المعتدين (الدعم السريع)» و«ينحاز للصف الوطني» وذلك بعد يوم على خطاب لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، أثار ردود فعل من القوى السياسية.
وأعلنت وزارة الخارجية إجراء تعديلات في الوثيقة الدستورية والاتجاه إلى تشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة. وقالت إن الخطوة تأتي في إطار استئناف مهام الفترة الانتقالية، وإعانة الدولة على تجاوز تبعات الحرب.
وبينت أن الدعوة إلى الحوار جاءت في أعقاب النجاحات التي حققها الجيش والقوات المشتركة والمساندة وتضييق الخناق على «الدعم السريع» وبعد مشاورات واسعة مع القوى الوطنية والمجتمعية.
ودعت المجتمع الدولي خاصة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لدعم خريطة الطريق باعتبارها تمثل توافقا وطنيا لإرساء السلام والاستقرار في البلاد واستكمال مهام الانتقال.
خطاب البرهان
والسبت، أكد البرهان، إجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية وتشكيل حكومة حرب أو تصريف أعمال مكونة من الكفاءات الوطنية المستقلة دون منع رئيس الوزراء من تكوين هيئات استشارية وأجسام مساعدة.
وقال خلال خطاب في ختام مشاورات عقدتها قوى سياسية ومجتمعية بشأن خاريطة الطريق للحوار السوداني ـ السوداني، في العاصمة الإدارية بورتسودان، إن التعديلات التي تجرى على الوثيقة الدستورية تجعلها مختلفة عما كانت عليه عند توقيعها مع الشركاء السابقين.
دعا إلى أن يشمل الحوار الجميع وترك الباب مفتوحاً أمام كل شخص اتخذ موقفاً وطنياً، أو تبرأ من الدعم السريع».
ودعا تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم» إلى «التوبة ورفع يدها عن الدعم السريع» في حين أغلق الباب أمام حزب المؤتمر الوطني ـ الحزب الحاكم السابق ـ للعودة الى السلطة، مطالبا إياه بوقف المزايدات.
وأكد أنه لا يرغب في معاداة الآخرين بسبب آرائهم، نظراً لأن أي شخص له الحق في التحدث ضد النظام وانتقاده، لكنه لا يملك الحق في المساس بثوابت الوطن. فيما وجه إدارة الجوازات بعدم منع استخراج الجوازات ووثائق الهوية، قائلاً: «هذه الحقوق يجب أن تفتح باب العودة، ونحن مستعدون لاستخراج جواز لأي شخص عائد طالما هو سوداني». وفي خطابه كشف البرهان عن وجود تجاذبات سياسية خاصة من حزب المؤتمر الوطني الذي طالبه بالابتعاد عن المزايدات وخاطب قادته بالقول: «لن تجدوا فرصة أخرى للحكم على أشلاء ودماء السودانيين».
وشدد على أن الجماعات التي تقاتل مع الجيش ضد «الدعم السريع» أفرادها وطنيون وسودانيون، ولا يوجد بينهم من يسعى لتحقيق مكاسب من القتال.
وأضاف: «المؤتمر الوطني، إذا كان راغبًا في الحكم، فعليه تنظيم نفسه للانتخابات ومنافسة القوى السياسية، لكن في هذه المرحلة لن يفرض أي تنظيم وجوده».
الخارجية تحدثت عن تعديلات في الوثيقة الدستورية والاتجاه لتشكيل حكومة كفاءات
وأشار إلى تلقيهم دعوات لوقف إطلاق النار خلال شهر رمضان، بغرض إيصال الإغاثة إلى الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، موضحاً أنه رفض تلك الدعوة.
ولفت إلى أن وقف إطلاق النار يتطلب انسحاب «الدعم السريع» من الخرطوم وغرب كردفان وولايات دارفور، وتجميع قواتها في مواقع محددة، مؤكداً أنهم لن يتفاوضوا معها طالما أن عناصرها لا تزال متمركزة في منازل المدنيين وتحاصر الفاشر وتقطع طريق الجنينة في غرب دارفور.
وآثار خطاب البرهان جدلاً واسعا في الأوساط السياسية في البلاد، إذا رأى البعض أنه «إيجابي» ويمهد لعملية حوار مع القوى السياسية، بينما نظر إليه البعض الآخر باعتباره تنكراً لمواقف الإسلاميين المساندة للجيش في الحرب. آخرون قالوا كذلك إن قائد الجيش لا يزال يناور ويسعى عبر حديثه الأخير لإيصال عدة رسائل للمجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي وبدأ خطوات نحو استعادة السودان عضويته التي فقدها منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021م.
وقال حزب «المؤتمر الوطني» ـ الحزب الحاكم السابق ـ إن «اتهام البرهان لحزبنا بأنه يريد أن يحكم أو يعود للحكم على أشلاء السودانيين يكذبه التاريخ القريب في التغيير أبريل/نيسان 2019 حينما قررنا التنحي السلمي عن السلطة» في ذاك العام أطاحت الثورة الشعبية بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير وحزب «المؤتمر الوطني». وأشار إلى تقديره لموقف البرهان وقيادته للجيش في الحرب التي أكد أنه في حال انتهائها لن يستطيع أحد مصادرة إرادة الحزب، مبيناً ترحيبه بـ«الاحتكام» لصناديق الاقتراع.
في المنحى ذاته أبدى عدد من شباب الإسلاميين امتعاضهم من حديث البرهان، وقال عمار حسن المتحدث السابق باسم «المقاومة الشعبية» التي انخرطت في القتال إلى جانب الجيش عبر تدوينة له على «فيسبوك»: إن «الإسلاميين رغم كل ما قدموه من دعم وإسناد وتضحيات فهم عدو استراتيجي عندهم (قيادة الجيش) أما قوى الحرية والتغيير و(تقدم) وبكل التواطؤ والخذلان وموالاة التمرد فهي عندهم عدو مرحلي ويمكن القبول بهم في أي وقت» مشدداً على عدم قبولهم المزايدة من «الآخرين مهما كانوا». في الموازاة، علق القيادي في تنسيقية «تقدم» ياسر عرمان، على خطاب البرهان قائلاً إن «الحديث عن تقدم والحرية والتغيير ورفع يدهما عن الميليشيا للترحيب بهما، كما ذكر القائد العام، حديث من فقه دعاية الحرب ولم يقدم جديدا». لكنه اعتبر أن البرهان انتقل من خطاب النصر المطلق إلى رحابة حديث السياسة الذي يقود للبحث عن الحلول.
وجزم عرمان بعدم قدرة الجيش أو «الدعم السريع» على تحقيق «نصر مطلق» في الحرب. وقال في مقال: «إن استراتيجية الطرفين يجب أن تتجه نحو الحل السلمي، آخذين في الاعتبار التجارب السابقة الأقل اتساعاً من حرب 15 أبريل/نيسان 2023، وقدرات الطرفين الحالية وتحالفاتهم الداخلية والخارجية الماثلة للعيان».
اختراق كبير
في حين رأى المحلل السياسي مجدي عبد القيوم في تصريح لـ«القدس العربي» أن خطاب البرهان في شكله العام يفتح الأوضاع في البلاد على مشهد جديد ويؤسس لمرحلة حتمية، وفقا لمعطيات الواقع ويمكن القول أنه «خطاب رجل دولة بامتياز».
وأشار إلى أن الخطاب لم يستخدم مصطلح الاسلاميين وإنما قصر المسألة على المؤتمر الوطني وهذا له دلالاته، وألمح إلى أن تعليقات الإسلاميين تماهت مع ما ورد في الخطاب ولم تجنح نحو الرفض القاطع.
وبين أن تعليق ياسر عرمان تحلى بالموضوعية والاتزان، داعياً عناصر «تقدم» إلى التعاطي بمسؤولية، خاصة أن خطاب البرهان أرسل رسائل مهمة ومطمئنة تجاه هذا التحالف كهيئة وأفراد. وأشار بوضوح حتى إلى الحقوق الدستورية وترك الأمر للقضاء وفتح منفذاً واسعاً بقوله إن الدولة على استعداد لمد يدها حال غيروا موقفهم السياسي» وفق عبد القيوم، الذي اعتبر ذلك «اختراقا كبيرا».
ميدانياً قال مصدر لـ«القدس العربي» إن الجيش دفع بتعزيزات عسكرية إضافية إلى مقر القيادة العامة بهدف الانفتاح غرباً وتنظيف منطقة وسط الخرطوم التي تضم القصر الرئاسي والوزارات السيادية والسوق العربي. وأكد اقتراب الجيش من إحكام سيطرته على المنطقة، مبيناً أن قوات سلاح المدرعات المتقدمة من جنوبي العاصمة وصلت إلى المنطقة الصناعية والمداخل الجنوبية المؤدية إلى قلب المدينة بينما لا تزال هناك قوات أخرى تابعة في النواحي الشمالية الشرقية عند منطقة المقرن.
وأوضح أن الخطوة المقبلة ستكون الالتحام بين هذه القوات عند القصر الرئاسي الذي استولت عليه «الدعم السريع» منتصف أبريل/نيسان عام 2023.
وفي الولاية الشمالية، هاجمت قوات «الدعم السريع» عبر عدد من المسيرات الانتحارية مدينة الدبة للمرة الثالثة خلال أسبوع وتصدت لها الدفاعات الأرضية دون وقوع خسائر في الأرواح والعتاد وذلك حسبما أفادت قيادة الفرقة (19) مشاة التابعة للجيش.
أضغاث أحلام
وتعتبر مدينة الدبة مركزا تجاريا مهما في البلاد، وعسكريا واستراتيجيا بالنسبة للجيش حيث يقوم عبرها بتسيير قوافل إلى دارفور. ووفقاً لمصدر عسكري تحدث لـ«القدس العربي» فإن القوة المشتركة للحركات المسلحة وصلت خلال الأيام الماضية بأعداد ضخمة للمدينة استعداداً للمشاركة في القتال في إقليم دارفور غرب البلاد.
وفي مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، قال حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي إن «الدعم السريع» تمارس إبادة جماعية منظمة بأسلوب انتقائي في المدينة ومعسكرات النازحين المحيطة بها.
وأكد في منشور على منصة «إكس» بأن «حلم الدعم السريع في السيطرة على إقليم دارفور أصبح، مجرد أضغاث أحلام».
وأضاف «لن نسمح لهم بدخول المدينة طالما نحن على قيد الحياة وسنمضي في طريقنا لتحرير بقية مدن الإقليم، أوجه تحية لأبطالنا المرابطين في الخنادق والارتكازات وأبشرهم بأن النصر قريب».