د. عمر الكبيسي
الحكومة التي شكلها نوري المالكي بعد جهد جهيد والتفافات متعددة على نتائج الانتخابات وتفسير الدستور حول مفهوم القائمة الفائزة ومن ثم حملة الانفتاح والانغلاق على الكتل السياسية الاخرى وحملة الزيارات المكثفة والإتصالات الدائمة لآصحاب القرار في دول الجوار وايران والبيت الأبيض تشير جميعها ان أطرافا اخرى كانت هي الفاعلة في تمكين المالكي من تشكيل حكومته بعد ان تم تجاوز نتائج الانتخابات واستحقاق العراقية بتشكيل الحكومة دستوريا وأخلاقيا وبالتالي تنازلها وإذعانها لإرادات وضغوط خارجية وشراء ذمم قيادات طائفية وعرقية مما يؤكد ان تشكيل هذه الحكومة لم ينطلق من معيار وطني او انتخابي حر ونزيه كان الما لكي اول المشككين بنتائجه وفرز صناديقه.
لم يستطع المالكي تشكيل حكومته إلا بعد أن ألزمه شركاؤه بشروط وإجراءات واتفاقيات موثقة منها تشكيل مجلس سياسات استراتيجي واعداد نظامه وملاكاته قبل تشكيل الحكومة ليؤسس لشراكة سلطة توافقية في القرار والنهج وتحمل المسؤولية ومن خلال هذه التعهدات اعلن المالكي حكومة ناقصة بعد ان ضاقت به الفترة المحددة دستوريا للتشكيل على أمل ان يكمل التشكيل لملء مقاعد الوزارات الأمنية وفقا لإستحقاقات الكتل بعد أيام وإذا به يتنكر لمجلس السياسات ويملأ المقاعد بوكلاء تحت سلطته ويتنكر لهذه الكتلة السياسية تارة ويستقطب الأخرى تارة أخرى من أجل أن يبقى وحكومته الناقصة في السلطة دون رادع بالرغم من مرور ما يقارب العام من الزمن.
و حين تستمر جميع الكتل السياسية الفائزة بشراكة المناصب الرئاسية والمقاعد الوزارية بالرغم من تعقد أزمة الحكم واشتداد الصراع وتفاقم الفساد والعنف والإرهاب ولا يثأر المظلوم لظلمه ولا يكف المتعسف عن عسفه ويكتفي هذا المسؤول للتصريح بعدم اعطائه صلاحيات وذاك بتغيير هذا الوزير المفسد او إقالة وزراء بمناصب مترهلة ويؤمن الجميع على البقاء بسبب برلمان ولاءه للكتلة او الشخص وليس للناخب او للوطن لا يؤمل منه حسم او مبادرة تلبي طموح ومتطلبات الشعب المنكوب، هل يحمل استمرار هذه الشراكة بهذه الصيغة معيارا وطنيا او مؤشرا أخلاقيا لبقائها؟
لم أجد اتعس وانكى من تصريح ادلى به المالكي حول اعتراضه على مرشحي القائمة العراقية لمنصب وزير الدفاع ومنهم البولاني الذي شغل منصب وزير داخلية في حكومة المالكي الأولى، حين قال: ان منصب وزير الدفاع منصب لمكوِّن ويقصد السنًّة وليس لكتلة، ألا يعكس هذا التصريح طبيعة ومنهجية حكومة المالكي والمعايير التي يحكم وفقها بأنه طائفي بامتياز؟ . يشكل موقف الكتل السياسية المتصارعة من قضية بقاء القوات اوعدم بقائها امتحانا حقيقيا لغياب المعيار الوطني لهذه الكتل وقياداتها ففي الوقت الذي يستوجب المعيار الوطني ان يرحل أي محتل او قوة اجنبية من العراق باسرع وقت ممكن، ظهرت مواقف هذه الكتل من خلال تصريحات منفردة خجولة من أن تعلن موقفا صريحا من قضية التمديد خوفا من ان يؤدي الموقف الى حالة سخط وعدم رضا الإدارة الامريكية عليها باستثناء الاحزاب الكردية التي تعلن مرارا وتكرارا علنا عدم تحفظها وتمسكها ببقاء المحتل، والموقف الوحيد المعلن هو عندما اجتمعت الكتل المتصارعة المشاركة بالحكومة واعلنت عن موقف هزيل ملتبس ربط بلا خجل بين التمديد والتدريب والحصانة وعدم الحصانة كمبررات واعذار لتمرير بقائها ليعلن الجميع الولاء لإرادة المحتل، ولكي اكون منصفا باستثناء موقف التيار الصدري المعلنة بتصريحات الناطقين بإسمه مالم يتغير موقفه كالعادة.
كل قيادات الكتل المشاركة بالحكومة حاليا تعترف بسوء الأداء وانتشار الفساد وتصف الحكومة بالفاشلة لكنها جميعا لا تخجل في استمرارها بالمشاركة في هذه الحكومة وهي تدرك انها ككتل سياسية تتحمل إخلاقيا مسؤولية المشاركة بحكومة فاشلة وهذا يعطي انعكاساً واضحا على التنصل من المعايير الإخلاقية التي تتحكم ببقاء الحكومة والمشاركين فيها.
العراقيون عرفوا حقيقة حكومة الشراكة هذه وأدركوا انها شراكة مفاسد ومصالح بين خصوم لا يربطهم في هذه الشراكة شيئا الا تبعيتهم لسيدهم المحتل الذي اختارهم لعمليته السياسية وهم فيما بينهم خصوم متنافسون على حصص وتوزيع هذه الغنائم والمصالح وإن الحرص على هذه الامتيازات هو الذي يجعل مواقفهم وتصريحاتهم متناقضة ومتقاطعة ليكون الشعب في واد وحكومة الشراكة في واد آخر ولذلك فقد الشعب بعد هذا المسلسل الطويل من الكذب والوعود ثقته بالسلطة وبالانتخابات وبالدستور وبالكتل والاحزاب والشخوص والنواب والوزراء الذين لم يفعلوا ولم يتصرفوا ولم ينجزوا له شيئا والأدهى والأمر ان معظمهم يدرك ان العراقيين يستحقون ساسة أفضل ودستورا أصلح وحكومة أقوم ونوابا أنقى ورئاسات أنزه، فهل بقيت معايير وطنية وإخلاقية لبقاء حكومة تسمى بحكومة شراكة وطنية؟
، وهل حقيقة ان ما حصل بعد الاحتلال في العراق هو التغيير الذي يدعي المالكي انه باكورة التغيير لما يحصل في ساحات الحراك تارة في حين يتهمها بالتخريب والتدمير تارة أخرى؟
، الحكم بيننا كشعب وبينهم كسلطة هو قراءة بسيطة لنظرية الحكم وهوية السلطة عند بن خلدون كي يدرك الحاكمون اليوم في العراق انهم ماضون الى زوال.’ كاتب عراقي