حكومة الظل وحكومة الذل

حجم الخط
0

احمد السنوسي بعد أن أعيته الحيل التناورية، لجأ النظام والمفسدون في الأرض، اليوم، إلى سذاجة مصطنعة وتساءلوا: ‘لماذا تصر حركة 20 فبراير على التظاهر، بعد أن تحققت كل مطالبها؟’ (ويبدو أن هذه المطالب قد تحققت، ربما، في كوكب آخر، وليس في المغرب). هذه السذاجة الملغومة تريد أن توحي بأن كل المطالب التي رفعها شباب الشعب قد تحققت دفعة واحدة: سقطت كل قلاع الاستبداد والفساد السياسي والاقتصادي، استقل القضاء، وساد العدل، تم فك الارتباط بين السلط في اتجاه الفصل والمسؤولية والمحاسبة، فلم تعد تختلط أهواء التنفيذ مع أهواء التشريع، ولم تعد هناك ‘حكومة ظل’ (دون أن نتحدث عن ‘حكومة الذل) والتي تأتمر بأوامر وتعليمات ‘حكومة الظل’ التي تتصرف، ليس فقط في مصير ‘المؤسسات’، بل تتصرف في مصير البلاد والعباد، وتقيل المجالس التي يفترض أنها ‘منتخبة’، وتعوضها بمجالس موالية لها حتى النخاع. بل إن ‘حكومة الظل’ أرسلت أبرياء إلى السجون السحيقة، دون ذنب، سوى الانتماء إلى حلقات لا تحظى بالرضا والمباركة. لم يفلح السؤال ‘الساذج’: ‘لماذا يصرون على التظاهر والاحتجاج؟’ في تحقيق المراد المتوخى منه، فوضعوا خطة جديدة لمحاولة اختطاف حركة 20 فبراير الصامدة، بعد أن فشل البعض في الركوب عليها، أو استقطابها من خلال تدجينها. والواقع أن هذا المسعى لا يدهش أحدا، إذ أنهم يملكون تراثا حقيقيا في ‘فن الاختطاف’: اختطاف البشر وحريته وأرزاقه. هذا الاختطاف الذي ساد سنوات الرصاص حالكة السواد، والمصبوغة باحتقار وقمع وسجن واغتيال كرامة شعب. وهؤلاء المناضلون الذين تعرضوا للتنكيل طيلة تلك الحقبة الظالمة، الذين ننحني لهم، إجلالا واحتراما، ليسوا سوى عائلات وآباء وأمهات أغلبية شباب 20 فبراير. فهذه الحركة الشبابية لم تولد من عدم، بل خرجت من صلب المعاناة والألم، ومن نضالات أجيال الشعب المغربي المتعاقبة وملاحم الصمود والتضحيات والسجون والمنافي. ولنفترض جدلا أن هناك إرادة سياسية حقيقية في ترجمة مطالب حركة 20 فبراير، التي هي مطالب الشعب، إلى واقع ميداني ملموس، عن قناعة واقتناع، فلماذا ضيعوا أكثر من نصف قرن، وأضاعوا مصير أجيال كاملة، دون أن يرف لهم جفن، أو تخامرهم، ولو للحظة تاريخية واحدة، فكرة الشروع في إصلاح مؤجل؟ (وهل يصلح المخزن ما أفسده المخزن!). هذا المخزن الذي لا يعمل سوى على تأجيل التأجيل! لكن حقيقتهم أبسط من ذلك بكثير، إذ بحثوا في ‘كتاب الحيل’، لصاحبه أبي قمع المحتال، وليس كتاب العكبري، الذي يحمل نفس العنوان، عن حيلة استعملوها ووظفوها في الماضي إلى حد التخمة، وتتمثل في الرهان على عامل الزمن وربح الوقت أكثر ما يمكن من سنوات وعقود، بعد أن فشلت كل الرهانات الأخرى، متناسين أن من يراهن على ربح الوقت فإنما يضيع، بالضرورة، وقتا ثمينا لن يتمكن أحد من استعادته، ولو كان يملك ‘آلة استرجاع الزمن’، التي حلم بها الروائي ‘هـ.

ج. ويلز’. فالأمر، هنا، لم يعد يتعلق بتذويب نضالات حركة 20 فبراير في مسارات معينة، بكل بساطة، لكون هذه النضالات تم احتضانها من طرف شعب بأكلمه، شعب نبذ لفظ ‘التراجع’ من قاموسه ومعيشه اليومي، مادام الرهان المشترك بين الحركة والشعب كان هذه المرة على المستقبل، خارج أية حسابات سياسوية أو تكتيكات ظرفية زائلة.

لقد وضعت الحركة، في تناغم تام مع الشعب، خريطة طريق هي بمثابة ‘سفن الحرية’ غير المسموح لها بالعودة إلا بتحقيق النصر البين والمبين، وعلى العديد من الجبهات: جبهة استعادة الكرامة السليبة، وضع حد للاحتقار التراكمي لشعب أعطى كل شيء، ولم يحصد سوى التنكر السافر لحقه المصون في الحياة، وفي احتضان منظومة الحريات كتراث إنساني مشترك بين كافة الشعوب. كما أن الشعب المغربي لن يقـــبل أي استثناء على هذا المستوى، ولو تعلق الأمر بذلك ‘الاستثناء المغربي’ الشهير والمفترى عليه، في عالم متطلع للانعتاق والحرية، ولم يعد هناك من مستقبل للاستبداد والديكتاتورية والتفرد بالحكم. لهذه الأسباب كلها، اتضحت، أكثر، ملامح المعركة: الشعب لن يتراجع عن مطالبه المشروعة، والقامعون والمستبدون، على ما أعتقد، يجدون صعوبة كبيرة ولا يملكون القدرة على التراجع عن ‘ثقافة’ الانتكاسة والوعود الزائفة والنهب الحداثي و’التنموي’ للثروة الوطنية، والتشبث بـ’المغرب النافع’ للأقلية الناهبة، و’المغرب غير النافع’ للأغلبية الساحقة، التي سحق الاستبداد حقوقها. وكان حريا بهم، عوض التساؤل: ‘لماذا تصر حركة 20 فبراير، ومعها الشعب، على التظاهر؟’ أن يسألوا أنفسهم: لماذا نصر نحن المستبدين على السباحة ضد تيار الشعوب الجارف، الذي لن تصمد في وجهه الأباطيل والحيل المكشوفة والدساتير الممنوحة؟’، في عالم يتجه نحو أن يكون الاستبداد هو الاستثناء الحقيقي، وحرية الشعب هي القاعدة الأساسية.

كنا نطالب، دائما، بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وكنا نؤكد، دائما، على براءتهم، معتبرين أن اعتقالهم وتعذيبهم ورميهم في المعتقلات، بدون موجب حق، كان تعسفيا وظالما. وأصبح من بين مطالبنا إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، من يساريين وطلبة وإسلاميين، ومن بينهم أعضاء السلفية. فكان أمرا إيجابيا أن يطلق سراح بعض هؤلاء. فنحن مع حق الإنسان في التعبير والاختلاف، دون اختطافه أو تعذيبه أو سجنه. بل علينا أن نتساءل: ‘لماذا اختطفوا وعذبوا واعتقلوا أصلا؟’ واليوم نطالب بإطلاق سراح الذين تم استثناؤهم، وظلوا وراء الجدران. فمن اليوم، لا يمــــكن أن يظل هناك سجــــين بسبب انتــــمائه الســــياسي، أو بسبب التعبير عن رأيه، أو بسبب المطالبة بحقوق الشعب المغربي وحريته.’ فنان وكاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية