حكومة المالكي ومصداقيتها المتآكلة
حكومة المالكي ومصداقيتها المتآكلةالسيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق يعلن معارضته لبناء السور الطائفي الذي بدأت في اقامته قوات الاحتلال الامريكي في حي الاعظمية في بغداد بارتفاع مقداره خمسة امتار تحت ذريعة وقف الهجمات التي تستهدف سكان المنطقة، ومنع مهاجمي القوات الامريكية من الاحتماء بها في الوقت نفسه.معارضة السيد المالكي هذه تؤكد ان الرجل مجرد رئيس وزراء بالاسم فقط، وان الحاكم الفعلي، صاحب القرار النهائي في العراق، هو قائد قوات الاحتلال. فمن خلال هذه المعارضة يمكن الملاحظة ان السيد المالكي لم يعرف بهذا السور والخطط الامريكية لبنائه الا بعد ان اصبح واقعا علي الارض.واللافت ان القوات الامريكية ضربت عرض الحائط بمعارضة المالكي، واستمرت في بناء الجدار، مثلما استمرت في بناء حواجز امنية اسمنتية في مداخل احياء العاصمة، مثل الزعفرانية والبياع والشعلة والاعظمية والبلديات ومناطق اخري لمنع ما اسمته بالعناصر الارهابية من التنقل بحرية بين هذه المناطق.وتعكس هذه الاجراءات حالة من الافلاس الامني الامريكي، وفشل كل الخطط التي جري الاعلان عنها لتأمين العاصمة، واعادة الهدوء اليها كنقطة ارتكاز محورية في استراتيجية الرئيس جورج بوش الجديدة. فرفع عدد القوات الامريكية الي اكثر من 170 الف جندي لم يحقق هذا الهدف، اي السيطرة علي الحرب الاهلية الطائفية المشتعلة حاليا، بل ان النتائج جاءت معاكسة تماما، فقد تضاعفت اعداد السيارات المفخخة المتفجرة في احياء العاصمة ومناطق اخري، مثلما تضاعف عدد الضحايا من المواطنين الابرياء.اللجوء الي اقامة الجدران الطائفية هو تثبيت للتقسيم الطائفي والعرقي، وتحويل مدن العراق الي غيتوهات منعزلة ومتقاتلة، مما يعني القضاء علي اي امل في التعايش، والغاء الهوية الوطنية لهذا البلد الذي ظل دائما يجسد الانصهار العرقي والطائفي، ويقدم مثلا في الهوية الوطنية الموحدة، والاشعاع الحضاري في المنطقة بأسرها.وخطورة هذه الاسوار، وما تعكس من عقلية تفتيتية، هي امكانية امتدادها الي مختلف مدن العراق مثل البصرة والموصل والحلة، وكركوك وغيرها. فمعظم هذه المدن تتضمن طوائف واعراقا مختلفة، وتعكس تعددية العراق الاثنية والدينية. ولن يكون مفاجئا اذا ما شاهدنا سورا في البصرة يعزل الاحياء السنية عن نظيرتها الشيعية، ثم سورا اخر يعزل مناطق حزب الفضيلة عن المناطق المعروفة بتأييدها للتيار الصدري وهكذا.ولعل مدينة كركوك هي المرشح الاكبر لمثل هذه الاستراتيجية الانعزالية، بحيث تقام احياء خاصة ومسورة لكل من السنة العرب والشيعة العرب، والاكراد والتركمان والاشوريين وهكذا، علي اعتبار ان التقسيم هو اكثر الحلول امنا واسهلها تطبيقا.العراق يتفتت بفعل ارتباك الاحتلال الامريكي وانهيار العملية السياسية التي اعتمدها منذ بدئه قبل اربع سنوات. فحكومة المالكي اصبحت حكومة تحكم بالاسم فقط، وباتت ضعيفة معزولة لا تحظي بتأييد معظم العراقيين، ولا بثقة الامريكي المحتل، ولذلك فان الخطط الامنية الامريكية التي ارتكزت عليها وجعلت منها عمودا فقريا في استراتيجيات التطبيق علي الارض ستواجه الفشل الذريع.العراقيون بدأوا يدركون كم هم خدعوا من قبل هذا الاحتلال والذين جاءوا معه، وبعضهم عبّر عن خيبة امله هذه بالهجرة الي الخارج، او اماكن اخري اكثر امنا داخل العراق، وبعضهم قرر المقاومة، ومن المؤكد ان الذين اختاروا مساندة الاحتلال والانخراط في مشاريعه هم الخاسر الاكبر في نهاية المطاف، لان عمر هذا الاحتلال بات اقصر كثيرا مما يتوقعون.9