حكومة الوحدة الوطنية في مهب الريح

حجم الخط
0

حكومة الوحدة الوطنية في مهب الريح

د. عزام التميميحكومة الوحدة الوطنية في مهب الريحلم يعد سراً أن التحركات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في الأسبوعين الأخيرين كانت بمبادرة بريطانية دشنها رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير حينما زار المنطقة واجتمع في رام الله برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في العاشر من أيلول (سبتمبر) الحالي. ورغم أن البعض رأي في زيارة بلير لفلسطين ولبنان محاولة لتحسين صورة حكومته وتحسين وضعه المتردي داخل بريطانيا بسبب ضلوعه شخصياً وضلوع حكومته في تخطيط الغزو الإسرائيلي للبنان ودعمه وتبريره، إلا أن هناك من يري بأن مبادرة بلير تستهدف بالدرجة الأولي إخراج أوروبا من مأزق وضعت نفسها فيه بسبب مشاركتها في مقاطعة حكومة الفلسطينيين المنتخبة وفرض عقوبات شاملة عليهم بسبب انتخابهم لحركة حماس التي ترفض الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني. ومن الشواهد علي ذلك ما دار فيما وراء الكواليس داخل مكتب رئيس الوزراء البريطاني (10 داونينغ ستريت) من حراك مباشرة بعد عودة بلير من عطلته الصيفية التي قضاها في جزر الكاريبي، حيث أصبح من أولوياته فيما بعد الإجازة إقناع الفلسطينيين بتشكيل حكومة وحدة وطنية علي افتراض أنها السبيل الوحيد لإخراج الأوروبيين ـ وربما الأمريكان ـ من مأزقهم دون أن يبدو للمراقب أنهم تنازلوا أو تراجعوا بلا مقابل عن معاقبتهم للشعب الفلسطيني. وكان مستشارو بلير يبحثون بشتي الوسائل ـ وحتي ساعات قلائل قبيل مغادرته إلي الشرق الأوسط ـ عن أنجع الوسائل لإقناع الفلسطينيين بالاجتماع علي حكومة وحدة تمثل كافة الفصائل ويكون فيها لفتح نصيب وافر. بعد الاجتماع بطوني بلير مباشرة انتقل محمود عباس إلي قطاع غزة حيث تباحث مع رئيس الوزراء اسماعيل هنية في الأمر وزف إليه البشري بقرب انفراج الأزمة لأن الأوروبيين يرغبون برفع الحصار عن الفلسطينيين، مؤكداً له فيما يبدو بأن ذلك يتطلب إجراء ينقذ ماء وجههم ويبرر تراجعهم عن موقفهم. وأعلمه بأن الإجراء المطلوب هو تشكيل حكومة وحدة وطنية لا بأس بأن تترأسها حماس ولكن تمثل فيها حركة فتح والفصائل الأخري بما يكفي لتبرير وضع حد للعقوبات المفروضة علي الفلسطينيين منذ أن انتخب معظمهم حركة حماس في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي. لو كان الأمر متعلقاً فقط بتشكيل حكومة كوكتيل فصائلي لما كانت ثمة مشكلة، فحركة حماس من حيث المبدأ كانت دوماً تفضل مشاركة الفصائل الأخري في الحكومة، ولكن الفصائل بزعامة فتح هي التي كانت تشترط اعتراف حماس بإسرائيل وبقبول مرجعية منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للفلسطينيين، ثم ما لبثت هذه الشروط أن تماهت في شروط الشرعية الدولية الثلاثة ألا وهي الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف والتخلي عن السلاح، والقبول بكافة التفاهمات والاتفاقيات المبرمة مسبقاً بين منظمة التحريــــر والكيان الصهيوني. ولكن كيف العمل وقد رفضت حركة حماس كل محاولات إقناعها بالرضوخ للمطالب الأورو ـ أمريكية؟ ظن فريق من الناس بأن المخرج يتمثل بتكتيكات لفظية شبيهة بتلك التي أدخلت علي وثيقة الأسري حتي تصبح وثيقة وفاق وطني بحيث تستطيع فتح الادعاء بأنها أقنعت حماس بتغيير موقفها والقبول بالشروط بينما تصر حركة حماس بأنها وافقت بشرط عدم المساس بـ الثوابت الفلسطينية ولكل جهة أن تفسر هذه الثوابت كما تشاء. ورغم أن موافقة حكومة حماس علي الوثيقة لم تكن بلا ثمن، حيث استغل خصومها ذلك لإشاعة جو من الشك حول ثبات قيادة الحركة علي مواقفها المبدئية، وهي التي كانت ترفض مثل هذا الترقيع رفضاً قاطعاً، وذهب من ينظر إلي أن ثمة خلافا بين قيادة الحركة ومكتب رئاسة الحكومة التي كانت تري بأنه كان لا مناص من القبول بالوثيقة لتفادي مشروع الاستفتاء الذي هدد به عباس، وبأن العبارات المضافة شكلت صمام أمان كاف للحفاظ علي ثوابت الحركة. ولحسن حظ الحركة قيادة وقاعدة فقد تسارعت الأحداث مباشرة بعد ذلك ـ بدءاً بإلغاء الهدنة رداً علي المذبحة التي ارتكبها الصهاينة بحق عائلة غالية علي شاطئ غزة ومروراً بأسر الجندي شاليت ـ حتي لم يبق لموضوع التوافق علي الوثيقة أي قيمة، وتم تجاوز الأزمة الداخلية في حماس. عادت أجواء الأزمة لتخيم علي الحركة من جديد بعد زيارة بلير إلي المنطقة، وذلك لتجدد الجدل بين قيادة الحركة ورئاسة الحكومة حول ما هو ممكن وما هو غير ممكن في سبيل تشكيل حكومة وحدة وطنية. في حديث خاص لبعض الأصدقاء، أعرب أحد المقربين من رئيس الوزراء الفلسطيني عن امتعاضه من العوائق التي يضعها الإخوان في طريق التوصل إلي مخرج للأزمة ، معتبراً أن المخرج الوحيد يتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون مقبولة لدي الأمريكان والأوروبيين. حيث يري هذا المسؤول بأنه ما ينبغي أن يتوقف الناس عند اللغة كثيراً، ففاصلة هنا أو نقطة هناك لا تنال من الثوابت الفلسطينية، التي لا ينال منها بزعمه قبول المبادرة العربية، التي يبدو أن محمود عباس حاول تسويقها لدي بعض المسؤولين في حكومة حماس واعداً إياهم بأن قبولهم لها سيسلحه ورفاقه الأوروبيين بما يكفي لإقناع الأمريكان بأن حماس قد قبلت بالشروط الدولية وبذلك لا يبقي داع لاستمرار الحصار والعقوبات. ولعله في سبيل تسويق هذه الفكرة لم يمانع في أن يلجأ المسؤولون في حكومة حماس إلي استخدام ما يرونه مناسباً من العبارات التبريرية لإقناع أفراد الحركة ومؤيديها ومحبيها بأن الموافقة علي المبادرة العربية ليست شيئاً سيئاً إذا ما اقترنت بالإصرار علي التمسك بـ الثوابت الفلسطينية . من المعروف أن المبادرة العربية (وهي مبادرة سعودية في الأساس) تعترف بشرعية الكيان الصهيوني وتتعارض بشكل واضح لا لبس فيه مع كل ما تؤمن به حركة حماس وتناضل من أجله وقدمت التضحيات العظيمة في سبيله، وهي المبادرة التي رفضتها الحركة مراراً وتكراراً ويعتبرها كثير من الفلسطينيين مشروعاً خيانياً آخر لتسوية القضية من خلال تقديم تنازلات تمليها حالة الضعف والتبعية التي تمر بها الأمة العربية في هذا الوقت. يبدو أن بعض المحيطين برئيس الوزراء إسماعيل هنية ـ وفي مخالفة صريحة للموقف الرسمي للحركة ـ وجدوا وجاهة في ما طرحه محمود عباس، وذلك بلا شك إشفاقاً منهم علي ما آل إليه حال الناس في الضفة والقطاع ـ وخاصة في القطاع ـ من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة بسبب العقوبات التي تتزعمها الولايات المتحدة وتشارك فيها للأسف الشديد الأنظمة العربية الصديقة لها. ليس معلوماً حتي الآن ما إذا صدرت أي موافقة خطية أو شفهية من قبل مسؤولين في حكومة حماس علي السيناريو المقترح، إلا أن المعلوم يقيناً بأنه ما أن بدأ مسؤولو حركة فتح يحتفلون بقرب فلاحهم في إخضاع حركة حماس للضغوط ـ بما في ذلك تلك الناجمة عن الإضرابات التي نظمتها حركة فتح لشل ما ظل متحركاً من أوصال المجتمع الفلسطيني رغم الحصار ـ حتي لاحت في الأفق نذر شر مستطير بشق حركة حماس ليس فقط بين داخل وخارج وإنما في الداخل بين تيار متشبث بالمبادئ والقيم والثوابت وبين تيار براغماتي يري بأن الحركة لابد من أن تحني الرأس أمام الرياح الدولية والإقليمية العاتية. وهي نتيجة تنغمر لها قلوب خصوم الحركة بالسعادة والابتهاج.إن من الوهم الظن بأن حكومة الوحدة ستحل الإشكال وتنهي الأزمة، هذا إذا تشكلت ـ وهو أمر مشكوك فيه لأنه من المحال جمع المتناقضات في إدارة حكم واحدة. إلا أن مما لم يعد ثمة شك فيه أن تشكيل حكومة وحدة وطنية (أو بالأحري لا وطنية) تشارك فيها حماس وتقر بما يمليه عليه الأمريكان وتعترف بشرعية احتلال أي شبر من فلسطين التاريخية من قبل الصهاينة، سوف يؤدي لا محالة إلي شق حركة حماس إلي حركتين إحداهما براغماتية معتدلة تسير علي نفس الدرب الذي مشته من قبل حركة فتح إلي أن انتهي بها المقام إلي ما هي عليه الآن من وكالة تناط بها بعض المهام المتعلقة بتمرير المخططات الإسرائيلية والأمريكية، وأخري متشددة ومتطرفة وفية لما عاهدت عليه الله وشعبها، لا تخضع لضغوط، ولا تبدل تبديلاً. ينبغي أن يعتبر إعلان رئيس السلطة محمود عباس وقف التشاور مع رئيس الوزراء إسماعيل هنية حول حكومة الوحدة بشري سارة، ودليلاً علي أن مشروع شق حركة حماس قد باء بالفشل كما باءت من قبله محاولات عديدة لم تفتأ القوي المعادية للحركة عالمياً وإقليمياً تمارسها منذ أن بدأ تنفيذ اتفاقيات أوسلو في العام 1994. كان بإمكان الأوروبيين الخروج من مأزقهم وحل أزمتهم من خلال التعامل المباشر مع الحكومة الشرعية التي انتخبها الشعب الفلسطيني بإرادته الحرة وأمنها علي قضيته ومصيره. وكان بإمكان القوي الدولية الراغبة في حل القضية الفلسطينية اغتنام فرصة وصول حماس إلي الحكم وتبني مشروع الحركة للتوصل إلي هدنة طويلة المدي مع الكيان الصهيوني دون الاعتراف بشرعية وجوده. أما الآن، فلم يبق أمام الأمريكان والأوروبيين إلا أن يوحوا إلي حليفهم عباس أن يستخدم صلاحياته لإقالة الحكومة الحالية وتعيين رئيس وزراء علي هواه يشكل حكومة علي هواهم تري ما يرون وتفعل ما يريدون. في هذه الحالة، وإثر فشل الخيار الديمقراطي في تحقيق شيء يذكر للشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال، ليس من خيار أمام حركة حماس إلا أن تعود إلي قواعدها وإلي خنادقها وإلي جهادها ولتترك ميدان الألاعيب السياسية لمن لا يعيرون المبادئ والأخلاق ولا الثوابت أدني احترام. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية