حكومة بغداد تتلاعب بالدستور للبقاء رغم الرفض الشعبي والانتقادات الدولية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد-“القدس العربي”: بالرغم من سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين، ومع تنامي التنديد الدولي بالعنف ضد التظاهرات، تصر أحزاب السلطة في العراق على خيارها في التمسك بمصالحها والمضي في الالتفاف على مطالب وحقوق الشعب،عبر فرض الأمر الواقع في لعبة اختيار رئيس وزراء وحكومة جديدة تكون نسخة مكررة عن حكومات ما بعد 2003 التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار الشامل.

ولعل أبرز نقاط التلاعب التي تسعى لها أحزاب السلطة هذه الأيام لإجهاض الانتفاضة الشعبية العارمة ضد وجودها، هي استغلال الثغرات الكثيرة في الدستور (الذي ترفض تعديله) لتشكيل وزارة جديدة حسب المواصفات الحزبية تكون نسخة مكررة لحكومات المحاصصة والفساد، حيث تعمد إلى المماطلة في ترشيح رئيس وزراء مستقل يرضى عنه الشارع الغاضب، والسعي لفرض أشخاص مرتبطين بها في الساعات الأخيرة من المدة القانونية لتشكيل حكومة جديدة، وهو الأمر الذي رفضه المحتجون والشعب بأكمله بمن فيهم مرجعية النجف، الذين يطالبون بشخصيات مستقلة عن أحزاب السلطة لإدارة البلاد.

وسخر العراقيون من إقدام قادة في أحزاب السلطة على تقديم الاستقالات من أحزابهم، ليتم اعتبارهم مستقلين يتولون المسؤولية. كما أقدمت الأحزاب على إصدار قانون جديد لمفوضية الانتخابات وآخر للانتخابات مفصل على حجم أطماعها، مع استمرار لعبة تبادل الكرة بين الحكومة والبرلمان والمحكمة الاتحادية حول الكتلة الأكبر في البرلمان وصلاحيات الرئاسات الثلاث وغيرها من الحيل المكشوفة.

وقد تعززت خيبة العراقيين بالعملية السياسية وهم يتابعون جلسات البرلمان للتصويت على تعديلات قانون الانتخابات التي تخللتها الفوضى والمشادات بين النواب نتيجة الصراع على الامتيازات، والخلاف على بعض الفقرات وخاصة الفقرتين 15 و 16 المتعلقة بتقسيم الدوائر الانتخابية وكوتا النساء ومزدوجي الجنسية. وكشفت تصريحات النواب ونقاشات البرلمان، حقيقة قديمة جديدة في سلوك أحزاب السلطة، وهي أن الخلافات حول القوانين والتشريعات بين النخبة السياسية ليس بسبب الحرص على مصلحة الشعب والوطن، بل هي مجرد صراع على الامتيازات والمكاسب وترسيخ هيمنتها على العملية السياسية، لذا جاء تأكيد المحتجين في ساحة التحرير سريعا برفض مرشحي الأحزاب وتصعيد الحراك الشعبي، مرددين شعار “خذوا مرشحيكم وارحلوا” ومؤكدين ان إرادة الشعب هي الغالبة وليس الفساد والتبعية.

والمؤسف ان حياكة مخططات إجهاض الإرادة الشعبية لم يتوقف عند المؤامرات السياسية للأحزاب، بل تزامن مع تهديدات مبليشياوية بعودة الحرب الأهلية، مع حملة من القمع الوحشي والاغتيالات وخطف الناشطين والإعلاميين في التظاهرات، نفذتها الأجهزة الأمنية تارة والفصائل المسلحة تارة أخرى، من دون إعارة أي اهتمام للانتقادات الشعبية والدولية لجرائم استهداف المتظاهرين والناشطين.

ومع استمرار صمود الحراك الشعبي وتصاعده، فقد أثار انتباه المراقبين هذه الأيام، قيام عدة جهات بالتركيز على دور الجيش في مواجهة الأزمة الحالية، لكونه الجهة الوحيدة القادرة على الوقوف بوجه الفصائل المسلحة المنفلتة التي تقمع الانتفاضة بكل وحشية، كما حصل عندما استقبل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، عددا من جرحى الجيش العراقي، وتأكيده على دور الجيش كونه المؤسسة الوطنية التي تحمي الوطن، مبديا “رفضه ظلم جرحى الجيش” إضافة إلى الموقف اللافت في تصريحات السفير البريطاني في بغداد ستيفن هيكي الذي أعلن “ان بريطانيا تطالب الجيش العراقي، بحماية المتظاهرين السلميين من بعض الفصائل المسلحة في العراق” داعيا إيران إلى “عدم التدخل في الشأن العراقي”.

ويتسق الموقف البريطاني والدولي بهذا الصدد، مع تحذيرات أبلغها وزير الدفاع الأمريكي مارك أسبر لرئيس الوزراء المقال عادل عبد المهدي، بأن بلاده تحتفظ بحق الرد على الهجمات المتكررة للفصائل المسلحة المدعومة من إيران، على القواعد التي تتواجد فيها قوات أمريكية في العراق. وهكذا لم تعترض حكومة بغداد، على قيام قوة أمريكية خاصة بالتعاون مع جهاز مكافحة الإرهاب، بتنفيذ إنزال جوي في منطقة جوبة وسط بلدة البغدادي، في محافظة الأنبار، حيث اعتقلت قياديا في الحشد العشائري، للاشتباه باشتراكه بقصف قاعدة عين الأسد التي يتواجد فيها جنود أمريكان مؤخرا، وذلك بعد أيام من طرح الكونغرس الأمريكي “قانون حقوق الإنسان والمساءلة في العراق لعام 2019” المعني بمعاقبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.

وفيما أصدر مجلس الأمن الدولي، بيانا أعرب فيه عن “القلق البالغ إزاء مقتل المتظاهرين العراقيين العزل واعتقالاتهم التعسفية” مؤكدا على حقهم “في التجمع السلمي” ومبديا “قلقه إزاء تورط الجماعات المسلحة في عمليات القتل والخطف” فإن منظمة “هيومان رايتس ووتش” اتهمت حكومة بغداد علنا، بالتواطؤ مع المسلحين في قمع المتظاهرين، وتنفيذ عمليات القتل الوحشية في منطقة الاحتجاج في بغداد في 6 كانون الأول/ديسمبر 2019.

وهكذا فان الموقف الدولي الرافض للعنف ضد المتظاهرين ، يتصاعد رغم أن أحزاب السلطة والميليشيات مقتنعون بأن الولايات المتحدة عاجزة عن ردعها والحد من نفوذها وهيمنتها في العراق، إلا أن هناك مؤشرات عديدة، عن تنامي حراك المجتمع الدولي، المعبر عن السخط على الحكومة العراقية ازاء سقوط العدد الكبير من ضحايا التظاهرات وسعة النفوذ الإيراني، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى وضع العراق مجددا، ضمن الوصاية الدولية والعقوبات في حال تجاهلت حكومته تحذيرات المجتمع الدولي، حسب رأي خبراء قانونيون.

ومع القناعة باستحالة التوصل إلى تسمية رئيس وزراء مقبول لدى الشارع والكتل السياسية معا، فالمؤكد ان آمال العراقيين في الإصلاح والتغيير في واد، وأحزاب السلطة واطماعها ومؤامراتها في واد بعيد آخر. ولذا فإن لعبة ساسة العراق وصراعات الأحزاب على تقاسم الوزارات والمسؤوليات الحكومية مستمرة، مع تزايد التوقعات بتحرك دولي لايقاف تدهور الأوضاع في العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية