حكومة بغداد والإبحار وسط عاصفة الصراعات المحلية والدولية

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: يعكس تناقض التصريحات للمسؤولين العراقيين حول علاقات العراق الخارجية مع دول العالم، الصعوبات الجمة في طريق مساعي حكومة بغداد لبناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي.

وأعطى قرار الولايات المتحدة، اعتبار الحرس الثوري منظمة إرهابية واتهام إيران بالتورط في الإرهاب، وردها بتهديد القوات والقواعد الأمريكية في المنطقة، تصعيدا متوقعا لزخم الصراع الأمريكي الإيراني ووضع الحكومة العراقية أمام مفترق طرق لا مفر منه في تحديد الموقف من هذا الصراع.

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الحريص على العلاقة مع واشنطن، وجد نفسه مضطرا إلى وصف قرارها القاضي بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كـ”منظمة إرهابية” بأنه “خاطئ” كاشفا إنه “حاول إيقاف القرار الخاطئ عبر الطلب من عدة دول التوسط لدى واشنطن ولكن الأخيرة أصرت عليه” وهو الموقف المنسجم مع إعلانه خلال زيارته طهران، إن “العراق سيقف إلى جانب إيران ضد أي تهديدات تتعرض لها من أراضي أي دولة أخرى” وان “إيران والعراق يقفان جنبا إلى جنب في مواجهة التحديات”. وبذا فإن عبد المهدي أوقع نفسه في تناقض بين تأكيدات حكومة بغداد بأنها “لن تكون في أي محور” وبين وقوفه مع إيران، وسيكون عليه تحديد مواقف حكومته من الصراع لدى زيارته القريبة إلى واشنطن.

وطبعا لم يكن عبد المهدي الوحيد الذي رفض اعتبار واشنطن “الحرس الثوري” إرهابيا، حيث سارعت القوى الشيعية إلى تأييد إيران في رفض القرار، وذلك مرده ان الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت ان الحرس الثوري وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ستتم ملاحقتهم لتورطهم في الإرهاب، وأنه من غير المستبعد شمول بعض قادة الميليشيات وشخصيات سياسية ومالية عراقية موالية لإيران، بهذه العقوبات، وبالتالي فإنها ردت برفض القرار والتهديد بمهاجمة المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة. كما يتوقع ان يشهد البرلمان العراقي، حراكا قويا للنواب الشيعة، لتمرير قانون إخراج القوات الأمريكية من العراق الذي كان مجمدا حتى الآن.

وفي الرد الإيراني على القرار الأمريكي، قال مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية، عباس عراقجي “من الآن وصاعدا لن نعتبر القوات الأمريكية في المنطقة قوات نظامية، بل نعتبرهم جماعة إرهابية والقواعد الأمريكية هي قواعد للإرهابيين وسيكون تعاملنا معهم مختلفا عن تعاملنا في السابق” وهو ما يعزز احتمالات المواجهة بين القوات الأمريكية والميليشيات الموالية لإيران في العراق والمنطقة.

وكان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، قد طالب خلال استقباله عبد المهدي، حكومة العراق بـ”الإقدام على خطوة تدفع الجنود الأمريكيين للانسحاب من العراق في أسرع وقت ممكن” وهو الطلب الذي أثار حفيظة العراقيين كونه تدخلا واضحا في شأن سيادي.

 والحقيقة ان القرار الأمريكي لم يكن مفاجئا بالنسبة لمتابعي تطورات الصراع الأمريكي الإيراني في المنطقة، بل كان متوقعا وخاصة ان توقيته جاء لخدمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية التي جاءت متزامنة مع القرار الأمريكي.

وفي شأن آخر ذا صلة بعلاقات العراق الخارجية، بدأت الهجمة المضادة المتوقعة للانفتاح العراقي على السعودية بمجرد انتهاء زيارة الوفد الاقتصادي السعودي الكبير إلى بغداد، من خلال ردود أفعال ومواقف قوى شيعية معارضة لهذا الانفتاح.

فقد أعلنت كتلة صادقون البرلمانية، التابعة لحركة عصائب أهل الحق، رفضها تسمية المدينة الرياضية المهداة من قبل السعودية باسم “آل سعود” مبينة أن “هذه المدينة جاءت من يد ملطخة بدماء الأبرياء ومتورطة في الإرهاب”. بينما طالب عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان مختار الموسوي، الحكومة العراقية بإدراج ملف السجناء العراقيين الموجودين في سجون السعودية ضمن فقرات ملف تطوير العلاقة والتعاون بين الطرفين، وأن تضع في حساباتها مواقف السعودية وفتاوى تشجيع الإرهاب والمفخخات، إضافة إلى “ضحايا الإرهاب وضحايا اليمن”.

وفي المقابل رحب الكثير من العراقيين باتفاق العراق والسعودية على حزمة مذكرات تفاهم وتعاون اقتصادي واسع بينهما من ضمنها تقديم مساعدات وتعهد الرياض بتزويد بغداد بالطاقة الكهربائية للتعويض عن الكهرباء الإيرانية التي تضغط الولايات المتحدة على بغداد لإيقافها التزاما بالعقوبات على إيران.

وتأتي هذه التطورات وسط زيارات متبادلة للحكومة العراقية ومسؤولي العديد من الدول لبناء تعاون اقتصادي قد يثير دولا أخرى، ومن ذلك وصول مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بغداد لبحث تطوير العلاقات مع العراق في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية ومشاريع الطاقة والنفط والغاز، إضافة إلى الزيارة المهمة للرئيس التركي رجب اردوغان المقررة هذا الشهر للعراق.

ومن قراءة الأحداث والمواقف في المشهد العراقي، يتضح أن حكومة عادل عبد المهدي في وضع لا تحسد عليه في مساعيها لمسك العصا من الوسط لإرضاء جميع الدول المتصارعة على الساحة العراقية، حيث أن كل دولة تحرص على الاستئثار بالكنز العراقي لوحدها وان تكون مواقف حكومة البلد بما يخدم مصالحها في المنطقة، وبالتالي فمن المستحيل لحكومة عبد المهدي النجاح في التوفيق بين كل تلك المصالح المتناقضة دون الإضرار بالمصالح الوطنية أو إثارة غضب بعض الدول، خاصة مع قرب تنفيذ مشروع “صفقة القرن” الذي تعده الولايات المتحدة وإسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية وترتيباته وتبعاته على دول المنطقة ومنها العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية