حكومة بغداد والخطوة الأولى لنزع السلاح المنفلت

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

أجرت الحكومة تغييرات في القيادات الأمنية والعسكرية التي تواجه انتقادات، في طريقة تعاملها مع الاحتجاجات، أو قدرتها على مواجهة الفصائل المنفلتة التي تتحدى الدولة.

 

  بغداد-“القدس العربي”:بخطوات متأنية ولكنها ثابتة، وبتأييد شعبي واسع، يواصل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، اتخاذ المزيد من الإجراءات الهادفة لمواجهة حيتان الفساد والسيطرة على السلاح خارج الدولة، فيما عده المراقبون خطوة في الاتجاه الصحيح لاستعادة هيبة الدولة وفرض القانون، وسط تحفظ أحزاب السلطة خوفا من اتساع حركة ضبط السلاح المنفلت ليشمل ميليشياتها.

وبعد تعهد الكاظمي بضبط السلاح المنفلت والفساد ، يبدو ان القرار قد اتخذه لبدء المواجهة، حيث بدأت حملات مشتركة لنزع السلاح المنفلت يقودها جهاز مكافحة الإرهاب وقوات وزارة الداخلية والمخابرات لنزع السلاح غير الحكومي في مناطق من العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية البصرة وميسان وذي قار، بالتزامن مع إجراء تغييرات في مواقع المسؤولين العسكريين وإعادة تشكيل القوات الأمنية.

وقد نفذت القوات الأمنية العراقية عمليات أمنية واسعة لسحب السلاح غير المرخص في محافظات البصرة وذي قار وميسان جنوب العراق، مستهدفة المناطق التي تشهد نزاعات العشائر التي تزايدت الاشتباكات بينها مؤخرا بمختلف أنواع الأسلحة، متحدية سلطة الدولة بدفع من قوى سياسية.  

وقبل بدء حملة جمع السلاح، قام الكاظمي، بزيارة مقر قيادة العمليات المشتركة، وعقد اجتماعاً مع القيادات الأمنية والعسكرية، مؤكدا أنه يراهن على القوات الأمنية في توفير الأمن، لتعزيز ثقة المواطن بالدولة. وأشار إلى أن الحكومة ورثت تركة ثقيلة من السلاح المنفلت والنزاعات العشائرية، التي باتت تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع وتهدد أفراده، كما تعمل على عرقلة جهود الإعمار والتنمية والاستثمار في البلاد.

وبالتزامن مع العمليات العسكرية لجمع السلاح المنفلت، واصلت حكومة الكاظمي، إجراء تغييرات واسعة في القيادات الأمنية والعسكرية في مسعى لإصلاح المنظومة الأمنية التي تواجه انتقادات ، سواء في طريقة تعاملها مع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاحات، أو قدرتها على مواجهة الفصائل المنفلتة التي تتحدى الدولة، أو مقاومة تأثيرات القوى السياسية عليها.

وفي هذا الإطار، وجه الكاظمي بتشكيل قيادة عمليات “سومر” التي تختص بحفظ الأمن في محافظات ذي قار، وميسان، والمثنى، وتوسيع قيادة عمليات كربلاء لتضم النجف وبابل، لتوحيد الجهد العسكري والأمني. وكان الكاظمي، قد ألغى قبل أيام، “قوات حفظ القانون” على خلفية ارتكابها تجاوزات على المتظاهرين .

وفي سابقة للقضاء العراقي، فقد قام باستدعاء وزيري الداخلية والدفاع السابقين في حكومة عادل عبد المهدي، للتحقيق في مقتل متظاهرين خلال الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ شهور، هو ما عده المراقبون ، تطورا في جلب مسؤولين كبار في الحكومة السابقة للمسائلة. كما أفادت مصادر موثوقة، بصدور مذكرات قبض بحق عدد من منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى توقيف ضباط على ذمة التحقيقات وصدور أحكام بحق آخرين ، جراء ارتكاب مخالفات قانونية واستغلال مناصب.

وكان الكاظمي أول رئيس وزراء اتحادي يزور منفذ ابراهيم الخليل على الحدود العراقية التركية في أقصى شمال العراق، في رسالة بقرب استعادة بغداد سيطرتها على المنافذ الحدودية في إقليم كردستان مع إيران وتركيا، التي يسيطر عليها الحزبان الكرديان الكبيران منذ عام 1992 ويحصلان منها على موارد مالية تقدر بمليارات الدولارات بعيدا عن العاصمة بغداد.

أما في ملف مكافحة الفساد، فقد وجه رئيس الحكومة جهاز مكافحة الإرهاب بمهمة تتعلق بالفساد، حيث تم تكليفه بتنفيذ القرارات الصادرة عن “اللجنة العليا لمكافحة الفساد والجرائم الكبرى” التي شكلها الكاظمي قبل أيام. ويأتي القرار لمنح اللجنة قدرة كبيرة على مواجهة ضغوط قوى سياسية تحمي الفاسدين.

كما أصدر البنك المركزي العراقي، قرارا بتجميد أرصدة تسعة مسؤولين سابقين وحاليين وحجز ممتلكاتهم، بينهم النائب ياسر صخيل صهر رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الدعوة نوري المالكي، على خلفية عدم تسديد ديون مستحقة للدولة. ويعتبر القرار جريئا لأنه يمس المقربين من المالكي، الذي يصفه المراقبون بقائد “الدولة الخفية” في العراق لما له من نفوذ كبير على القوى الشيعية والفصائل المسلحة والمسؤولين في معظم دوائر الدولة، إضافة إلى علاقته المميزة بإيران.

ولأن الفصائل المسلحة وبعض أحزاب السلطة، لا تروق لها إجراءات الحكومة، فقد شنت حملة تشكيك وانتقادات بحجة تجاوز الكاظمي للمهمة المكلف بها، وهي الإعداد للانتخابات المبكرة وتمشية أمور الدولة الضرورية، حسب رأيها، بدون الخوض في قضايا مهمة أخرى تمس مصالح تلك القوى. فيما واصلت الفصائل المسلحة شن هجمات صواريخ الكاتيوشا على المنطقة الخضراء ومطار بغداد مع تصاعد زرع العبوات الناسفة لاستهداف قوافل القوات الدولية المنسحبة، رغم إعلان أمريكي بسحب المزيد من قواتها من العراق، وهدف الميليشيات هو إحراج الكاظمي وتحدي هيبة الدولة.

ولم تقتصر مهمة القوات الأمنية على نزع السلاح المنفلت فحسب، بل واصلت تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية لملاحقة بقايا تنظيم “الدولة” الإسلامية في ديالى وكركوك وصلاح الدين والموصل، بعد تصاعد هجمات التنظيم في تلك المناطق التي راح ضحيتها مدنيون وعسكريون.

وهكذا فان إجراءات الكاظمي تتواصل لمواجهة الفساد والسلاح المنفلت، لأنهما العقبة أمام إجراء الانتخابات أو تنفيذ الإصلاحات، وسط حملة تشكيك من القوى المتضررة منها، بأن الهدف منها هو مجرد استرضاء الشارع وتهدئته، وانها لن تتقرب من سلاح الميليشيات التي تسندها أحزاب سياسية متنفذة وقوى إقليمية، إلا ان الجميع متفق على ان دعم خطوات الكاظمي، يبقى مطلوبا بقوة، لتشجيعه على مواصلة العمل لردع حيتان الفساد ونزع سلاحها المنفلت وتحقيق الإصلاحات التي يطالب بها الشارع، وهي مهمة غاية في الصعوبة، ولكنها السبيل الوحيد لنجاح انتخابات نزيهة يأمل العراقيون من وراءها ان يغيروا العملية السياسية الفاسدة التي دمرت العراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية