حكومة جديدة وانتخابات في الأردن وسط موجة ثانية من كورونا وقلق على المسار

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

طالما تحدث السياسيون في الأردن عن بلدهم بأنه واحة استقرار واعتدال يعيش وسط منطقة مضطربة ودول هشة تشهد نزاعات أهلية وحروبا مستعصية، لكنه ومنذ ثورات الربيع العربي بات يعاني من حزمة مشاكل نابعة من عدة عوامل اقتصادية واجتماعية وسكانية إلى جانب القضايا الأمنية الإقليمية.

وبات سكان الأردن الذين ظلوا في حالة سكون أكثر تململا وتزايدت مطالبهم الإصلاحية ورفضهم للسياسات التي تفرضها الحكومات المتعاقبة. وقد سمح غياب الفرص الاقتصادية وزيادة البطالة بين الشباب بظهور حالات من الغضب المستمرة والتي عادة ما تكون ردا على سياسات حكومية مثل فرض ضرائب جديدة وغلاء الأسعار وزيادة معدلات التضخم وغير ذلك من الأمور التي تمس شؤون الحياة اليومية.

وكانت الأزمة التي اندلعت بين الحكومة ونقابة المعلمين التي تعد أكبر نقابات المهنيين في الأردن صورة عن التململات، فقد قررت النقابة الإضراب عن العمل لعدم استجابة الحكومة لمطالبها بزيادة رواتب المعلمين. ويضاف إلى القضايا المطلبية فالأردن يواجه تحديات أمنية تفرضها عليه المنطقة خاصة الملف الفلسطيني الذي يعتبر حيويا لاستقراره نظرا للنسبة العالية من الأردنيين من ذوي الأصول الفلسطينية مما يتطلب من النظام الحاكم الموازنة في تحركاته الداخلية وسياساته الخارجية.

توتر مع إسرائيل

ومع أن الأردن كان ثاني دولة عربية يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل إلا أن السلام معها ظل باردا ولم يأت بالوعود التي حملها عندما وقع الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين الاتفاقية في وادي عربة عام 1994 بل على العكس اتسمت العلاقات الأردنية-الإسرائيلية بالتوتر هذا العام إما بسبب استفزازات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومحاولة تلاعبه بالوضع القائم بالقدس وتهديده بضم الأراضي المحتلة ومنها وادي الأردن المنطقة الحيوية لأمن الأردن وغير ذلك. ويأتي التوتر في العلاقات وسط ظهور ديناميات جديدة تحاول إدارة دونالد ترامب فرضها على المنطقة وتقوم على سياسة فرض الأمر الواقع، أي ما تريده إسرائيل من ناحية القبول بالاحتلال والضم وسيادتها على القدس والجولان، ورفضها عودة اللاجئين وتدمير كل المؤسسات التي تساعدهم من خلال رفض دعمها. ويضاف إلى هذا ظهور معسكر في دول الخليج تقوده الإمارات والسعودية الذي لم يعد بحاجة إلى وساطة الأردن أو مصر في العلاقة مع إسرائيل، وعليه جاءت اتفاقيات التطبيع في 15 أيلول/سبتمبر بين الإمارات والبحرين مع إسرائيل، لتزيد من شهية إدارة دونالد ترامب للضغط على دول عربية أخرى خاصة السودان الذي ربطت واشنطن شطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب بالتطبيع.

اقتصاد متعب

ويواجه الأردن حاليا تحديات اقتصادية سببها توقف دعم دول الخليج له وأزمة وجود عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب الأهلية في بلادهم ولا يعرفون متى سيعودون، ما زاد من الضغوط على بلد لا يتمتع بالكثير من المصادر الطبيعية. وأضاف وصول كورونا إلى متاعب البلد. وبادر الأردن باتخاذ إجراءات متشددة لمنع انتشاره وحظر التجوال في المدن وأرسل الجيش لحظر التجول ومنع الطيران القادم والخارج. وتركت هذه الإجراءات أثرها على الوضع الاقتصادي وحكومة عمر الرزاز التي استقالت يوم السبت الماضي، وعين الملك عبد الله الثاني يوم الأربعاء بشر هاني الخصاونة وطلب منه تشكيل حكومة تلبي طموحات الشعب الأردني. وستشرف الحكومة على الانتخابات البرلمانية المقررة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر. وكان الملك عبد الله قد قبل استقالة حكومة عمر الرزاز بعدما حل البرلمان قبل ذلك بإسبوع بعد نهاية فترته. وكان هذا إيذانا للرزاز بتقديم استقالته. ويأتي تعيين الخصاونة وسط موجة ثانية من فيروس كورونا في الدول العربية، وزادت حالات الإصابة اليومية في المنطقة، فيما بلغت الحالات المسجلة لدى منظمة الصحة العالمية حتى يوم الجمعة 22.763 حالة و166 وفاة. وطلب الملك من الخصاونة تعزيز التنسيق مع الدول العربية وتوسيع العلاقات الاقتصادية معها وتسهيل الاستثمار العربي. وقال الملك إن القضية الفلسطينية ستظل أولوية للمملكة وأن بلاده ملتزمة بحل الدولتين لحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

عدم ثقة بالبرلمان

ووسط كل هذا ستجري الانتخابات البرلمانية وهي وإن كانت جزءا من العملية السياسية الروتينية التي يقوم بها الملك باعتباره الحاكم الرئيسي وستخص إدارة الحكم في البلاد، إلا أن التحديات التي يواجهها الأردن الذي يعتبر من حلفاء الولايات المتحدة المهمين يجعل من مراقبة نتائجها وسيرها مهما. وكان القصر الملكي قد أصدر مرسوما ملكيا في 29 تموز/يوليو لإجراء انتخابات مما أدى بالهيئة المستقلة للانتخابات إلى تحديد موعدها في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر. ولا يتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى برلمان يختلف عن البرلمان الذي انتهت فترته. وبات التكهن بالبرلمانات معروفا منذ عودة الحياة البرلمانية إلى البلاد في 1989. وهي سمة باتت واضحة لكل البرلمانات المنتخبة التي تعطي صورة عن استقرار البلد ولكنها أفقدت الشارع العام الثقة بالسلطة التشريعية، فنسبة 33 في المئة من الأردنيين فقط تثق بالبرلمان. وذلك حسب استطلاع قام به المعهد الجمهوري الدولي في الفترة ما بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2019.

الإسلاميون والمشاركة

وخلقت هذه النظرة موقفا سلبيا من العملية الانتخابية، فبحسب استطلاع أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية في أيلول/سبتمبر 2020 فإن نسبة 25 في المئة غير متحمسين، والداعي لهذا الموقف هو أن المشهد السياسي لم يتغير على صعيد قوة الأحزاب، فهناك في الأردن 50 حزبا مسجلا ولكنها تظل ضعيفة وتغلب في برامجها الانتخابية المشاكل المحلية والجهوية أكثر من التركيز على البرامج الحزبية الشاملة. ويظل حزب جبهة العمل الإسلامي الأقوى بين هذه الأحزاب وهو الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين. وأعلن في 21 أيلول/سبتمبر عزمه المشاركة في الانتخابات. ويعاني الإسلاميون من مشكلة نبعت من رفض الحكومة للجماعة التقليدية التي أنشئت في أربعينيات القرن الماضي وحظرتها وأغلقت مراكزها مستغلة خلافا داخليا قاده فصيل متمرد “زمزم” وأعلن عن تأسيس “جمعية الإخوان المسلمين” التي منحت ترخيصا عام 2015. ومع ذلك يظل حزب جبهة العمل الإسلامي من القوى المؤثرة وشاركت في انتخابات عام 2016 بعد مقاطعتها دورتين انتخابيتين في 2010 و2013 وفازت بـ 15 مقعدا. وكانت مشاركة الجبهة غير مؤكدة نظرا للتوترات بين الجماعة الأم التي باتت في حكم المحظورة والحكومة. إلا أن الحزب أصدر بيانا أكد مشاركته وأنه لا يريد التغيب عن الساحة واعترف بالظروف المحلية التي يعيشها الإسلاميون ومحاولة “الهرولة” العربية للتطبيع مع إسرائيل.

وتعكس حالة التوتر مع الإسلاميين في الأردن وضعهم في العالم العربي، فهم يعانون وبعد عشرة أعوام من الربيع العربي من حالة ضعف وتهشم لا تعكس حالة الحماس والذروة التي وصلوها بعد ثورات الربيع العربي التي لعبوا فيها دورا مهما.

وهم اليوم إما في السجن أو في المنفى أو في وضع هش. والأمثلة واضحة في مصر التي حول فيها النظام الديكتاتوري الإخوان لشماعة يعلق عليها كل مآسي مصر. وفي السودان باتوا في مرمى الهدف بعد الإطاحة بعمر البشير، وفي دول الخليج محاربون ومتهمون. ومن هنا فحتى قدرة الإسلاميين على المشاركة في انتخابات الأردن تعني أنهم لم يفقدوا تأثيرهم بعد. لكن خوف الأردن من التداعيات الجهادية القادمة من مناطق الحروب القريبة جعلت النظام يعول على الخيار الأمني ضد الإسلاميين. ولا بد النظر إلى أن تغير موقف المملكة من الإسلاميين نابع من المخاوف التي نشأت في مرحلة ما بعد 2011 من التهديد الجهادي والإرهابي القادم من الخارج. والمشكلة في هذا المدخل الأمني أنه يقارب بين تيارات ووجوه للإسلام السياسي راسخة في المجتمع الأردني وأخرى طارئة وجديدة وجزء من الحركات الجهادية العابرة للدول. والخطر في الخيار الأمني أنه بدون إصلاحات سياسية وتنمية اجتماعية سيفاقم المخاطر الإرهابية. وطالما ناقش الخبراء في الحركات الإسلامية أن الحل لنزعات التشدد داخل المجتمعات الإسلامية ينبع من تعزيز الديمقراطية ومنح المواطنين رأيا بحياتهم وخياراتهم.

هروب

ومهما كانت نتيجة الإسلاميين وطبيعة التحالفات التي سيلجؤون لها في انتخابات الشهر المقبل، فالعملية المقبلة مهمة ليس لاعتباراتها المحلية ولكنها تجري وسط أزمات تعيشها المنطقة، ومنها نزوع لدى الشباب العربي بالبحث عن مخرج والهجرة، كما ورد في دراسة مسحية لمواقف الشباب العربي فإثنان من كل خمسة شبان عرب يفكرون بالهجرة. ووجدت الدراسة أن 15في المئة ممن في سن 18-24 يبحثون عن فرص الخروج بسبب الظروف الاقتصادية. وقالت نسبة 27 في المئة أنها فكرت بالهجرة بسبب الفساد والظروف الاقتصادية. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأعلى في العالم من حيث الشباب. والرغبة بالهجرة أعلى في المناطق التي تعاني من حروب واضطرابات. وزادت نسبة الباحثين عن الهجرة بين اللبنانيين بعد انفجار بيروت المدمر. وعبرت نسبة ثلاثة أرباع من الشباب اللبناني عن رغبة بالهجرة. وقالت نسبة الثلثين في اليمن وليبيا والعراق إنها تفكر بالهجرة. ووضع الشباب في الأردن ليس غريبا عن بقية الدول العربية، فالظروف الاقتصادية وعدم توفر فرص عمل جيدة تناسبا مع ارتفاع نسبة التعليم في البلاد تظل عوامل تدفع نحو البحث عن فرص عمل في دول الخليج أو كندا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا.

دروس للحكومة المقبلة

ومن هنا لن يحل البرلمان المقبل أو الحكومة الجديدة كل هذه الاشكالات ولكن يمكن التعلم من دروس حكومة الرزاز التي بدأت في حزيران/يونيو 2018 وهي ثالث أطول فترة لحكومة أردنية منذ تتويج الملك عبد الله الثاني في عام 1999 وعين حتى الآن 13 حكومة. وأقرت حكومته عددا من القوانين المثيرة للجدل، بما فيها نسخة جديدة من قانون الضرائب الذي كان سببا باستقالة حكومة هاني الملقي. وأشرف على إصلاحات بارزة تهدف إلى معالجة بعض المشاكل البنيوية في الاقتصاد، لكنه لم يكن قادرا على تجنب النقد بسبب معالجته لانتشار فيروس كورونا. مع أن التعامل الناجح في بداية الأزمة زاد من شعبية حكومته إلا أن الارتفاع الأخير في حالات الإصابة بكوفيد-19 والرسائل المتناقضة وعدم الوضوح بشأن كيفية التعامل مع الموجة الثانية أثر على شعبية الرزاز. هذا بالإضافة للملفات الأخرى مثل التعامل مع الضغوط الأمريكية والتوترات مع إسرائيل فيما يخص القضية الفلسطينية. وكذا المواقف الشعبية من اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات.

ولن يفر رئيس الوزراء الجديد من الملفات نفسها خاصة الاقتصاد الذي توقع صندوق النقد الدولي انكماشه للمرة الأولى ومنذ عقود وعملية الانتخابات التي ستجرى في ظل انتشار كورونا. والمشكلة هي أن الحكومة الجديدة ستدير عملها وسط حالة من عدم اليقين والتشاؤم من المسار العام. فقد قالت نسبة 10 في المئة من الذين شاركوا في استطلاعات مركز الدراسات الإستراتيجية بالجامعة الأردنية أن البلاد تسير في الطريق الصحيح. وعلى العموم فتشكيل الحكومات وحلها تعكس بالضرورة طريقة تعامل الملك مع التحديات هذه والأولويات التي سيركز عليها وعلاقة كل هذا بالمجالين الداخلي والإقليمي. ولا ننسى ارتباط كل هذا بالسياسة الأمريكية التي اتسمت إدارتها الحالية بالتحيز الواضح إلى جانب إسرائيل. فواشنطن تقدم الدعم المالي للمملكة وتتعاون معها في المجالين العسكري والأمني إلا أن هناك شعورا لدى الأردن أن السياسة الأمريكية لم تعد تهتم بمصالحه وموقعه.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية