حكومة حماس والعقبات في طريقها

حجم الخط
0

تسلمت حكومة حركة حماس يوم امس مهامها رسميا، بعد اداء اعضائها اليمين الدستورية، مسجلة نقطة فارقة في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني، ومؤكدة في الوقت نفسه علي سابقة التداول السلمي للسلطة في واحدة من اكثر مناطق العالم توترا.

وزراء حماس تسلموا مواقعهم بطريقة سلسة، ووسط تعاون كامل من قبل نظرائهم في الحكومة السابقة، الامر الذي اعطي صورة حضارية للتعددية السياسية الفلسطينية، ومدي احترام الجميع للعملية الديمقراطية ومتطلباتها وافرازاتها.

وكان من المفترض ان يحظي هذا الانتقال الرائع للسلطة بالطريقة التي تم عليها، باحترام الدول الغربية، والولايات المتحدة الامريكية علي وجه الخصوص، لان الاخيرة تعتبر نفسها زعيمة العالم الحر، وتتبني نشر الديمقراطية وقيمها كأحد اركان استراتيجيتها الحالية الرامية الي تحرير التجارة العالمية ومكافحة الارهاب، ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماما، فقد اصدرت الادارة الامريكية تعليمات الي جميع مسؤوليها بعدم اجراء اي اتصالات بمسؤولي حركة حماس، بينما قررت الحكومة الكندية قطع مساعداتها للسلطـــــة الوطنية الفلسطينية.

وذهبت الادارة الامريكية امس الي ما هو ابعد من ذلك عندما اصدرت بيانا مشتركا مع وزارة الخارجية الاسرائيلية، يقول ان الطرفين اتفقا علي اعتبار الحكومة التي شكلتها حركة حماس غير شرعية.

ولا نفهم كيف توصلت الادارة الامريكية الي هذا التصنيف، والاسس التي اعتمدت عليها في وصف الحكومة الفلسطينية بانها غير شرعية. فالحكومة غير الشرعية هذه نجحت في انتخابات حرة نزيهة، وحصلت علي ثقة مجلس تشريعي منتخب، وادت القسم الدستوري امام رئيس فلسطيني منتخب ايضا، فهل هناك شرعية افضل من هذه الشرعية؟

الادارة الامريكية لم تخف نواياها مطلقا في العمل علي افشال اي حكومة تشكلها حركة حماس طالما انها لا تتجاوب مع شروطها في الاعتراف المجاني بالدولة العبرية، والتنازل عن سلاح المقاومة، والتفريط بالثوابت الفلسطينية الاساسية، بما فيها حق العودة.

وقف الاتصالات مع حكومة حماس من قبل القوة الاعظم في العالم امر ضار ومؤثر دون اي شك، والشيء نفسه يقال عن اقدام بعض الحكومات الغربية علي وقف المساعدات للشعب الفلسطيني عقابا له علي اختياره الديمقراطي، ولكن هذا لا يعني ان هذه الضغوط الامريكية ستعطي ثمارها، وتجبر حكومة حماس علي الرضوخ للشروط الامريكية التعجيزية.

الشعب الفلسطيني سيتضرر بكل تأكيد من اي وقف للمساعدات مهما كان حجمها، ولكن الولايات المتحدة تتضرر ايضا، وكذلك الدولة العبرية التي تجبرها علي اتخاذ مواقف كهذه تتعارض مع كل طروحاتها حول الديمقراطية والاصلاحات السياسية.

استخدام المساعدات كورقة ضغط علي الشعب الفلسطيني سيؤدي الي نتائج عكسية تماما، اي انه سيتمسك اكثر بحركة حماس، وينظر الي البدائل الامريكية نظرة شك وربما تخوين ايضا. فهذا شعب يتمتع بدرجة عالية من الكرامة الوطنية، ويتحسس كثيرا من محاولات المساومة علي لقمة عيشه، من اجل تغيير قناعاته التي عبر عنها من خلال صناديق الاقتراع.

حركة حماس، وبسبب هذا الصلف الاسرائيلي والانحياز الامريكي، ستخرج فائزة في كل الاحوال، فاذا تحدت هذه الضغوط ونجحت في ادارة الشؤون الفلسطينية بدراية واقتدار، فان شعبيتها في الاوساط الشعبية ستتصاعد، واذا فشلت لسوء الادارة او انعدام الخبرة، فان اللوم لن يقع علي كاهلها، وانما علي الجانبين الامريكي والاوروبي اللذين اعلنا الحرب عليها، ولم يخفيا نواياهما في افشال اي حكومة تشكلها.

الحكومة الجديدة تسير وسط حقل الغام شديدة الانفجار، ومن الصعب التكهن بنجاحها او فشلها في الايام الاولي لتسلمها مهامها. ولكن ما يمكن التأكيد عليه هو ان عملية الاستلام والتسليم التي شاهدناها امس، وبالطريقة الحضارية التي تمت بها، تؤكد علي نضج الوعي الفلسطيني اولا، وان اسرائيل لم تعد الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ثانيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية