محمد ابو علان
الشبكة العكنبوتية جعلت من هذا العالم مترامي الاطراف ومختلف الاجواء قرية صغيرة تنتقل اخبار الاحداث فيها بسرعةٍ اكثر من سرعة الضوء، كما فتحت هذه الشبكة آفاق الحوار بين شعوب العالم بمختلف ثقافاتهم ومعتقداتهم ولونهم وجنسهم، وما استوقفني علي هذه الشبكة تلك الحوارات التي نجريها مع ابناء شعوبنا العربية والاسلامية وموقفهم الداعم للقضية الفلسطينية وحقوق شعبنا المحتل في ارضة والمشرد في شتي بقاع العالم، فما ان يعرف محاورك انك من فلسطين حتي يبدأ بتحياته الحارة لارض الرباط والنضال والدعوة لنا بالانتصار في حربنا ضد الاحتلال، ويدعو لتحرير القدس والاقصي ليشاركنا بهما الصلاة والعبادة.
ولكن منذ الاحداث الدامية في قطاع غزة والتي كان القتل فيها علي الهوية والمعتقد الفكري وفي وضح النهار وعلي رؤوس الاشهاد بتنا نسمع كلاما مختلفا، فلم نعد في نظر ابناء ديننا وابناء قوميتنا ذلك الشعب المناضل الذي يستحق الدعم والتاييد، بل بتنا عصابات من القتلة تسفك دم ابناء شعبها جنباً لجنب مع الاحتلال، لا بل تفوقه في القتل وبشاعته في الكثير من الاحيان، حتي بات الفرد منا يخجل ان يفصح عن فلسطينيته لعجزه عن الاجابة عن استفسارات المحاورين، ولماذا وصلت الامور لهذا المستوي من الانحطاط والتردي في وطن محتل.
هذه القصص والحوارات استحضرتها في ذهني وانا اري ما يدور في قطاع غزة من اعتقالات وتعذيب في الشارع العام امام كاميرات التصوير ولاناس ذنبهم انهم يرفضون الصلاة وراء ائمة ملأت قلوبهم الاحقاد والضغينة ضد هذا الشعب وضد كل من يخالفهم الراي والاسلوب في هذه الحياة، ائمة نصبوا انفسهم وكلاء لله علي الارض يوزعون صكوك الغفران علي اهوائهم وعلي اهواء مصالحهم التنظيمية والفئوية الضيقة.
مواطنون يعتقلون وينكل بهم في الشارع العام ليس لذنبٍ اقترفوه سوي لرفضهم الخضوع لسلطة وصلت عبر الحسم العسكري وبالدم والبارود، وحرمات بيوت تنتهك باسم الدين وباسم الدفاع عن الوطن وكلاهما منهم براء، مواطنون يرفضون الخضوع لساسة انتظرنا منهم الكثير الا ان الامور بقيت في اطار مكانك سر لا بل اصبحت الامور اكثر سوءا فبدلاً من الفساد والمحسوبية بات لدينا فساد ومحسوبية مضاعفة مضافاً اليهم مئات القرابين علي مذبح ادعاء الحرص علي الوحدة الوطنية والحفاظ علي الحقوق الوطنية للشعب. وباتت اخبارنا المخزية التي يندي لها كل جبين عناوين نشرات الاخبار الرئيسة في الفضائيات والارضيات ومواقع الانترنت، وكل طرف من طرفي الصراع يترفع بنفسه عما جري ويحمل الطرف الآخر المسؤولية، عبر مصطلحات الانقلابيين والدمويين واصحاب المليشيات السوداء، وبات طرفا النزاع يتعاملون مع المواطن البسيط وفق قواعد نظرية جورج بوش بعد احداث 11 (ايلول) سبتمبر القائمة علي قاعدة من ليس معنا فهو ضدنا، ولم يعد امامنا من خيارات سوي هراوات التنفيذية في غزة او سياط الشرعية في الضفة الغربية، ففي غزة يقمعون الصحافيين وينكلون بالمواطنين، وفي الضفة الغربية يغلقون الصحف المعارضة ويحرقون المؤسسات، وينفذون الاعتقالات السياسية بحجج امنية واهية، وفقدان الخيار الثالث في الشارع الفلسطيني هو ما عزز نهج الاستقطاب هذا بين فتح وحماس، ومن يري بنفسه خارج دائرة الاستقطاب هذه لم يتبق له الا ان يراقب الاحداث ويصمت، فان وجهت نقدك للقوة التنفيذية وحماس بت محسوباً علي فتح، وان وقفت ضد الاعتقالات السياسية واغلاق وحرق المؤسسات وتكميم الافواه بت متهماً بانك من انصار المليشيات السوداء وضد الشرعية.
ويبقي السؤال مفتوحاً وموجهاً للجميع، الي متي الصمت الشعبي والجماهيري علي كل ما يجري من سفكٍ للدماء، واعتقالات وتدمير لكل معالم القضية والنضال الوطني لصالح قيادات سياسية جيشت من حولها قوي امنية لحمايتها وحماية مصالحها ونفوذها علي حساب القضية الوطنية برمتها، ومتي سنؤمن بمقولة هي كلمة ان قلتها مت وان لم تقلها مت، فقلها ومت.8