حكومة لبنان عالقة بين “موازين القوى” و”السحق المتعمّد للدستور” وتشكيلها لم يعد ضمانة!

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: ما اجتمع اثنان في لبنان، إلا وكان سؤال من ثلاث كلمات ثالثهما: هل هناك حكومة؟

اليوم، هذا السؤال لم يعد يَنمّ فقط عن الجنوح الطبيعي لدى اللبنانيين للكلام في السياسة، بل عن تلك الآمال وربما “الأوهام” بأن الحكومة ستحمل معها انفراجاً اقتصادياً في “بلاد الأرز”، يُعيد الحياة لـ “سويسرا الشرق” التي أضحت في آخر سلم دول العالم الثالث، بعدما كانت “مضرب المثل” على جمال طبيعتها وميّزة ناسها.

بات تشكيل الحكومة في لبنان عنواناً لمخاض عسير، إنها “ضريبة” يدفعها “الشقيق الأصغر” “لأشقائه الكبار” متعدّدي المشارب والانتماءات والأجندات السياسية والعقائدية والدينية والمذهبية والمحاور المتصارعة.

لم يعهد اللبنانيون معضلة، بشكل عام، كمعضلة تأليف الحكومة، والحال هذه مستمرة منذ عام 2005، الذي شكّل مرحلة فاصلة جديدة في تاريخ لبنان.

قبل ذلك، كانت المقاربات تستند إلى المعادلة التي أرساها “اتفاق الطائف” (نسبة إلى مدينة الطائف السعودية التي استضافت الأطراف اللبنانية في العام 1989، فتوصلت بدفع عربي ودولي إلى تسوية سياسة يُفترض أنها أنهت 15 سنة من الحرب الأهلية اللبنانية). تلك المعادلة جسّدها ما عُرف بـ “وثيقة الوفاق الوطني”، التي تضمنت توافقات الحد الأدنى بين المتحاربين على المبادئ السياسية العامة، والملفات الشائكة ومنها العلاقة اللبنانية – السورية، والإصلاحات الدستورية التي أقرها البرلمان عام 1990. فبات هناك دستور جديد لانبثاق فجر “الجمهورية الثانية”، وأي جمهورية!

حكومات “الزمن الجميل”!

قبل “اتفاق الطائف”، كان تأليف الحكومة منوطاً برئيس الجمهورية، الذي يُعين الوزراء ويُسمّي منهم رئيساً ويُقيلهم، وفق المادة 17 من الدستور. آنذاك كانت السلطة الإجرائية تُناط بالرئيس الماروني، بحسب العُرف. بمعنى أنه كان صاحب الكلمة الأساسية في التأليف، إذ أن الاستشارات النيابية آنذاك لم تكن مُلزمة، كما أصبحت عليه الحال في الدستور الجديد. بالطبع ثمة اعتبارات سياسية وتوازنات وتحالفات لا بد من أن يأخذها “الرئيس القوي” في الحسبان.

يقول الكاتب السياسي نقولا ناصيف: “صحيح أن الدستور كان يقول أن الرئيس هو من يُسمّي الوزراء ويختار من بينهم رئيساً، إلا أن ذلك لم يكن مُتبعاً، بل كان هناك عُرف يقضي – انطلاقاً من مبدأ الشراكة بين المسلمين والمسيحيين – بأن يتم الوقوف على خاطر الزعماء السنّة الذين يعود موقع رئاسة الحكومة إليهم – بالعُرف أيضاً – استناداً إلى ما عُرف بـ “ميثاق العام 1943”.

مرّتان فقط، حسب ناصيف، لم يقف فيهما رئيس الجمهورية على خاطر الزعماء السنّة. مرّة في العام 1975 مع الحكومة العسكرية خلال الحرب التي لم يُجرِ فيها استشارات نيابية وسمّى العميد نور الدين الرفاعي رئيساً للحكومة. ومرّة في العام 1966، حيث أجريت استشارات سمّت رشيد كرامي، لكن الرئيس شارل الحلو يومها تجاوزها، وكلف عبد الله اليافي، فاستمرت حكومته 9 أشهر، ثم استقالت وأعيد تكليف رشيد كرامي. آنذاك لعب المكتب الثاني “جهاز الاستخبارات” لعبته. كانت هناك حكومة قائمة برئاسة كرامي، فطُلب منه أن يستقيل على أن يُعاد تكليفه لاستيعاب مشكلة كانت قائمة في البلد لأسباب سياسية. فاستقال الرجل وكان مفترضاً أن يُعيد الرئيس شارل الحلو تكليفه لأن أكثرية النواب سمّته، لكنه سمّى عبد الله اليافي، ولم يعد بالإمكان التراجع عن هذا الأمر، فاستمرت 9 أشهر واستقالت ثم عاد رشيد كرامي من جديد. هاتان الحالتان فقط حدث فيهما خلل بتعاطي رئيس الجمهورية في ظل الدستور السابق مع تأليف الحكومة”.

ما بعد “الطائف” ليس كما قبله

ويضيف: “بعد الطائف تغيّرت الآلية. أولاً، صارت هناك استشارات نيابية مُلزمة. وثانياً، صار مجلس النواب بطريقة غير مباشرة هو مَن ينتخب رئيس الحكومة، أو يُسمّيه. “التسمية” هنا أصبحت أقرب إلى الانتخاب، لأن رئيس الجمهورية مُلزم بأن يأخذ بنتائج الاستشارات الملزمة، وبالتالي الرئيس يُصبح أشبه “بصندوقة بريد”. هو فقط يستدعي صاحب الأصوات الأكثر عدداً بالاستشارات ويكلفه تأليف الحكومة. وثالثاً، لم يعد بالإمكان تعويم حكومة مستقيلة، لأنه – خلافاً لما قبل الطائف – بمجرّد أن تستقيل الحكومة ويدعو الرئيس إلى استشارات نيابية، يفقد الرئيس حقه بالتراجع عن قبول الاستقالة. في الدستور الماضي، كان بإمكان رئيس الجمهورية أن يرفض الاستقالة في حال تقدّم بها رئيس الحكومة، بينما الآن خرجت اللعبة من يده عندما يستقيل رئيس الحكومة، ولذلك تصبح الاستشارات الملزمة بين أيدي مجلس النواب”.

هذا دستورياً، لكن واقع الحال كان أيضاً مختلفاً منذ العام 1992. فلبنان كان تحت الوصاية السورية، وكان حلم اللبنانيين أن يؤول “اتفاق الطائف” إلى انسحابهم منه، وفق الآلية التي حددتها “وثيقة الوفاق الوطني”، بما يخفف من وطأة سيطرة النظام السوري على الحياة السياسية اللبنانية، إلا أن الرياح لم تجرِ كما اشتهوا. فقد غيّر غزو العراق – زمن صدام حسين – للكويت من الواقع السياسي في المنطقة، وكان ثمن الغطاء السوري لـ “حرب تحرير الكويت” إطالة أمد الوصاية السورية. كل ذلك تحت مظلة “العمّ الأمريكي”.

في زمن الوصاية، كان تأليف الحكومة يتم في فترة قياسية، الحد الأدنى 4 أيام والأقصى 14 يوماً. هذا أمر طبيعي ما دام كل شيء، من قرار الاستقالة إلى نتائج الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلف إلى تشكيل الحكومة لجهة الحصص والأسماء والحقائب، يكون قد طُبخ وأعدّ مسبقاً، فقط هناك عملية الإخراج، التي كانت تحافظ على الشكل الدستوري ليس إلا.

 إمساك “سلطة الوصاية” بالقرار كان يتطلب أن تقبض على ثلثي المجلس. كان المسيحيون المعارضون خارج الحكم، زعيم في السجن، هو قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وآخر في المنفى الجبري هو ميشال عون، الذي شغل حالة شعبوية جامحة لرفعه شعار “سلطة الشرعية” في وجه “سلطة الميليشيات”، وثالث في المنفى الاختياري هو رئيس الجمهورية الأسبق وريث “حزب الكتائب اللبنانية” أمين الجميل. خلت الساحة لحلفاء سوريا من المسيحيين، ولم يكن من الصعب عليها أن تختار مَن تريده مِن المسلمين والدروز، ليكتمل عدد الثلثين المطلوب. ثلثان صافيان لها، وإن كان في القرارات الاستراتيجية تصبح الحكومة بأكملها في قبضتها، فلا صوت متمايزاً أو معارضاً كان مسموحاً.

اغتيال قلب الموازين

بقيت هذه الحال حتى اغتيال زعيم السنّة الأول في لبنان الرئيس رفيق الحريري. دماؤه أحدثت تحولاً غير مسبوق. ربما لم يكن في حسبان ذلك المحور السوري – الإيراني أن اغتيال الحريري سيقلب المعادلات. انتقلت الأكثرية من ضفة إلى أخرى. خرج النظام السوري من البلاد، وتشكلت حكومة فؤاد السنيورة بعد الانتخابات النيابية عام 2005 بأكثرية الثلثين لقوى “الرابع عشر من آذار”، حلفاء أمريكا والسعودية في لبنان.

ما كان يمكن لهذا “الانقلاب” أن يطول. لا مكان للعبة الديمقراطية، أو “لأكثرية وأقلية” في بلد تفعل فيه الطوائف فعلها، وبدل أن تكون التعددية مصدر غنى، أصبحت مصدر نقمة وخطر وصراع داخلي وخارجي.

هيمنت “ثقافة الاغتيال”، فسقط سياسيون وقادة رأي وأمنيون. وكلما تعاظم ضغط المجتمع الدولي عبر “سلاح” المحكمة الدولية، كانت وتيرة الاغتيال ترتفع. لاحقاً استُخدم سلاح الانسحاب من الحكومة لممثلي طائفة بأكملها. فقدت الحكومة “ميثاقيتها” لكها بقيت “قانونية” لتمتعها بأكثرية الثلثين، فكان الحلّ بفرض معادلة “الثلث المعطّل” أو “الثلث الضامن”، كما يحلو لأمين عام “حزب الله” السيّد حسن نصر الله أن يُسمّيه. ولم تكن هذه المهمّة صعبة مع وجود فريق مسلح، فيما الأفرقاء الآخرون مجرّدون من سلاح يضاهي سلاحه، ناهيك عن أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية، التي يُفترض أن تحمي الشرعية واللبنانيين من أي اعتداء، وقفت موقف “المتفرّج” لألف حساب وحساب!

غزو “مجيد”!

كان السابع من أيار/مايو 2008 ذلك “اليوم الأسود” في تاريخ لبنان، لا “اليوم المجيد” كما يحلو أيضاً لنصر الله أن يُسميّه. غزا “حزب الله” وحلفاؤه بيروت، وبعدها الجبل. فكان “اتفاق الدوحة” – نسبة إلى العاصمة القطرية – التي استضافت الأطراف اللبنانية لصوغ تسوية تحتوي تداعيات السابع من أيار/مايو وتجنّب البلد حرباً سنية – شيعية.

اتُفق على أن تكون بنود “اتفاق الدوحة” لمرّة واحدة، كتسوية مرحلية. ونص “الاتفاق” على رئيس جمهورية توافقي تم تحديد اسمه عبر تسوية لا عبر الاقتراع السرّي للنواب، وعلى حكومة “وحدة وطنية” أعطت ثلثاً معطلاً لقوى “8 آذار”، وحصة 3 وزراء لرئيس الجمهورية، وعلى تعديلات مُحددة في قانون الانتخاب، وحوار حول سلاح “حزب الله”.

 انطلقت مرحلة “اتفاق الدوحة” من رهانات بأن هناك انتخابات نيابية من شأنها أن تُنتج سلطة سياسية جديدة. كان يومها “حزب الله”، بعد إبرامه اتفاقاً سياسياً مع العماد ميشال عون، عُرف بـ “تفاهم مار مخايل” – نسبة إلى كنيسة مار مخايل في الضاحية الجنوبية – وفي ضوء تعديلات القانون التي كان يريدها عون، يعتقد بأن قوى “8 آذار” قادرة على الفوز بأكثرية برلمانية. هي أكثرية كان النظام السوري في زمن وصايته يعمل أيضاً على تأمينها. وثمة اقتناع كبير لدى العديد من القوى السياسية بأن التوقعات بإمكان حصول الحريري الأب على أكثرية نيابية في الانتخابات التي كانت ستجري في صيف العام 2005 ساهمت في اغتيال الرجل، لأنها كانت أولى علامات تفلّت الوضع من يد النظام السوري في البلاد.

لكن انتخابات 2009 حملت فوزاً ساحقاً لقوى “الرابع من آذار”. فوز بقي عملياً حبراً على ورق، إذ استمرت مفاعيل “اتفاق الدوحة”. شكّل سعد الحريري في نهاية المطاف حكومة “بثلث معطّل” مموّه لقوى “الثامن من آذار”، وحين أتى وقت الانقلاب عليه، انسحب 11 وزيراً من “الحكومة الثلاثينية”، فسقطت الحكومة فيما كان رئيسها يلتقي الرئيس الأمريكي باراك أوباما في “البيت الأبيض”. وبعدها شكّلت تلك القوى حكومة نجيب ميقاتي التي كانت انقلاباً سياسياً كاملاً بفعل “فائض قوة السلاح”.

مخاض غير مألوف

ولم يكن حال حكومة تمام سلام في العام 2013 أفضل. لكنها كانت المرّة الأولى التي يأخذ فيها تشكيل الحكومة أحد عشر شهراً. واليوم مضى على تكليف الحريري ستة أشهر من دون أن تبصر النور في ظل شروط وشروط مضادة هي في العمق “فيتوات” باتت الأطراف كلها تملكها بطريقة غير مباشرة جراء استمرار سريان مفاعيل أعراف “اتفاق الدوحة”. وهي أعراف لم يكن معها رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية (الشريك في التوقيع على مرسوم التأليف) هما مَن يؤلفان الحكومة.

وحسب ناصيف: “يمكن أن تقولي أن أيام السوريين لم يكونا هما من يؤلفان الحكومة؟ صحيح ولكن كانت هناك وصاية سورية. واليوم أيضاً، ليس رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة من يؤلفان الحكومة، بل صارت الأطراف شريكة في التأليف، بالممارسة وليس في النص”.

فما نراه أن كل طرف وبطريقة غير مباشرة، ومن خلال حلفائه يملك الفيتو، وقادر على تعطيل تأليف الحكومة، ما يجعله فعلياً شريكاً في التأليف. ومع التمسك الطوعي أو الضروري بتأليف “حكومة وحدة وطنية” تنبثق من الكتل الكبرى في المجلس النيابي التي تشترط حصصها ووزراءها وتسمّيهم، تصبح الحكومة أشبه ببرلمان مصغر، والبرلمان أشبه بحكومة موسعة، وهذا مِن شأنه أن “يُفرّغ” صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ويجعل التأليف رهينة موازين القوى التي لا تعبّر عن نتائج فوز أكثرية ستحكم في مقابل أقلية ستُعارض.

ليس ثمة أصول دستورية لتشكّل الكلمة الفصل. تتحول الأعراف إلى ملحقات دستورية. هي تعديل دستوري بحكم “الأمر الواقع” من دون تعديل نصيّ. بديل مؤقت لـ”مؤتمر تأسيسي” يتم تأخيره ما دامت الأعراف والممارسة تفي بالغرض. وهي تالياً انعكاس هذا التجاذبات الخارجية على الداخل اللبناني. تجاذبات تفرضها لعبة “موازين القوى” الخاضعة على الدوام على التغيير بحسب الرياح في المنطقة، ما يجعل من الاستحالة بمكان الدفع في اتجاه التقييد في الدستور وتطبيقه.

مَن يريد الحفاظ على الدستور الراهن، يتمسّك في خطابه السياسي بضرورة العودة لتطبيق “اتفاق الطائف” ومن ثم البحث في آليات تطويره، ومن يريد الإطاحة به، لا يتوانى عن تكريس الأعراف التي لن تحتاج في المستقبل إلا إلى إنزالها في النص الدستوري.

هي لعبة موازين قوى تتحكم بالقرار اللبناني في التاريخ الراهن وفي عملية تأليف الحكومة. قد نستفيق في الغد، وقرار اللاعبين الإقليميين والدوليين للإفراج عن الحكومة قد صدر، لكن هذا ما عاد ممكناً أن يصنع بلداً ودولة!

ا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية