أحمد فودةتزايدت في الآونة الأخيرة الدعوات الداخلية والخارجية لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، لتقديم استقالته للخروج من المأزق الذي يعانيه لبنان، ويوشك أن يقضي على استقراره، على خلفية القرار الظني المحتمل صدوره من المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الذي سيتضمن توجيه اتهامات لعناصر قريبة من حزب الله. ورغم اتفاق هذه الدعوات في أن الحل الأفضل للخروج من هذا المأزق يتمثل في الاستقالة إلا إنها اختلفت في الدوافع التي جعلتها تطلق مثل هذه الدعوات.
فبينما يرى الداعمون الداخليون والخارجيون والمقربون من تيار 14 آذار، الذي يترأسه الحريري أن الضغوط التي يمارسها فريق 8 آذار المعارض من أجل دفعه لإلغاء المحكمة الدولية، إما بشكل مباشر عبر إعلان سحب الاعتراف بها، وكذلك سحب القضاة اللبنانيين المشاركين بها، فضلا عن سحب بند تمويلها من الميزانية الجديدة للحكومة، أو سلوك الاتجاه غير المباشر عبر تحويل ملف شهود الزور إلى القضاء العدلي وما يستتبعه من خطوات تصب في خانة ضرب مصداقية المحكمة وأية قرارات تصدر عنها. يرى الفريق الآخر أن الاستقالة هي خطوة تليها خطوات أخرى على طريق تفكيك عناصر الأزمة، وذلك في حال إصرار الحريري على موقفه الرافض لمواجهة المحكمة والدفع في اتجاه إبطال مفاعليها.
أحدث الدعوات المطالبة الحريري بالاستقالة، جاءت من صحف سعودية التي طالبت الحريري بالاستقالة، من أجل الإفلات من الضغوط التي يمارسها حزب الله وباقي أطراف المعارضة اللبنانية، وتحويل هذه الضغوط عليهم عبر استنفاد الوقت حتى صدور قرار المحكمة، باعتبار ان المعارضة اللبنانية لن تستطيع أن تأتي برئيس وزراء سني يستطيع التخلي عن المحكمة مباشرة، وأنه ‘لن يستطيع سياسي سني أن يأتي مكانكم ويتخذ قراراً يطال المحكمة، فهو يعلم، أياً كان رئيس الوزراء هذا، أن المحكمة قرار دولي، وبالتالي فإن مجرد محاولة المساس بها ستعد خيانة كبرى، ولن تقبل بها الدول العربية المؤثرة، ناهيك عن الغرب، وحينها ستصبح أنت، أيا كان مقرك الجغرافي، مسعى لهم، سيأتونك لأنك ستكون المنقذ، فلن يحتملوا مواجهة الرأي العام اللبناني الذي سيكتشف خطرهم.
بطبيعة الحال تعبر الصحف السعودية، عن خط السياسة الرسمية السعودية التي تدعم الرئيس الحريري وترفض المساس بالمحكمة الدولية، رغم دعواتها لضرورة الحفاظ على الاستقرار والهدوء في لبنان، وهي الدعوات التي تتناقض مع سياستها الفعلية. فلو كانت تسعى فعلا لتحقيق الاستقرار في لبنان لسعت، وبالتوافق مع الجهود السورية المبذولة في هذا السياق، لنزع فتيل الأزمة التي تعصف بهذا الاستقرار اللبناني والمتمثلة في المحكمة الدولية.
لقد كان من المتوقع أن تتوج الزيارة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا إلى الرياض بهذه النتيجة، حيث كان يفترض أن يكون هناك اتفاق سوري سعودي يؤدي إلى إفشال مخطط المحكمة الدولية ومنعها من إصدار قرارها الظني الذي يتهم عناصر من حزب الله ويحاول قتل سمعة المقاومة اللبنانية في لبنان، تمهيدا لخطوات أخرى تالية تجردها من كل مصادر قوتها. لكن يبدو أن هذا الاتفاق لم يتم التوصل إليه، ولعل التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء السوري ناجي عطري، المعروف عنه بعده عن صخب الإعلام، بعيد هذه الزيارة، خير دليل على فشل التوصل لهذا الاتفاق، حيث شن هجوما غير مسبوق على تيار 14 آذار معتبرا إياه مجرد هياكل كرتونية.
كذلك الخطوة التي قامت بها المحكمة الدولية عبر تمثيل مشاهد جريمة اغتيال الرئيس الحريري في معسكر للجيش الفرنسي في بلدة كابتيو الواقعة جنوب غرب فرنسا، والتي تأتي في سياق المؤشرات الدالة على أن المحكمة ماضية في طريقها، وأن قرارها الذي سيكون مقصلة لاستقرار لبنان ودخوله في آتون مرحلة من العنف الذي قد يتحول إلى حرب أهلية، سوف يصدر في وقته المحدد. من هنا ربما يمكن تفسير التحركات السورية ولقاءاتها مع عدد من القيادات اللبنانية، من أجل استباق قرار المحكمة الدولية بخطوة تنزع ألغام هذا القرار. وقد كان لافتا للأنظار لقاء الرئيس السوري بشار الأسد لرئيس الوزراء اللبناني الأسبق عمر كرامي المحسوب على المعارضة اللبنانية، والذي تشير معلومات يتم تداولها الآن في لبنان إلى أنه سيكون رئيس الوزراء الذي سيخلف الحريري بعد إطاحة المعارضة بالحكومة في إطار خطة تسعى من ورائها إلى إفشال مخطط المحكمة الدولية مع محاولة الحفاظ على الاستقرار في الداخل عبر إيجاد حكومة يرأسها كرامي ويعلن من خلالها عن سحب لبنان دعمه للمحكمة الدولية، وكذلك سحب القضاة اللبنانيين المشاركين بها.
خطة المعارضة هذه سوف تؤدي بالتأكيد في حال تطبيقها إلى توترات أمنية، ربما تكون عنيفة ولكنها لن تصل بأي حال من الأحوال إلى مرحلة الحرب الأهلية التي قد تندلع في حال استمرار الوضع على ما هو عليه، أو في حال رفض الرئيس الحريري الاستقالة واضطرت المعارضـــة إلى تطبيــــق السياسة الدفــاعية الأخيرة وهي ‘استخدام السلاح لحماية السلام’ التي تم تطبيقها في 7 أيار/مايو من العام 2008 لمواجهة خطة كانت تستهدف استباحة اتصالات المقاومة وتقديمها هدية مجانية للعدو الإسرائيلي.
وفقا لهذه السيناريوهات، لم يتبق من عمر الحكومة اللبنانية سوى فترة زمنية محـــــدودة قد تقصر وتكون أياما حتى تطيح بها المعارضة وتأتي بحكـــــومة أخرى برئاسة كرامي، وقد تطول حتى موعد الاستحقاق الدستوري إذا ما تجاوبت مع مطالب المعارضة وقطعت الطريق على قرار المحكمة الظني.
لكن ما هو موقف الدول الداعمة لاستمرار عمل المحكمة الدولية، سواء العربية منها او غير العربيــــة؟ هل ستقف موقف المتفرج؟ أم تتدخل لمنع سقوط حكومة الحريري؟ وهل يمكن أن تكون تلك هي شرارة الحرب القادمة التي يتوقعها الجميع؟
رغم أن التاريخ القريــــب يشي بأن موازين القوى في الداخل اللبناني هي من يحكم المعادلة أكثر من أي شيء آخـــــر، ولعل ما حدث في 7 أيار/مايو 2008 خير دليل، إلا أن الأمر هذه المـــرة قد يكون مختلفا والأيام القادمة القليلة هي التي ستحدد ملامح المشهد.’ مدير مركز النخبة للدراسات ـ القاهرة[email protected]