حكومة لبنان معلّقة على خشبة “حدث كبير” يخترق الانسداد

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: لا حكومة في لبنان، أقله في المدى المنظور. فالآفاق السياسية باتت مسدودة بعدما وضع الأمين العام لـ “حزب الله” شروطه للإفراج عن عملية التأليف في اللحظة الأخيرة، حيث كان يُفترض أن تصدر مراسيم التأليف بعد تذليل عُقد داخلية تتعلق بحصص القوى السياسية المشاركة فيها، ولا سيما عقدة تمثيل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وعقدة تمثيل حزب “القوات اللبنانية” التي يتزعمها سمير جعجع.

فـ “حزب الله” يُريد من الآخرين الاعتراف بوجود قوّة سياسية مناوئة لـ “الحريرية السياسية”، وتُشكّل جزءاً من مشروعه الأكبر في المنطقة، فهو هدف من خلال قانون الانتخابات النيابية إلى اختراق التمثيل السنيّ الذي كان يحصد غالبيته زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري، حيث كانت الانتخابات تجري على أساس القانون الأكثري، وهو ما استطاع تحقيقه بضمان وصول حلفاء له خرجوا من اللعبة السياسية منذ انسحاب القوات السورية من لبنان عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

الحريري الابن الوريث السياسي للحالة “الحريرية” الذي يُشكّل حاجة للبلاد نظراً إلى ثقة الغرب به، يرفض ما يعتبره محاولة “كسره سياسياً”.

المشهد يتعقّد أكثر بعد تراجع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عن الدعم المعلن للحريري في عقدة تمثيل سنة “8 آذار”، والذي اعتبر أن هؤلاء تم تجميعهم ضمن تكتل سياسي فقط للعرقلة، وأنهم خارج معايير التمثيل لأنهم أفراد وليسوا كتلة نيابية. التراجع ظهر إلى العلن بعد لقاء صهر الرئيس عون، رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ونصر الله. فجأة تحوّلت العقدة من عقدة سنيّة – شيعية إلى أزمة سياسية ووطنية، وذهب باسيل إلى لعبة تشاطر سياسي من خلال اقتراح (ملغوم) يعرض فيه على الحريري العودة عن المبادلة بالنسبة إلى الوزير المسيحي مقابل الوزير السني، أي إعادة الوزير السني إلى الحريري لإعطائه إلى سنّة “8 آذار” بشكل يسمح للرئيس عون الحفاظ على “ثلثه المعطل”، لكنه وضع الحريري وجهاً لوجه مع سنّة “8 آذار”، وتالياً مع “عرّاب الطبخة” حزب الله.

الحريري سيجد نفسه أمام واحد من 3 خيارات: الإذعان ومنح سنّة “8 آذار” وزيراً. رفض تجرّع الكأس المرّة، وتالياً البقاء في دائرة “الحكومة جاهزة وتنتظر تسمية وزراء “حزب الله”، و”الحل مش عندي”. تراجع عون – باسيل عن اقتراح المبادلة، عبر التفاهم على توزير شخصية من النواب الـ6 من حصة رئيس الجمهورية أو شخصية يطمئنون إليها.

بمعنى أن انسداد الأفق الداخلي يمكن اختراقه من بوابة باسيل، إذا تخلى عن مناورته القائمة على الحفاظ على “الثلث المعطل”، عبر الاستجابة لمطلب “حزب الله”، بالاعتراف بـ “كيان” النواب السنّة والتفاوض معهم، واقتراح إلغاء التبادل بين عون والحريري لرمي الكرة في ملعب الرئيس المكلّف.

فباسيل يُدرك، في العمق، أن البُعد الداخلي في عملية تعطيل “حزب الله” لتأليف الحكومة هو منع فريق رئيس الجمهورية من الحصول على “الثلث المعطل” داخل الحكومة العتيدة. الأمر لا يتعلق بواقع اليوم، بل بما يحمله الغد من تطورات.

كان الاتجاه هو أن لا يحصل أيّ فريق سياسي لوحده على القدرة في التحكم بقرار الحكومة. هو أقصى ما يمكن أن يقبل به “حزب الله” المتوجّس من التحوّلات التي تدور حوله. فحتى لو كان يتم النظر إلى عون كحليف، لكن الأمر ينطبق على الرجل، وليس بالضرورة أن ينسحب بالقوة نفسها على “الوريث”. ثمة “نقزة” لدى “حزب الله” من “الحلفاء غير الخالصين”، ويندرج “التيار الوطني الحر” في عداد “حلفاء تلاقي المصالح”.

فالكلام الذي بات يدور في الكواليس هو أن قرار “حزب الله” بتصدّر المواجهة له جملة أهداف، منها الإقليمي المرتبط بتكريس أوراق قوّة لطهران في لعبة “الحرب الكبرى” مع أمريكا، وإرسال رسالة بأن لبنان هو الساحة الأكثر جهوزية للمعركة.

لكن ثمة أهدافاً داخلية، وهي تحضير الأرضية للإقرار بأن “اتفاق الطائف” بصيغته الراهنة لم يعد صالحاً، وأن هناك حاجة إلى إدخال تعديلات جوهرية عليه حين تدقّ الساعة. والساعة هذه مرهونة بما ستفرزه عملية التفاوض الأمريكي – الإيراني في نهاية المطاف.

المعركة الراهنة هي على نفوذ إيران خارج حدودها، ولا سيما في دول الجوار والإقليم، ومنها غزة ومستقبل التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية أو العربية – الإسرائيلية. وعندما يأتي وقت التنازل عن الأذرع العسكرية، ستكون هناك أثمان سياسية، ومنها حفظ موقع “حزب الله” ومن خلفه دور الطائفة الشيعية في تركيبة الحكم اللبناني. من هنا يمكن فهم معنى ما يحصل في لبنان أو على الأقل جانب من المعركة على النفوذ.

على أن ما يُقلق المراقبين هو الأجواء السائدة في كثير من الدوائر بأن البلاد مفتوحة على مفاجآت كبرى من دون القدرة على حسم ماهيتها، أهي مفاجآت اقتصادية أم أمنية أم عسكرية، وسط مخاوف من أن انسداد الآفاق الحالية لا يمكن اختراقه إلا بحدث كبير ما!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية