القاهرة ـ «القدس العربي»: بمرور الوقت يبدو جليا للعيان أن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي وضعت حبلا حول رقبتها بعد أن أعلنت عزمها طرح سبعة موانئ للتداول في الأسواق العالمية، وهو الأمر الذي فتح عليها أبواب الجحيم، إذ لا تمر ساعة منذ صدور بيان الحكومة إلا والهجوم ينطلق من كل حدب وصوب على رئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحقيبة الاقتصادية.
وفي صحف أمس الجمعة 20 مايو/أيار اشتد الهجوم الموجه ضد الحكومة على نحو غير مسبوق ووصل الأمر ببعض الوجوه المقربة للسلطة أن اتهمت مجلس الوزراء بأنه يعرض الأمن القومي للخطر، ويدفع المصريين نحو غياهب المجهول. وارتفعت الأصوات المطالبة بعزل حكومة مدبولي، سواء في تجمعات المواطنين في المقاهي، أو من خلال مقالات بعض الكتاب الذين قرروا التخلي عن حذرهم وحساباتهم الضيقة، بعد أن أيقنوا أن الوطن يمر بلحظات فارقة، وأن الصمت لم يعد من أوجه الحكمة..
في صحف أمس كذلك كان الحوار الوطني المرتقب حديث الكثيرين، وعبّر البعض عن مخاوفهم من فشله وحرص بعض الكتاب على وضع روشتة علاج بهدف ضمان نجاح الحدث الذي ينتظره أنصار السلطة وخصومها على حد سواء.. في صحف الجمعة ما زالت شيرين أبو عاقلة ملكة متوجة في قلوب الكثيرين، أولئك الذين طالبوا بضرورة تحريك الدعاوى الدولية كي لا يهرب القتلة في تل أبيب بجريمتهم.
ومن أخبار التعليم.. حذّر الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم طلاب امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي من الغش خلال الامتحانات وكشف عن صور التقطتها كاميرات المراقبة داخل اللجان لطلاب يحاولون الغش. وقال شوقي إن الوزارة تتابع حالات الغش عن طريق استخدام أجهزة المحمول وتصوير الامتحانات داخل اللجان، سواء الورقية أو الإلكترونية وتعلم الأماكن واللجان والأسماء وأرقام الجلوس لكل من حاول الغش
فلسطين في دمها
تذكر نادر ناشد في “الوفد” قصيدة (يمكنني أن أكتب) للشاعر الثائر بابلو نيرودا.. وهو يتابع جنازة الشهيدة الفلسطينية شيرين أبو عاقلة والمشهد العبثي الحقير الذي حاولت خلاله سلطات الاحتلال التعدي على نعشها، وكاد جثمانها أن يسقط لولا تدخل الفلسطينيين لحمايتها. يقول نيرودا: يمكنني الليلة أن أكتب أتعس الأشعار، لا بد أن أتكلم عن الأرض التي تجعلها الأحجار مظلمة. عن النهر الذي يدمر نفسه، ما هي بذكريات هذه الأشياء التي عبرت بذهني بل هي وجوه دامعة. أصابع على الحلق. وتلك التي تتساقط من الأوراق ظلمة يوم مضى. يوم تغذى على دمنا الحزين. الكلمات أقل من الحدث وأقل من أي مؤامرة.. ولكن قصائد نيرودا دائما معي في ذاكرتي وقد عبرت عن كفاح وحياة الشاعر الإسباني ما بين المعتقلات والمنافي. شيرين أبو عاقلة لم تكن مجرد صحافية تنقل وتحلل أخبار الأرض المحتلة بقدر ما كانت ضمير القدس التي ولدت فيها وتركت وصيتها بأن تدفن في موطنها. شيرين كانت من أكفأ من تابع قضية الوطن فقد قامت بتغطية أكثر من ألفي حدث وكانت تعتمد في كتابتها على ربط القضايا المعاصرة، والتاريخ، كانت ترى أن غياب النخب المتحكمة في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي يزداد ارتباكا واشتباكا ومحاصره لكل القيم العادلة، ذلك أن غياب دور المؤسسات الديمقراطية والمجتمع المدني هذا الغياب نتيجة لكل ما مرّ من عوامل مقاومة الاستبداد والقمع بفعل غياب المعادل الموازي والضاغط في مواجهة العدو الإسرائيلي. يضاف إلى ذلك تراجع دور الحركات السياسية والأحزاب والتجمعات والمنظمات المعارضة لسلطات الاحتلال باستثناء الأيديولوجية الإسلامية، ما يعطي الضوء الأخضر لكل ما هو كلاسيكي، أو على الأقل معاد للراديكالية. شيرين أبو عاقلة ارتاحت للفكر اليساري فكانت ضرباتها موجعة.. ولهذا كان الانتقام من العدو مكثفا فقد فجر السلاح الإسرائيلي جمجمتها وأتموا التشفي منها حين حاولوا الاعتداء على موكب وداعها، ولعل رد الفعل الفلسطيني يكون رادعا لصلف العدو الهمجي.
ثمن الحقيقة
يرى أسامة الألفي في “الأهرام” أن اغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة وليد لم يكن مصادفة أو جريمة قتل خطأ، وإنما كان حادثا مدبرا هدفه تحذير الإعلاميين من نقل جرائم سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين، يؤيد ذلك أن جنازة شيرين لم تسلم من أذاهم، وكاد نعشها يسقط تحت هراوات جنود المحتل، الذين لم يحترموا حرمة الموتى وخرقوا المواثيق الدولية، وكالعادة اكتفت الدول الكبرى بالشجب، دون إدانة هذا المسلك، الذي لو حدث نظيره في أوكرانيا لامتلأت وسائل إعلامها بالتنديدات. إلا أن اغتيال شيرين ينبغي ألا يلهينا عن المخطط الأكبر لسلطات الاحتلال، فتصريح بينيت بأن المسجد الأقصى يقع ضمن السيادة الصهيونية، ومنع المسيحيين الفلسطينيين من دخول كنيسة القيامة، لا يصادر فقط حق الأردن في الإشراف على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أو يسمح لجنود الاحتلال بالتحكم بأبواب المسجد ليتمكن المستوطنون من انتهاك حرمته، ضمن مخطط شامل لتهويد القدس، مخطط بدأ باستفزازات وهدم منازل في القدس وجنين، وغدا باقي مدن الضفة الغربية لزرع المستوطنات في كل مكان من أرض فلسطين، لإطالة أمد الصراع بما يكرس في النهاية سياسة فرض الأمر الواقع، والادعاء أن غالبية سكان هذه المدن يهود، ومن ثم ضمها إلى الكيان العنصري وتحقيق وهم «إسرائيل الكبرى». وتمثل أخبث مخططات الصهاينة في محاولتهم استغلال فوبيا الإسلام، التي تروج لها دعاياتهم في الغرب، وتصوير ما يحدث في الأرض المحتلة على أنه صراع مع الإسلام السياسي، وأن وجود الصهاينة يحمي مسيحيي فلسطين من خطر التطرف الإسلامي، وهو زعم يسقطه تلاحم مسلمي فلسطين ومسيحييها ضد محتل غاشم لا يفرق في عدوانه وظلمه بينهما، وينسفه اغتيال شيرين أبو عاقلة. والوضع المتفجر في الأرض المحتلة، واستمرار العمليات الفدائية التي ينفذها شباب ولدوا في ظل الاحتلال من أحفاد وأبناء جيل النكبة، يؤكد أن فلسطين ستظل حية في قلوب أهلها، وأن الحواجز العسكرية التي أقامها المحتل في كل مكان، لن تمنع العمليات الفدائية، وأن استخدام القوة الغاشمة لن يحقق أمن إسرائيل، الذي لن يكون إلا بقيام دولة فلسطينية حرة.
حقها بين يديكم
تساءلت جيهان فوزي في “الوطن”: متى سيصدر التقرير النهائي من النيابة العامة الفلسطينية في واقعة إعدام الشهيدة شيرين أبو عاقلة؟ إنه حديث الساعة على ألسنة الرأي العام الفلسطيني والإعلامي، فإلى متى سيستمر هذا البطء في إصدار التقرير الواضح وضوح الشمس؟ وما مصلحة جهات التحقيق الفلسطينية في التأخر عن إصداره؟ في كل يوم يتأخر إصدار التقرير، يمر يوم لتبريد القضية التي اشتعلت في العالم كله، بحثا عن الحقيقة، لم يكن هناك ما يمكن إخفاؤه في ملابسات قتل شيرين بدم بارد، وكل الأدلة تدين الاحتلال، والرصاصة التي اخترقت جسدها وانفجرت في جمجمتها لتصبح أثرا بعد عين، واضحة للطب الشرعي، وشهدت عليها زميلتها جيفارا البديري، حينما قالت إنها عند محاولتها إلباس صديقتها ورفيقة دربها الثوب الأبيض، لمست رأسها من الخلف، ولم تجد منه سوى القشرة الخارجية (فروة الرأس) وأن عظام الجمجمة اختفت! فهل هناك ما هو أكثر مصداقية من تلك الشهادة، وجيفارا لا تعلم من أمور التشريح ولا الطب الشرعي شيئا، لكنها أشارت لما رأته. وهذا لا يحدث إلا في حال إطلاق النار من رصاص متفجر لا يستخدمه سوى إسرائيل، لأنه محرم دوليا، فعندما تخترق رصاصة من هذا النوع جسد المستهدف، فهي تدمر الأعضاء القريبة من مكان الإصابة، وهو بيت القصيد، وما أرادته إسرائيل بغية القتل المباشر. قيل إن معهد الطب الشرعي الموجود في جامعة النجاح في نابلس لديه أكفأ التقنيات على مستوى فلسطين، إذن لماذا هذا البطء في إصدار التقرير حتى اللحظة؟ وما الهدف من ذلك؟
احذروا واشنطن
رفضت السلطة الفلسطينية مشاركة إسرائيل في التحقيق، وهو أمر اعتبرته جيهان فوزي محمودا ويحسب لها، وتطالب دول ومؤسسات حقوقية عديدة، بما فيها قناة “الجزيرة”، بإجراء تحقيق شفاف وسريع حول الحدث الجلل، واليوم طالب أعضاء من الكونغرس الأمريكي بأن يحقق الـ(FBI) في استشهاد شيرين، وتقول الرسالة الأولية التي حتما ستخضع لتغييرات مع تزايد أعداد الموقعين عليها: «نظرا للوضع الهش في المنطقة والتقارير حول وفاة السيدة أبو عاقلة، نطلب من وزارة الخارجية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) فتح تحقيق»، حيث يرعى مشروع القانون حتى الآن عضو الكونغرس أندريه كارسون ولو كوريا دي، وهما بصدد جمع التوقيعات على الرسالة، والكتاب موجَّه إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي ووزير الخارجية أنطوني بلينكن، وتطلب مسودة الرسالة إجراء تحقيق من مكتب التحقيقات الفيدرالي وكذلك وزارة الخارجية حول ما إذا كان مقتل الصحافية الأمريكية أبو عاقلة في الأراضي التي تحتلها إسرائيل ينتهك أي قوانين أمريكية. وتقول الرسالة: «نكتب إليكم بشأن شيرين أبو عاقلة، وهي فلسطينية أمريكية تبلغ من العمر 51 عاما وتعمل صحافية في قناة “الجزيرة”، برصاصة قاتلة في مدينة جنين في الضفة الغربية في 11 مايو/أيار 2022. نطلب من وزارة الخارجية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) فتح تحقيق في وفاة السيدة أبو عاقلة، كما أفادت التقارير بأن الصحافيين الفلسطينيين الذين كانوا برفقة السيدة أبو عاقلة والسيد علي السمودي في ذلك الوقت قالوا إنهم أبلغوا الجنود الإسرائيليين بوجودهم، وإنهم لم يروا مسلحين في المنطقة». التأخير في إصدار التقرير من جهات التحقيق الفلسطينية سيضر بالقضية، حتى لو كانت الرسالة الموجهة من أعضاء الكونغرس إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لاستجلاء الحقيقة، تحمل نوايا حسنة، فلا يمكن الوثوق بالإدارة الأمريكية.
شكرا يا شيرين
نبقى مع روح الشهيدة بصحبة رشا يحيى في “البوابة”: اغتيلت الإعلامية المناضلة شيرين أبو عاقلة بدم بارد، على مرأى ومسمع العالم الذي يتاجر بحقوق الإنسان وفقا للمصالح، ولم تشفع لها سترة الصحافة التي ترتديها، أمام رصاص المحتل الصهيوني الذي أصابها في الرأس.. وأصاب كرامتنا التي تغتال مع كل شهيد! ولكنه ربما يوقظ العقول والضمائر التي تتناسى القهر والهوان، وتغض الطرف عن الجرائم الصهيونية.. ولم يكتف المحتل الغادر باغتيالها، بل هاجم مشيعي الجنازة وضرب من يحملون النعش بالهراوات، كي يمنع استمرار موكب الجنازة مشيا على الأقدام، ويجبروهم على نقل الجثمان بالسيارة، ويمنعون رفع العلم الفلسطيني. وكنت أتمنى ألا يشير الإعلام العربي إلى مكان الدفن بالاسم المتداول في إسرائيل وهو “جبل صهيون”، بل باسم “جبل نبي الله داوود”.. ونتمسك بالمسميات التي تبتعد عما يرغبه الصهاينة أو ترتبط بهم.. أما الغريب فهو ما شاهدناه من نقل وتداول لآراء شاذة تحرم الترحم على الشهيدة، باعتبارها مسيحية العقيدة.. حتى يتحول الانتباه من الجرائم والانتهاكات الصهيونية، إلى الاهتمام بديانتها، وإجازة الترحم عليها من عدمه! وكأن هؤلاء صاروا أوصياء من الله تعالى، يحددون من يستحق الرحمة ومن يخرجونه من رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء! وكما نشرت أمي الشاعرة علا مكاوي على صفحتها على الفيسبوك: “أي إنسان يحرم الترحم على إنسان آخر.. أيا كان عقيدته لا يعرف دين الله حق المعرفة.. فتحية المسلم لأي إنسان هي: السلام عليكم و(رحمة) الله وبركاته.. من أين أتيتم بتحريم الترحم على متوفى! يا خلق: كفاكم تشويه لدين الله!”. ولا لوم على القاسية قلوبهم من أصحاب تلك الأفكار والآراء الشاذة، ولكن كل اللوم على من ينشر أفكارهم ويسمح بتداولها، حتى وإن كان بدعوى رفضها واستنكارها، لأنهم بذلك يوقظون الفتنة، ويعطون وزنا لمن لا قيمة لهم.. ففي تلك الحالات تُفضل “إماتة الباطل بالسكوت عنه” – كما ينسب لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه.
احذروا الفشل
لدى المفكر والوزير السابق جودة عبد الخالق في “الأهالي” مخاوف مشروعة على الحوار الوطني المرتقب خشية الفشل: بمتابعة المشهد منذ انطلاق دعوة الرئيس، أقول بمنتهى الصراحة إن هناك خطرا كبيرا في أن ينتهي شأن بهذه الأهمية إلى مجرد زوبعة في فنجان، بحيث نجد أنفسنا في نهاية المطاف ندور في دوامة داخل النفق المظلم نفسه الذي نسعى للخروج منه. وأتمنى مخلصا أن أكون مخطئا. لكنني أنتهز الفرصة لكي أحذر من هذه النتيجة السلبية. وللبناء على ما سبق في النقاش الدائر حول الموضوع، رحت أُقَلِّب أوراقي القديمة وأجتر ذكريات الماضي القريب. فوجدت أنه في عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك، عُقِد مؤتمر اقتصادي في 1981 لمناقشة الوضع المتأزم للاقتصاد المصري آنذاك واقتراح الحلول. وأذكر أن حزب التجمع ساهم في هذا المؤتمر بدراسة عن موضوع الدعم بالتركيز على الغذاء، وخرجت الدراسة بعدة مقترحات لتحقيق العدالة والكفاءة، أخذت الحكومة ببعضها، بالذات ما يتعلق بدعم الخبز. وليتها أخذت باقتراحات التجمع العلمية والعملية في آن واحد. وقد نشر الحزب تلك الدراسة المهمة في سلسلة “كتاب الأهالي” بعنوان “دعم الأغنياء ودعم الفقراء”. وفي صيف 1994 عُقِد مؤتمر الحوار الوطني شاركت فيه عدة أحزاب طرحت رؤاها في المحاور الثلاثة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وخرجت عن مؤتمر الحوار الوطني وثيقة مهمة، ربما كان من أهم توصياتها إعادة الأخذ بالتخطيط الاقتصادي والاجتماعي. اهتم الدكتور جودة عبد الخالق كذلك بالمؤتمر الصحافي العالمي الذي عقدته الحكومة لتوضيح رؤيتها حول سبل مواجهة الأزمة الاقتصادية. ولكن بعد أكثر من ساعتين تحدث فيها رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء، انتاب الكاتب شعور قوى بالقلق والخوف على المحروسة. أحسست أن من يديرون الأمور ليسوا على مستوى الحدث. اندهشت من الرسائل التي وجهها رئيس الحكومة للداخل والخارج، ومن طريقة التفكير في الحلول لمواجهة الأزمة. قال إن أسبابها عالمية وليست محلية. وقال الأسعار زادت غصب عننا.. وهتحصل زيادات في الأسعار.. نجحنا في تأمين خروج كل الأموال الساخنة (20 مليار دولار) من مصر. وقال إن سعر الفائدة من اختصاص البنك المركزي وحده. ونسي المجلس التنسيقي بين البنك المركزي والحكومة الذي يرأسه سيادته. كما برر حالتنا الاقتصادية البائسة بتضخم عدد السكان، قال: سكان مصر يعادلون سكان 15 دولة أوروبية متقدمة. ولكنه تناسى أن سكان مصر أقل من عُشْر سكان الصين أو الهند. ثم قال كلاما خطيرا جدا: سندمج أكبر 7 موانئ مصرية تحت مظلة شركة واحدة ونطرحها في البورصة. ومعلوم أن الموانئ من مفاصل الاقتصاد وهي جزء من أمننا القومي، وهي ملك الشعب لا الحكومة. فهل حصلت الحكومة على تفويض صريح من الشعب المصري بالتصرف في ملكيته؟ وهل نسيت الحكومة لماذا أمَّمْنا شركة قناة السويس عام 1956؟ كنت أنوي الحديث هذا الأسبوع عن قضايا الحوار وطريقة تنظيمه وآلية عمله، وهل الأكاديمية الوطنية للتدريب هي الجهة المناسبة لتنظيم الحوار وإدارته. لكن المؤتمر الصحافي العالمي الذي عقدته الحكومة جاء بمثابة صدمة وخيبة أمل كبيرة. فقد كنا نتطلع للحوار ليعطينا بوصلة وخريطة طريق لإصلاح المعوج من أمور مجتمعنا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. لكن الحكومة بما ذكرته في المؤتمر الصحافي استبقت الأحداث وقطعت علينا الطريق في اتجاه الإصلاح الاقتصادي. فهل قصدت الحكومة وأد الحوار الوطني وهو ما زال في المهد؟ في ضوء كل ذلك، أرى أن الوضع المتأزم للاقتصاد المصري وخطة الحكومة لمعالجته ربما يكون هو البند الأول على مائدة الحوار قبل أن تمضي الحكومة في الطريق الذي أعلنته.
محفوفة بالمخاطر
نتحول نحو الحدث الذي تهتم به السلطة وخصومها على حد سواء بصحبة عبد القادر شهيب في “الأخبار”: بعد أن أطلق الرئيس السيسي دعوته لإقامة حوار وطني المشاركة مفتوحة للجميع إلا من مارسوا عنفا أو حرضوا عليه قامت الحكومة بعملين مهمين.. الأول هو إعلان خطتها لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية التي طالتنا بعد حرب أوكرانيا وقبلها جائحة كورونا وتضمنت هذه الخطة أعمالا يدور حولها جدل سابق زاد مؤخرا، مثل طرح عدد من الأصول العامة والحكومية للبيع في البورصة وطرح إدارة الموانئ لمستثمرين أجانب.. والعمل الثاني هو طرح مسودة وثيقة ملكية الدولة التي تحدد ما سوف تحتفظ الدولة بملكيته وما سوف تتشارك فيه مع القطاع الخاص، وما سوف تتركه كله للقطاع فيه دون مزاحمة حكومية معه.. وقد رأى البعض في العملين استباقا للحوار ونتائجه، خاصة أن القضايا الاقتصادية تفرض نفسها كأولوية على جدول أعمال المشاركين في الحوار، وهم كل القوى السياسية تقريبا، وهذا أمر مفهوم في ظل ما نعانيه من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعيات مواجهتها أيضا، التي أدت كلها إلى زيادة في معدل التضخم وارتفاع الأسعار، خاصة أسعار السلع الغذائية.. وإذا كنّا ننشد من الحوار التوصل إلى قدر من التوافق الوطني حول القضايا الجوهرية والمهمة والاستراتيجية ووضع خريطة مستقبل لنا ترسم معالم جمهوريتنا الجديدة فقد كان الأولى إرجاء إعلان السياسات الاقتصادية إلى ما بعد إنجاز هذا الحوار.
الوقت يداهمنا
يرى عبد القادر شهيب في “الأخبار”، أننا أننا نواجه أزمة اقتصادية عالمية تتداعى آثارها علينا لذا لا يمكن الانتظار لحين الانتهاء من حوار سوف يستغرق بضعة أشهر.. فكل يوم يمر يحمل لنا جديدا على نطاق هذه الأزمة.. فهناك أسعار عالمية تتغير وخطوط إمداد تتعثر وعملات تنخفض قيمتها وأموال ترحل وتبحث لنفسها عن ملاذ أكثر ربحا، وكل ذلك يؤثر فينا وتتعين مواجهته دون إبطاء وفي الوقت المناسب، بل اتخاذ إجراءات استباقية له.. من واجب الحكومة أن تتحرك لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية علينا، بالطبع دون انتظار حتى تنتهي من حوارنا الوطني، خاصة أن إدارة الاقتصاد، أي اقتصاد، مثل السباحة ضد التيار مجرد التوقف فيها تراجع كما يقضي الدرس الأول لدارسي علم الاقتصاد. وهذا لا يعني بالطبع عدم طرح الخطط والسياسات التي اتبعتها الحكومة في مواجهة الأزمة الاقتصادية على جدول أعمال الحوار الوطني للتوافق عليها بعد تنقيحها، خاصة تلك الخطط والسياسات المستقبلية، التي لا تؤثر فقط في الأجيال الحالية وإنما في الأجيال المقبلة أيضا، مثل التصرف في أصول الدولة وأملاكها وأولوياتنا الاقتصادية، وهي أمور في صلب خطة الحكومة لمواجهة الأزمة الاقتصادية ووثيقة ملكية الدولة.
قبل أن نبدأ
بالطبع والكلام لأكرم القصاص في “اليوم السابع”، لم يبدُ أن هناك اتجاها للأحزاب لتجلس معا، وتضع أجندة، أو تعلن الموضوعات التي يكون هناك اتفاق حولها، لتجمع الكل في حوار يشمل الجميع، بحيث يكون حوارا وطنيا يتجاوز السياسي إلى الاجتماعي، واكتفى كل تيار أو متحدث بتقديم وجهة نظره، من دون القدرة على بلورة رؤية، لكن الحوار في حد ذاته على الشاشات أو المواقع، هو خطوة تسهل التفاهم بعد فترة بين الأحزاب وبعضها أو مع الحكومة. بعض من تحدثوا أعلنوا أنهم ينطلقون من الحاضر وبناء على ما تحقق خلال 8 سنوات، والبعض يتحدث في إعادة لبيانات أو بوستات تخاطب جمهورا افتراضيا أكثر مما تتوجه إلى جمهور واقعي، لديه هو الآخر آراء ومطالب وتصورات، ربما تختلف عما ترى الأحزاب إنه أولوية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الجمهور من المواطنين بالتأكيد تابعوا ما جرى على مدار 12 سنة من تغيرات وحوارات وخطوات في مستوى السياسة والاقتصاد. وعلى المتحاورين أن يغيروا من طريقة لم تُثبت نجاحها على مدار السنوات الماضية، بل أن إدارة الظهر لما يجري، لا تعني أن شيئا لم يتحقق، خاصة أن السنوات الماضية شهدت العديد من الخطوات في الاقتصاد ومشروعات البنية الأساسية، والصناعة والزراعة، ومبادرات صحية نجحت في القضاء على فيروس الكبد الوبائي، الذي كان كارثة، وما تحقق في نقل سكان العشوائيات إلى مجتمعات إنسانية حديثة، كاملة الخدمات والرعاية التعليمية والصحية، وهي خطوات كانت تمثل مطالب مستحيلة التحقق خلال هذه المدة، مع خطوات في الحماية الاجتماعية، ومبادرة «حياة كريمة» التي تعيد صياغة القرى والتوابع، بالمرافق والخدمات، وبشكل غير مسبوق على مدار عقود.
كونوا سواسية
إقليميا والكلام ما زال لأكرم القصاص لا يمكن تجاهل ما جرى في الدول التي تعرضت لتفكيك، واحتراب أهلي، وصراع طائفي وعرقي، أطاح بالدول، وأدخلها في فوضى عارمة، لا تبدو لها آفاق حل، وأكبر أحلام تلك الدول أن يتوقف الصراع ليجلس المواطنون معا، ويفكروا في كيفية بناء الدولة من الصفر. هذه الخطوات يفترض أن توضع في اعتبار من ينضمون للحوار، باعتبارها خطوات مهمة تتعلق بجزء من مطالب سياسية واجتماعية على مدار ثلاثة عقود، وتم إنجازها خلال خمس سنوات فقط، وبالطبع فإن بعض الذين تحدثوا حول الحوار لم يقتربوا من هذا خوفا من أن يتهموا من قبل مزايدي السوشيال ميديا أو بعض من يشعرون بالاستبعاد، ويبحثون عن لقطة، بينما المفروض أن يكون القائد أو السياسي، قادرا على طرح ما يعتقد وليس ما يطلبه المستمعون، بل إن هناك من يتحدث بخطاب أمام الكاميرا يخالف ما يطرحه بعيدا عن الكاميرات أو مواقع التواصل، وهي ازدواجية ربما تقوم على تردد سببه تراكمات سنوات من الابتعاد والعزلة. وإذا كان بعض من طرحوا آراءهم في الحوار، يعلنون حرصهم على إنجاح الحوار، فإن هذا النجاح في جزء كبير منه يقوم على استغلال أرضية مشتركة، مهدت لها خطوات سبقت واتبعت مبادرة الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية، سواء بخروج عدد من المحتجزين، والاتجاه لخروج المزيد منهم، وإعلان الحكومة لإجراءات التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاساتها في كل دول العالم، في بادرة من الدولة والتأكيد على أن الدعوة للحوار تشمل كل الأطراف السياسية والأهلية من دون استبعاد أو تمييز، وهو ما يمثل جسرا مفتوحا يستوعب الجميع.
العقيدة والخلاف
ليس معقولا والكلام للدكتور كمال حبيب في “المشهد” كلما تطرح قضية من قضايا الأمة يخرج علينا قوم يقولون: “هذا أمر عقدي.. هذه عقيدتنا نخاف عليها” يا قومنا العقيدة هي الخطوط الكلية العامة الحافظة للإيمان والشاهدة عليه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقبل إسلام من يشهد شهادة التوحيد ويقبل نكاحه وزواجه وعقوده ومعاوضاته، ولما فتح الفاتحون بلاد الفرس والروم اجتهدوا لأهلها وأقروهم على ما كانوا عليه من أحوال وأوضاع.
وظل ذلك دأب دول الإسلام في الأندلس والمغرب الإسلامي، ودأب الدولة العثمانية التي جعلت بطريرك الروم جزءا من الدولة ومنحته لقب باشا، وكذلك اليهود جعلت من حاخامهم باشا، ولم يكن هناك جيش عثماني لم تشاركه في حربه كتيبة من غير المسلمين وتزوج كل السلاطين الكبار في الدولة في عز قوتها مسيحيات، وكانت قاعدة الدولة من غير المسلمين الأرثوذكس، وكانوا يدخلون في النظام العثماني مفضلين إياه عن الكتلة الكاثوليكية (الهابسبورغ)، لأن العثمانيين أكثر تسامحا من الكاثوليك. هناك مداخل مختلفة لفهم وتنزيل أحكام المشاركين للمسلمين في عقود الولاء والنصرة، والقبول بنظامهم السياسي وعدم الامتناع عليه، ليس منها المدخل العقدي، فالعقد مع أهل الكتاب أوجب بقاء كنائسهم وبنائها، والمقريزي يقول بأن كنائس مصر كلها محدثة في الإسلام بعد أن تعربت مصر وأصبحت عربية إسلامية. مداخل التعامل مع قضايا ترتيب أوضاع اجتماعية وسياسية وحضارية للمخالفين معك في العقيدة والدين، والذين قبل الإسلام وجودهم كأمة من المسلمين ضمن نظامهم العام (وليس الطائفي أو الديني)، هي مداخل الاجتهاد لهم عرفا وعادة ومصلحة واعتبار لشرائعهم والاستصحاب، وكل هذه الأدوات التي تفتح الذرائع، ولا تسدها وتأخذ في الحسبان حال المسلمين وأوطانهم وطبيعة معاركهم التي يخوضونها، وأهمها معركتنا مع اليهود الصهاينة الهمج المغتصبين لأرض الرباط والمحشر والمنشر. الصراخ بالعقيدة في كل صغيرة وكبيره سيشل قدرة هذه الأمة على الفعل والتدبير والتخطيط للخروج من وهدتها، لأنك اليوم ترفض غير المسلمين، وغدا سترفض المسلمين من الأشاعرة والصوفية، وسترفض التدين الفطري للأمة التي لا تعرف تلك التفاصيل الجزئية التي يتم انتزاعها من سياق معارك قديمة لا صلة للمسلم المعاصر بها. هذا العقل الفزع، والفزاع مسعر الحروب في غير مكانها، هو آفة مدمره لكل خطوة تخطوها أمتنا نحو التحرر.