د. يحيى مصطفى كامل ما زلت أراقب في دهشةٍ عميقةٍ جارفة مستجدات الأحداث في مصر، خاصةً مع زيارة جون كيري التي تزامنت مع تصاعد موجة العصيان المدني والصدامات العنيفة وانتشارهما من محافظةٍ لأخرى، كما الغيوم تتجمع في السماء منذرةً باقتراب العواصف والسيول…والحقيقة أن الغضب من عنف النظام وتخبطه وفشله البين في كل الملفات بدءاً من الاقتصاد المتهالك المنهار وصولاً إلى ملفي المشاركة السياسية والمصالحة الوطنية، ذلك الغضب الذي لم يقل بأي حالٍ من الأحوال قد غطى عليه الخوف من المستقبل وما بات يلوح واضحاً في الأفق من الفوضى، تلك التي تدفعنا إليها حكومة د مرسي بخطىً حثيثة فلا تبدي أية نيةٍ للتوقف والتدبر وتغيير المسار.و لعل ذلك هو مبعث دهشتي العميقة، إذ يقيناً أن مشاكل مصر المتراكمة الاجتماعية-الاقتصادية منها بالتحديد، تلك التركة الثقيلة التي لا يفوت الرئيس فرصةً في الإشارة أليها، لم تخِف واحدةٌ منها ولم يتم معالجتها بل يفاقمها بسياساته وقراراته، فمعدلات البطالة في صفوف الشباب مذهلة… مذهلة بكل معاني الكلمة مع ما يترتب على ذلك من مشاكل نفسية واجتماعية كالميل للعنف وقابليةٍ أكبر للاستثارة أمام الواقع ذي الأفق المسدود، أما عن معدلات الفقر الذي ينهش فحدث ولا حرج، وهو فقرٌ لم تزد نسبه فحسب وإنما زاد توحشه بما استجد عليه من غلاء الأسعار المضاعف بنقص السلع وتدني قيمة الجنيه، الأمر الذي يثير جنون الجمهور ويدفعهم دفعاً إلى الشوراع، وكأن كل ذلك لا يكــــفي إذ يضاف إليه مباحثات صندوق النكد الدولي بمطالبها برفع الدعم عن السلع الأساسية وعلى رأسها الوقود والمحــــروقات مما سيتسبب بكل تأكيد في دفع غالبية الشعب من الفقر إلى الإملاق والموت جوعاً دون أدنى مبالغة… باختصار شديد نحن أمام شارعٍ غاضبٍ بصورة غير مسبوقة ومجتمعٍ يتمزق وينتفض وبلدٍ تجف موارده وتتعفن مرافقه المترهلة أصلاً.غير أن د مرسي وحكومته وجماعته لا يحاولون إطلاقاً التعامل مع هذا الوضع المنفجر، فقد حاولوا حل المشكلة الاجتماعية بأسلوب مبارك الأمني، ذلك الذي أثبت فشله، مع فارق كونه أكثر فظاظةً ودمويةً في ظرفٍ مختلف عن عهد مبارك البليد الراكد، وفي محاولةٍ للفهم تتخطى الدهشة الدائمة المتعاظمة لا نجد مفراً بعد التحليل من الإقرار بعدة نتائج أو لنقل قناعات: أستبعد أن تكون الجماعة مغيبة عن الواقع إلى الدرجة التي يتصورها البعض ويتمناها البعض الآخر لتفسير تلكؤهم الذي يصل حد البلادة وعنادهم في التعامل مع الظرف المشتعل، فهناك أجهزة أمن واستخبار نفترض ونتصور أنها تضع أمامهم الحقائق، ومن شأن ذلك أن يزيد من مسؤولية الحكومة والجماعة عن ذلك الوضع المتردي بطبيعة الحال، فالأمر في نهاية المطاف ليس راجعاً للجهل وإنما لاختيارات وانحيازات… أجل اختيارات، فقد قررت الجماعة واختارت أن تراهن على الوقت وإرهاق المتظاهرين ومللهم، كما قفزت إلى تكريس وجودها عن طريق الدعم الأمريكي-السعودي وما يشمله ذلك ضمناً من تطمينات لإسرائيل… أي السير على نفس نهج مبارك وإعادة إنتاج نظامه بنفس الانحيازات تماماً… مع فارق الظرف كما أسلفنا.هي مسألة اختيارات أكرر، لكنها تنم عن قلة فهــــمٍ وسوء تقديرٍ للواقع كما تفضخ خللاً عمـــــيقاً في مفاهيم الجماعة وبنيتها التنظيمية… أولاً: إنه مما لا شك فـــيه أن الجماعة التي راهنت على التوسع في تنظيمها الصـــارم وإحكامه فعلت ذلك على حساب بناءٍ تصورٍ حقيــــقي عن كيفـــية إدارة الدولة بكفاءة، والأخطر من ذلك أنها لم تدرك أن الشعب المصري لن يثور على مـــبارك لفساد إدارتـــه ونهبــــها فحسب وإنما لانحيازاته الطبقية، وأنها لم ولن تصلح بديلاً عنه إذا ما التزمت بنفس النهج الاقتصادي والانحياز الطبقي.ثانياً: بفرض أن الجماعة تدرك موطن الخلل الاقتصادي-الاجتماعي، فهي لن تستطيع حلها جذرياً لأن ذلك يتعارض بصورة مبدئية مع منطلقاتها الفكرية والاقتصادية (ومصالح كبار أساطينها وأرباب ثرواتها من حيتان مكتب الإرشاد) التي لا تعرف سوى اقتصاد السوق وترى التفاوتات نصيباً ينبغى على من يكتوون بها القبول والرضى… لن تقدم الجماعة على قرارٍ من قبيل الإصلاح الزراعي الذي دشنت به ثورة يوليو عهدها، بل العكس من ذلك تماماً تمضي في الطريق المضاد وها هي الآن منهمكةٌ في التصالح مع مليارديرات عهد مبارك الهاربين، الأمر الذي لن أعلق عليه لأن هذه الجريدة الموقرة لن ترضى على الأغلب بنشره وسأكتفي بالتساؤل: أين الثورة؟! هل الحقوق المسلوبة مجرد دماء؟ أليس من أثرى من الحرام ودفع الكثيرين للموت جوعاً ومرضاً مجرماً كالقتلة سواءً بسواء؟!.ثالثاً: إن الجماعة التي اتسمت طيلة عمرها أو على الأقل في الأربعين عاماً الماضية بالمرونة النسبية في التعامل مع نظام مبارك فأجادت لعبة شد الحبل وحافظت على شعرة معاوية معه، حيث احتلت كل المساحات التي كانت الدولة تخليها واستوعبت أية ضربات أو ركــــلات تلقتــها منه، تلك الجماعة تفقد ميزة المــــرونة تلك أمام ذلك الشارع المنفلــــت الذي لم تُعرف للتعامل معــــه قواعــــد بعـــد والواقـــع السياسي المستجد الشديد التعقيد… فهي لا تستطيع الاستـــعاضة عن مشروع التمكين والتغــــلغل في مؤسسات الدولة منفــــردةً سبيلاً للحكم، وتجدها تقفز إلى الأمام مسرعةً في ذلك كلما زاد الوضع تأزماً، في حين أن الوضع يتطلب قدراً أكبر من المرونة والمنــــاورة بإشراك فصائل سياسية أخرى عوضاً عن إقصائها، غير أن الجماعة ليست مستعدة للتضحية أو لدفع ذلك الثمن وخير دليلٍ على ذلك هو الخلاف والقطيعة بينهم وبين السلفيين الأقرب إليهم من حيث التصنيف والمزاج.رابعاً: إنه مما يلحق بانعدام الرؤية وفقدان المرونة أن تجد الجماعة مسكونةً بنفس المعطيات والتصورات التي عاصرها مبارك وسيطرت على تفكيره، فهي تراهن على الرضا الأمريكي مثله تماماً عوضاً عن محاولة الاستقواء بشعبها وإرضائه، كأن العالم لم يتغير ومصر لم تشهد حراكاً ثورياً على مبارك وسياساته وانحيازاته، وكأن أمريكا لا تعاني أزمةً اقتصاديةً طاحنة وكأن العالم لم تظهر على ساحته قوى أخرى مهيبة وضخمة كالصين والهند وروسيا العائدة في غضب.هو إفلاسٌ مدهش ذلك الذي يثبته د مرسي وحكومته، إفلاسٌ يضعنا أمام خياراتٍ كل واحدٍ منها أسوأ من أخيه، والحل الوحيد للخروج من الأزمة هو بالحوار والاستجابة لمطالب الشارع والمشاركة السياسية عوضاً عن المغالبة…إلا انني على الرغم من رغبتي الصادقة في ألا أبدو كالغراب لا أجد في قرارات وتصرفات تلك الحكومة وهذه الجماعة ما يشير إلى ذلك مطلقاً… وربنا يستر. كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخديرqmdqpt