حكومة مصر أضعف من أن تؤسس لخارطة طريق مستقبلية

على امتداد أكثر من مئة يوم منذ أن تشكلت حكومة مصر الانتقالية، شهدت البلاد مجموعة من الاحداث المتتالية التي برهنت، بما لا يدع مجالا للشك، على أنها اضعف من أن تتخذ قراراً لدعم توجهات شعبها الحياتية، وإن اتخذته بعد إلحاح ونقد فبيد مرتعشة ومترددة.
لن نتحدث عن ملفات قررت تيارات المجتمع على اختلاف أطيافها، أن تؤجل التفكير والبت فيها إلى ما بعد انقضاء المرحلة الراهنة، كترسيخ الديمقراطية وتوسيع قاعدة عمل منظمات المجتمع المدني وتعزيز حقوق الانسان.. الخ، بل سنشير إلى ما تعيشه الساحة هذه اللحظات الفاصلة من إرهاصات تحتاج إلى فعل إيجابي عاجل وحاسم وذي مردود جماهيري فوري.
تزامن قرار تأجيل إقرار قانون التظاهر، مع حادث إطلاق النار على المحتفلين بعرس في كنيسة السيدة العذراء بحي الوراق.. وظللت الواقعتان مشاهد مسؤولة تنفي بشدة وجود اتصالات من أي نوع مع القوى التي ترفض الاعتراف بالأمر الواقع الذي نجم عن ثورة 30 حزيران/يونيو الماضي. بينما وضح للكافة أنها لا تملك القدرة على تسيير شبكة قطارات السكك الحديدية بصورة كاملة، لعجزها عن توفير الأمن والأمان لمئات الالاف من ركابها في عموم البلاد، الذين تضرروا نتيجة وقفها كلية منذ منتصف شهر اب/أغسطس الماضي.
الجامعات والمعاهد المختلفة تعاني من تصرفات قلة متهورة تفرض على الإدارة والغالبية من الدارسين منطقا معوجا يعطل الدراسة ويشيع الفوضى، العديد من الشوارع والميادين لازالت تتعرض للقطع والتشويه لساعات طوال، مما جعل الرافضين لهذه الممارسات من قوى الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في عودة الحياة إلى طبيعها يزدادون عدداً كل يوم.. ومن ثم يتضاعف اعداد الغالبية من المطالبين بضرورة اتخاذ خطوات عملية لإعادة الاستقرار إلى جنبات المجتمع المصري بخطوات متسارعة.
لغة الحوار بين الأطراف السياسية المؤثرة في حركة المجتمع، سلباً وإيجاباً، كبوابة حتمية تفضي لوقف هذه المهازل التي لا تبشر بخير، متجمدة تحت درجة الصفر، لأن الحكومة لم تفكر بعد في وضع خطة فورية لوقف سياسات الابتزاز ومعارك التدمير وفوضى الاحتجاجات، لكي تتفرغ للنظر في كيفية حل الهموم التي تكاد توقف حركة الحياة علي امتداد الوطن، والتي يقع تحت طائلتها معظم فئات الشعب في الحضر والريف منذ حوالي العامين ونصف العام.
لغة الحوار غير مُرحب بها من جانب جماعة الإخوان التي هزمت شر هزيمة على يد القوي الشعبية بمختلف أطيافها، ولذلك توالي بإصرار رفض جميع ما عرض عليها حتى الآن من مبادرات، على المستويين الداخلي والخارجي، وترفع شعار عودة الشرعية وعودة دستور 2012 ومجلس الشورى، وتروج الى أن الغالبية الشعبية تقف إلى جانبها.
وعلى قدر ما يمثله ذلك من معوقات لا حصر لها على مستوى التقدم في مسيرة تنفيذ خارطة الطريق، على قدر ما يحتم الواجب الوطني على الحكومة ان تبذل قصارى جهدها لكي تجتذب عددا من عقلاء كوادرها وحكماء المجتمع المدني للجلوس معها حول طاولة حوار، تقود لمجموعة من القرارات واجبة التنفيذ بشكل فوري.
كل الدلائل تشير إلى أن ما بقي في الساحة من قيادات تنتمي لجماعة الاخوان، يتحصنون وراء سقف من المطالب صعب الاستجابة له رسمياً ومجتمعياً.. ويحتمون بمجموعة من الشباب الذي يبادر وفق مبدأ السمع والطاعة، لتنفيذ ما يفرض عليه من تعليمات لا صلة لها بالواقع.. ويوالون التصعيد في ضوء ما يَرد اليهم من تعليمات يتوافق عليها التنظيم الدولي، لأنهم رافضون للتسليم بما جرى ورافضون للانصهار في المجتمع وفق مشيئة الغالبية من ابنائه عدداً ووزناً.. وغير مستعدين لما تفرضه الاشتراطات السلمية لحركة الثورة والثوار.
على الرغم من ذلك نقول ان سكوت الحكومة على هذه التصرفات المرفوضة مجتمعياً يعني لدى المواطن العادي أنها خاضعة للابتزاز.. وأنها قابلة للانهزام امام أساليب الضغط التي تقوم بها مجموعات لا تقدر المسؤولية.. وليس في مقدورها أن تتخذ من القرارت الضرورية ما يُعيد الأمن والاستقرار للمجتمع، الذي كان يتوقع منها أن تنقله من حالة الفوضى إلى بداية طريق القضاء على اسبابها التي لم يتخلص منها منذ كانون الثاني/يناير 2011.
خضوع حكومة مصر الانتقالية للابتزاز، يجعل الغالبية العظمى من المواطنين ضحايا لما يتعرض له مجتمعهم من أضرار بلغت حد تعطيل مجري حياتهم وضيقت عليهم خناق يومهم وطمست معالم غدهم.. وحولتهم إلى أسرى مغلوبين على أمرهم بعد أن سرقت منهم مكاسب الثورة التي قاموا بها، وسودت أمام أعينهم معالم الفترة التي كانوا يتوقعون ان تنير لهم معالم خارطة الطريق التي ارتضوها لأنفسهم.
لماذا تنتظر الحكومة المصرية من يقدم لها مشروعا لمبادرات تحدد معالم خارطة الطريق؟ لقد أصبح زمام القيادة بين يديها.. فهل تشك في ذلك؟ أم ليس لديها القدرة على القيام به؟ المبادرة التي كانت تنتظرها الأغلبية تدور كافة بنودها حول هيبة الدولة سياسياً وأمنياً ومجتمعياً.. مبادرة تُلزم كافة الأطراف بالتكاتف معا من أجل مصلحة البلاد والعباد، وهي أي الحكومة أول من يعمل على تحقيق بنودها. مبادرة لا تميل مع الهوى، ولا تقتص من المجهول ولا تُهمش إلا من شاء أن يقصي نفسه بنفسه.. مبادرة توظف طاقات المجتمع للدفاع عن مصالح أبنائه وحماية ثورتهم والتعاون لوضع خطواتها على الطريق الصحيح.
هذه المبادرة كانت القوى الوطنية الحريصة على غدها تتوقع أن تطرحها الحكومة الانتقالية على الشارع منذ منتصف اب/أغسطس الماضي، لكن التردد والخشية من ردود أفعال المناوئين للثورة المعتدين على قوي الشعب الداعمة لها، أوقع الحكومة في فخ الحلقة المفرغة التي أصبح المجتمع يدور فيها بسبب موجات العنف وإغلاق الطرق والميادين وتعطيل الدراسة.
وماذا كانت النتيجة؟
للأسف، أكدت هذه الحالة من السلبية بمرور الأيام أن حكومة الدكتور حازم الببلاوي غير قادرة على القيام بالفعل الإيجابي، فبدلاً من أن تعمل لإعلاء كلمة الشعب، فتحت المجال على مصراعيه للمتلاعبين بمصيره أن يعثوا فساداً بكافة مناحي الحياة.. فاختلطت الأمور، ولم يعد المواطن العادي قادراً على التفريق بين الحق في التظاهر، ومساوئ تعطيل الدراسة أمام ابنائه، ولم يعد في وسعه أن يميز بين من يعمل لغده، ومن يبذل كل طاقته لوأد حلم مسيرة الثورة، ولم يعد يثق في إطار الوحدة الوطنية، فكل ما يحدث امامه يحرمه من الارتكان الى هذا الحائط الذي يمنع عنه الوقوع في غيابة جب النزعات الطائفية.
هل لا زال في الوقت متسع أمام حكومة مصر الانتقالية أن تقوم بمسؤولياتها الوطنية؟
نعم، وعليها أن توقف سياسات الشجب والاستنكار والمواساة، وأن تبدأ فوراً في وضع نهاية لإخفاقاتها المتتالية.. عليها ان تعمل بكل طاقتها كفريق واحد لوضع حد للتظاهرات في العاصمة والمحافظات.. ووقف طوفان وقف الدراسة في المعاهد والكليات.. وأن تبدأ من غد في وضع خطة قصيرة الأجل تفتح لها آفاق توظيف طاقات المجتمع المعطلة لتحقيق مطالب الثورة التي بدأت في يناير 2011 ولم تتحقق بعد..
وان لم تعمل فوراً على صيانة سلامة المجتمع حيال كل ما تتعرض له من تفتيت وتفريط باتخاذ قرارات تتناسب وخطورة الأزمات الطاحنة التي تستنزف طاقات الغالبية العظمى من أبناء هذا الوطن، فلن ترى خارطة الطريق النور، لأن سكونها وسلبيتها سيمنحان الفرصة تلو الفرصة للإرهاب والفوضى ان تتفشى وتتمدد إلى دورة الحياة المصرية ذاتها..

‘ إستشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية