الناصرة-“القدس العربي”: بعد ثلاث جولات انتخابية متتالية في غضون عام واحد استنزفت ميزانية إسرائيل وهيبتها وبددت صبر سكانها، تم الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة هي الـ 35 منذ احتلال 48 والخامسة لبنيامين نتنياهو. رسميا وفي ظل تفشي جائحة كورونا وصفت هذه الحكومة التي تم تنصيبها قبل أيام بـ “حكومة طوارئ” لكن الخطوط العامة لوزرائها وخطوطها العريضة وتصريحات قادتها تدلل على أنها تتخذ من الطوارئ ذريعة فقط لتبرير انطلاقها على هذا النحو وتبرير انتهازية مركباتها الذين التقوا على مصلحة البقاء في السلطة بدون برنامج سياسي يجمعهم كما يرى عدد كبير من المراقبين المحليين. ويرجح عدد كبير من المحللين الإسرائيليين أن نتنياهو سيستغل أول فرصة للتحلل من هذا الاتفاق كي يبقى وحيدا في السلطة لاسيما أن مقاضاتاه في المحكمة المركزية ستبدأ خلال أيام وهو يخشى أن يتعرض للضعف والتمرد من قبل قادة حزبه بحال تنحى لصالح غانتس وفقا للاتفاق. حاليا أدت حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة اليمين الدستورية لتنهي بذلك حالة من الجمود السياسي استمرت أكثر من 500 يوم وشهدت ثلاث جولات انتخابية لم يتمكن أعضاء الكنيست في ختام جولتين منها من تشكيل ائتلاف حكومي يشمل 32 وزيرا وأيد الحكومة الجديدة 74 عضو كنيست وعارضها 46 عضوا. وأدى نتنياهو اليمين الدستورية كرئيس للحكومة لولاية خامسة منذ 2009 كما أدى رئيس حزب “أزرق-أبيض” بيني غانتس اليمين الدستورية كرئيس حكومة بديل ورئيس حكومة مستقبلي، ومن المقرر أن يحل محل نتنياهو كرئيس للحكومة يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 وبالوقت نفسه أدى اليمين كوزير للأمن. ويبلغ مجموع أعضاء الائتلاف الحكومي 73 عضو كنيست، 36 منهم من حزب الليكود، و16 من حزب “أزرق-أبيض” و9 من حزب شاس، و7 من حزب يهدوت هتوراة، و2 من حزب العمل، و2 من حزب “ديرخ إيرتس” المنشق عن حزب “تلم” بزعامة موشيه يعلون، وعضو الكنيست رافي بيرتس من حزب “البيت اليهودي” وعضو الكنيست أورلي ليفي-أبكسيس من حزب “غيشر”.
خطاب التنصيب
في خطاب التنصيب أشار نتنياهو إلى الخطوط العامة لحكومته وأولوياتها فقال إن المهمة الأولى هي مكافحة كورونا والثانية تمرير الميزانية العامة للدولة وإنعاش الاقتصاد، والثالثة محاربة إيران، والرابعة محاربة التحقيق في ارتكاب جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية الذي وصفه بأنه تهديد استراتيجي لإسرائيل والجيش الإسرائيلي، والمهمة الخامسة ستكون ضم مناطق من الضفة الغربية إلى إسرائيل. وقال نتنياهو إنه ينوي طرح مسألة الضم على الحكومة بسرعة. وبموجب الاتفاق بين رأسي الائتلاف “الليكود” و”أزرق-أبيض” فإن رئاسة الحكومة تكون بداية لبنيامين نتنياهو، لمدة 18 شهراً، تنتهي يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر من العام المقبل، ثم تنتقل لفترة مطابقة لبيني غانتس، بصفته “رئيس الحكومة البديل” بدون الحاجة لحل الحكومة وطلب الثقة من الكنيست.
حكومة طوارئ؟
وبموجب اتفاق الليكود و”أزرق-أبيض” فإن هذه تُعد حكومة طوارئ لمدة ستة أشهر، ويكون برنامجها المرحلي معالجة الأزمتين الصحية والاقتصادية، ولا شيء غير ذلك، سوى عملية فرض ما يسمى “السيادة الإسرائيلية” على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة. وجاء هذا البند السياسي، لكون نتنياهو يسعى لإنجاز هذا المخطط قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي من المفترض أن تجري في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل؛ ما يعني أن توقيت مخطط نتنياهو يقع في فترة الأشهر الستة. كما يقضي الاتفاق بأنه خلال الأشهر الستة، تتفاوض كل كتل الائتلاف حول برنامج الحكومة في كل المجالات، بما فيها المجال السياسي، رغم ذكره في اتفاق الليكود و”أزرق-أبيض”. ولكن في الاتفاقية الثنائية بين الليكود وبين حزبي اليهود المتزمتين (الحريديم) “يهدوت هتوراة ” و”شاس” عدة بنود تتعلق بالقضيتين “الحارقتين” من ناحية كتلتي الحريديم: قوانين السبت اليهودي، وتجنيد الشبان الحريديم في الجيش. فقد تعهد الليكود للكتلتين بأنه سيحافظ على “الوضع القائم” (الستاتيكو) بمعنى عدم السماح بتغيير القوانين والأنظمة القائمة، رغم تناقض هذا مع برنامج “أزرق-أبيض” على مستوى التحالف السابق، والكتلة بتركيبتها الجديدة. وقد تكون نقطة الصدام في الائتلاف الحكومي لاحقا، سعي كتلتي الحريديم لإلغاء نظام المواصلات الجديد الذي وضعته بلدية تل أبيب، وبلديات مجاورة لها، بشكل يتجاوز القانون الذي يحظر المواصلات العامة، إذ يتم تسيير حافلات مواصلات مجانية، من عدة نقاط في تل أبيب ومدن الجوار، إلى مراكز الترفيه. كما يتضمن الاتفاق بين الليكود وكتلتي الحريديم إقرارا نهائيا لقانون تجنيد الشبان الحريديم، بعد تعديل صيغته التي وضعها الجيش وأقرها الكنيست بالقراءة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2018. وهذا التعديل الجديد، تقبل به كتلة “أزرق-أبيض” وهو يفرّغ القانون من مضمونه، إذ يمنح الحكومة الحق في تحديد أعداد الشبان الحريديم الذين سيتجندون سنويا، من أصل الذين يصلون إلى سن التجنيد. وطالما أن الأمر بيد الحكومة فهذا يعني أن القرار سيخضع لإملاءات كتلة يهدوت هتوراة بالذات، وتساندها كتلة “شاس”.
إحالة السيادة؟
رغم أن الاتفاقية بين الليكود و”أزرق-أبيض” تتحدث عن حكومة طوارئ تعنى بأزمة كورونا والأزمة الاقتصادية، إلا أنها أفردت بندين لمخطط فرض ما يسمى “السيادة الإسرائيلية” على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة. وقد نصّ البند 28 على أن “رئيس الحكومة، ورئيس الحكومة البديل، يعملان سوية وبالتنسيق، من أجل الدفع قدماً باتفاقيات سلام، مع كل جيراننا، والدفع نحو تعاون إقليمي، في مجالات اقتصادية متنوعة، وفي مجال كورونا”. و “في كل ما يتعلق بتصريح الرئيس ترامب (صفقة القرن) فإن رئيس الحكومة ورئيس الحكومة البديل، يعملان بالتوافق الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك مسألة الخرائط، أمام الأمريكيين والمجتمع الدولي بشأن هذا الموضوع، وكل هذا في إطار السعي للحفاظ على المصالح الأمنية والاستراتيجية لدولة إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على اتفاقيات السلام (القائمة) والسعي لاتفاقيات سلام مستقبلية”. و”ينصّ البند 29 أنه رغم ما ذكر في البند 3 20 والبند 28 وبعد أن تجري الأبحاث والمشاورات بين رئيس الحكومة، ورئيس الحكومة البديل، حول الأسس المفصلة أعلاه، يستطيع رئيس الحكومة أن يُحضر المصادقة التي يتم التوصل لها مع الولايات المتحدة الأمريكية، حول سريان السيادة، ابتداء من 1/7/2020 للبحث في المجلس الوزاري المقلص للشؤون الأمنية والسياسية وللحكومة، للمصادقة عليه في الحكومة، و/أو الكنيست”. و”في حال أراد رئيس الحكومة عرض اقتراحه على الكنيست، فإنه يستطيع فعل هذا بواسطة عضو كنيست، بشرط فقط أن يكون من كتلة الليكود، الذي سيلتزم لدى التصويت عليه بالقراءة التمهيدية، بأن يكون نص القانون مطابقاً للاقتراح الذي عرضه رئيس الحكومة في المجلس الوزاري المصغر والحكومة. وبعد إقرار القانون بالقراءة التمهيدية، يتم نقل القانون، إلى مسار التشريع الأسرع، وبشكل لا يشوش ولا يعرقل المسار، من قبل رئيس لجنة الكنيست، للبحث في القانون في لجنة الخارجية والأمن”. وحسب المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” فقد تمت صياغة البند 28 بطلب من “أزرق-أبيض” ليكون في حسابات تطبيق المخطط، والقصد منه عدم التسبب بآثار سلبية على العلاقات مع كل من الأردن ومصر، وأيضا على آفاق تمدد العلاقات الإسرائيلية مع دول شرق أوسطية. بينما يأتي البند 29 أكثر وضوحا، وينص على موعد زمني، وعلى أن القرار يعود لشخص بنيامين نتنياهو، حتى لو اعترض عليه بيني غانتس أي أن الأخير لا يملك حث النقض عليه وبالتالي يستطيع نتنياهو تطبيق الضم إن أراد ذلك.
تحفظات غانتس واشكنازي
وغداة تنصيب الحكومة أدلى قائدا “أزرق-أبيض” بيني غانتس ووزير الخارجية غابي اشكنازي بتصريحات مفادها أنهما يؤيدان الضم بحال كان جزءا من “صفقة القرن” كاملة وبالحفاظ على اتفاقات السلام مع الدول المجاورة.
ويبقى السؤال هل تقدم هذه الحكومة على تطبيق وعد انتخابي سابق لنتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية؟ يلاحظ “مدار” محاولات الولايات المتحدة التحدث بصوتين في الأسبوعين الأخيرين، فتارة يعرب متحدثون باسمها عن تأييد مطلق للضم فيما قام بعضهم الآخر برش ماء بارد على الموضوع. ويقول إنه منذ توقيع هذا الاتفاق، وحتى الآن، وخاصة في الأيام الأخيرة، ظهرت ظروف جديدة على الساحة، من بينها تقارير تتحدث عن أن موافقة الإدارة الأمريكية على ضم فوري بعملية تبدأ في مطلع تموز/يوليو المقبل ليست واضحة، إذ أن ما يصدر من تصريحات من واشنطن تقول إن الضم يجب أن يكون في إطار محادثات مع الجانب الفلسطيني، وإن واشنطن تأمل من القيادة الفلسطينية أن تفاوض إسرائيل، على أساس “صفقة القرن”. إلا أن هذا ليس مؤكدا، كون أن الانتخابات الأمريكية تقترب، وتقول تقارير إسرائيلية إن نتنياهو سيستخدم تأثير قيادة الطائفة الأفنجيلية “المتجددين المسيحيين” على إدارة ترامب، لتوافق على الضم. في المقابل تواصل جهات إسرائيلية معظمها أمنية الطابع، التحذير من مغبة التورط بالضم ومنها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب برئاسة رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق الجنرال بالاحتياط عاموس يادلين وعدد من الجنرالات بالاحتياط بقيادة الجنرال متان فلنائي، ممن ينبهون من أن الضم سينسف آخر احتمالات تسوية الدولتين ودفع إسرائيل للتورط بالدولة الواحدة علاوة على تدمير اتفاق السلام الاستراتيجي مع الأردن.
الخان الأحمر والسم بالدسم
وتتفاوت تقديرات المراقبين الإسرائيليين حيال ما سيقوم به نتنياهو، فهناك من يرى أنه ذاهب لإحالة الضم مستفيدا من صداقته الحميمة مع ترامب وعلاقاته مع دول العالم، وبالمقابل هناك من يرى أنه لن يفعلها خوفا من تبعات الضم. الكاتب الصحافي غدعون ليفي يرجح أن نتنياهو يتجه لتطبيق الضم ولن يكترث بتهديدات الاتحاد الأوروبي لأنها ستبقى حبرا على ورق، مشددا على أن ما سيمنعه هم الفلسطينيون أنفسهم وقوة ردهم. في المقابل يرى المحلل السياسي في القناة الإسرائيلية 13 رفيف دروكر، أن نتنياهو لن يتورط بالضم مشيرا لطبيعته الحذرة وخوفه من المغامرة. وللتدليل على استبعاده ذلك يستذكر أن نتنياهو لم يقم بإخلاء قرية الخان الأحمر شرقي القدس رغم وعوده المتكررة بتنفيذ قرار حكومي بذلك قبل نحو عامين. وهناك جهات إسرائيلية أيضا تفيد بأن تهديدات العاهل الأردني عبد الله الثاني التي ورت في حديث لمجلة “دير شبيغل” الألمانية ستترك أثرها لدى حكومة الاحتلال. ويختلف قادة المستوطنين حيال “صفقة القرن” بين من يراها مناسبة ومفيدة للاستيطان كما يتمثل في الضمّ وبين من يرفضها ويعتبرها نوعا من دسّ السم بالدسم لأنها ستقود بنهاية المطاف لدولة فلسطينية يعتبرونها تهديدا وجوديا على إسرائيل.
حكومة سمينة
تعد هذه الحكومة الأكبر من حيث عدد الوزراء المفترض وهو 36 بتقاسم متساو بين الفريقين. ولكن حتى الإعلان عن الحكومة، عرض فريق “أزرق-أبيض” 15 وزيرا، بينما الليكود عرض 18 وزيرا، ولكن من المفترض أن لا يؤثر هذا على قرارات الحكومة، لأنه بموجب الاتفاق يتم اتخاذها بالتوافق، باستثناء موضوع الضم. وفي حين أن “أزرق-أبيض” واجه أزمة من حيث نقص عدد النواب لإشغال الحقائب الوزارية والمناصب البرلمانية، وهي 18 وزيرا و7 مناصب برلمانية، منها رئاسات لجان، أي 25 منصبا لـ 19 نائبا، فإن الأزمة كانت معكوسة تماما في فريق الليكود، بسبب كثرة الشخصيات وقلة المناصب. وهذه الحال في فريق الليكود أدت لبقاء كتلة “يمينا” التي تضم ثلاثة أحزاب من التيار الديني الصهيوني، المهيمن على الأجواء السياسية في المستوطنات، ولها 6 نواب، في صفوف المعارضة. إلا أن بنيامين نتنياهو نجح أيضاً في سلخ رئيس حزب “البيت اليهودي” (المفدال سابقا) وزير التعليم، رافي بيرتس، عن الكتلة، وإسناد حقيبة “القدس والمشاريع القومية” له متوجا بذلك سياسته في تفتيت خصومه كما تجلى في نجاحه بشطر تحالف “أزرق-أبيض” لشطرين متناحرين. وستشتد الأزمة لدى “أزرق-أبيض” إذا اختار مجاراة التعيينات في فريق الليكود، إذ ينص الاتفاق على أنه يحق لكل فريق تعيين 8 نواب وزراء. ونائب الوزير مفروض أن يكون عضو كنيست، بعكس ما يتيح به القانون للوزراء بأن يكونوا من خارج الكنيست، باستثناء رئيس الحكومة؛ إذ لم يتبق لفريق أزرق-أبيض أعضاء كنيست في الوضع القائم، لأنه تم إسناد مناصب للنواب الـ 19 جميعا، 15 وزيرا، و4 رؤساء لجان برلمانية. ومن المشاهد اللافتة في هذا الائتلاف انضمام حزب “العمل” لحكومة نتنياهو الخامسة حيث سيشغل رئيسه عمير بيرس وزارة الاقتصاد بعدما كان أكد مرة تلو المرة أنه لن ينضم لحكومة برئاسة نتنياهو، بل أقسم بشاربه على ذلك قبيل الانتخابات وبعد الانتخابات تحلل من وعده ومن شاربه أيضا بحلاقته. وهناك من يرجح أنه بذلك يستعطف نتنياهو لمناصرته في ترشيح نفسه رئيسا لإسرائيل خلفا لرؤوفين ريفلين الذي تشارف ولايته على الانتهاء.